الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 519

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 519

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 519، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ترجمة سفيان بن عينة وأهميته في علم الحديث

يتحدث هذا الفصل عن سفيان بن عينة وأهميته في علم الحديث، حيث كان إمامًا منذ أربعين سنة ودرس عنده العديد من الأئمة الكبار. كما يشير إلى أهمية مسند صفوان بن عسال المرادي.

فضل طلب العلم والتعامل مع بعض المسائل الفقهية

يتناول هذا الفصل فضل طلب العلم حيث تضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم، كما يتطرق إلى مسألة المسح على الخفين بعد الغائط والبول وكونها من المسائل التي أثير حولها جدل بين بعض أهل الكوفة.

التعامل مع الشبهات وأهمية الرجوع إلى العلماء

يناقش هذا الفصل كيفية التعامل مع الشبهات وضرورة فحصها قبل قبولها، مشبهًا القلب بالزجاج الذي يفحص ما يرد إليه. كما يشدد على أهمية الرجوع إلى الكتاب والسنة والعلماء لتبيين الحق.

دور العلماء في حفظ قلوب الناس في الفتن

يبرز هذا الفصل أهمية العلماء في الفتن حيث يضل الناس ويبتعدون عن الحق، لكن الرجوع إليهم يحفظ قلوب الناس وطريقتهم إلى الله، ويعتبرون المرجع في الأوقات العصيبة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: مسند صفوان بن عسال رضي الله عنه، وصفوان بن عسال هو مراد من مراد اليمن، ومن الصحابة الذين وفدوا من اليمن إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقد سكن الكوفة رضي الله عنه. قال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا ابن أبي عمر، وهو محمد بن يحيى العدني المكي أصله عدني وسكن مكة، وهو ممن أكثر عن سفيان بن عينة، قال: أخبرنا سفيان، وهو سفيان بن عينة، أبو محمد الهلالي، إمام من أئمة المسلمين، قال الشافعي رحمه الله: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز. وسفيان قد درس عنده أئمة ذلك العصر: أحمد وعلي، كذلك يحيى وإسحاق، وإبراهيم، وقبلهم أيضا الشافعي والحميدي وغيرهم من أئمة الإسلام. وسفيان من عمر وأدركه هؤلاء الأئمة، وأدرك من بعدهم، وآخر من روى عنه هو محمد المصيصي الذي سمي الوضين، فعمر رحمه الله وألحق الأحفاد بالأجداد. يقول يحيى بن سعيد القطان: سفيان بن عينة عندنا إمام من أربعين سنة. سفيان بن عينة عندنا إمام من أربعين سنة، فهو مع صغر سنه في ذلك الوقت، إلا أنه أدرك الكبار، فهو يذكر في طبقة شعبة وسفيان الثوري، مع أنه أصغر منه، فهو أصغر من شعبة بعشرين سنة أو بتسعة عشر سنة، لكنه أدرك طبقته وروى عن التابعين أو عن شيوخ يروي عنهم شعبة. قال: أخبرنا سفيان عن عاصم بن نجود، وكان سفيان في البداية كان يأتي مع أبيه إلى مكة، كان أبوه تاجرا كل سنة يحج لأجل بيع ما معه في المواسم، فكان يأتي سفيان معه ويجلس أربعة أشهر في مكة يأخذ العلم، ثم بعدما توفي أباه جلس في مكة فترة من الزمن ثم استقر بعد ذلك فيها ومات وهو في مكة، وإلا فأصله من الكوفة. قال: عن عاصم بن نجود، وهو عاصم بن بهدلة صاحب القراءة، عاصم الذي تعرف القراءة به واشتهرت عنه روايتان: رواية حفص بن سليمان الغادري، ورواية أبي بكر بن عياش الذي يسمى شعبة، وكانت قراءته قراءة أصل قراءة أهل الكوفة، حتى غالبا إذا نسبت القراءة إلى الكوفة فهي قراءة عاصم، وقد خلفه بعضهم في الكوفة في بعض الأحرف: خلفه حمزة والكسائي، وخلف، لكنها قليلة. قال: عن عاصم بن نجود، وعاصم هو ثقة، لكنه وهم في أشياء وأحيانا يخلط في حديث زر بن حبيش، ووائل وأبي وائل، حتى قال همام: كان عاصم يحدثنا بالغد عن زر ويحدثنا بالحديث في العشي عن أبي وائل، أنه ينسى اختلطت عليه أحاديث أبي وائل مع أحاديث زر بن حبيش، لكن كلاهما ثقة، فلهذا قبل منه العلماء. قال: عن عاصم بن نجود عن زر بن حبيش، وزر يعتبر من مخضرم من أدرك الجاهلية وأدرك قبل البعثة أو ولد قبل البعثة عشرين سنة، فهو أدرك الجاهلية وأدرك الإسلام وأسلم في المدينة وتحول إلى الكوفة. قال: عن زر بن حبيش، وكان زر يحب عليا، وكان أبو وائل يحب عثمان، لكن كانا صديقين زر بن حبيش وأبو وائل. قال: أتيت صفوان بن عسال المرادي، يقول زر بن حبيش: أتيت صفوان بن عسال المرادي أسأله عن المسح على الخفين، فقال: ما جاء بك يا زر؟ فقلت: ابتغاء العلم. فقال: إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب. فرد زر بن حبيش أو صفوان بن عسال بزر، قال له: ما جاء بك يا زر؟ ما الذي أقدمك علي؟ فقال له: ابتغاء العلم، أريد أن أطلب العلم عندك وأخذ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكر له هذا الحديث، وجاء في بعض الروايات أنه مرفوعا، لكن أكثر روايات في هذا الحديث أنه من كلام صفوان بن عسال، ولم ينسبه للنبي عليه الصلاة والسلام، لكنه يدل على أنه حديث عن رسول الله، فهو قاله على أنه إما أنه سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام أو سمعه من بعض الصحابة. وقد جاء هذا الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث أبي الدرداء، رواه كثير بن مرة وغيره عن أبي الدرداء، وجاء أيضا عن غيرهما: إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب. وهذا يدل على فضل طلب العلم، وأن هذه الخطوات التي يخطوها طالب العلم لهي أعظم خطوات يخطوها إنسان أو يدب على هذه الأرض. أعظم هذه الدبات والخطوات هي خطوة طالب العلم في طلب العلم، حتى أن الملائكة لتتواضع له وتضع أجنحتها تواضعا له، لأنه جاء يطلب أمرا عظيما. قال: فقلت: إنه حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول. فكان بعض أهل الكوفة يتكلم في مسألة المسح على الخفين، وأن هذا المسح منسوخ، وانتشر هذا في الكوفة، حتى أن إبراهيم النخعي رحمه الله لما روى حديث جرير بن عبد الله البجلي، فقال: وكان أصحاب عبد الله يعجبهم حديث جرير بن عبد الله، كان أصحاب عبد الله: الأسود وعلقمة بن قيس، وهو أبو وائل، وعبد الرحمن بن الأسود وغيرهم من أصحاب عبد الله بن مسعود. قال إبراهيم: كان يعجبهم حديث جرير بن عبد الله، لماذا؟ قال: لأنه أسلم بعد المائدة أو بعد نزول المائدة، أن جرير بن عبد الله أسلم بعد نزول المائدة بعد حجة الوداع، فهو أسلم قبل أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم بأشهر يسيرة، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين، وهذا دليل صريح على أن المسح على الخفين باق وليس كما قالوا أنه منسوخ. قال: فقلت: إنه حك في صدري المسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرأ من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فجئت أسألك: هل سمعته يذكر في ذلك شيئا؟ وهذه فائدة عظيمة يسطرها لنا زر، وهو أن الإنسان إذا وقع في نفسه شبهة لا ينبغي أن يثيرها على الناس أو يشكك الناس ويشكك نفسه. أو أنه يدخلها في قلبه فتحدث في قلبه أشياء من الباطل، فالشبه خطافة والقلوب ضعيفة، فلهذا يحتاج المسلم إذا دخلت في نفسه شبهة لا يعرفها ولم يعهدها، لا ينبغي له أن يدخلها قلبه ويسلم لها، وهذا يخطأ فيه ويغلط فيه كثير من طلبة العلم فضلا عن غيرهم. فتجدوا إذا جاءته الشبهة أدخلها في قلبه ورضي بها، وخاصة إذا كانت توافق هواه وتوافق مشربه، وهذا غلط، وأيضا هذا سبيل من سبيل الضلال. فلهذا تلك النصيحة التي نصح بها شيخ الإسلام ابن تيمية تلميذه ابن القيم في هذه المسألة، وهي نصيحة عظيمة. فقال ابن القيم: كانت تأتيني الشبهات فلا أستطيع حلها ولا أستطيع أن أعرف ما هي، فسألت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن ذلك، فقال لي: لا تجعل قلبك كالإسفنجة، لا تجعل قلبك كالإسفنجة يتشرب هذه الشبهات، أنا لا تأخذ كل شبهة خدتها وضعتها في قلبك. وقال له: واجعل قلبك كالزجاج، اجعل قلبك كالزجاج لا تدخل الفتنة فيه حتى يعرضها على قلبه: هل تتوافق هل تتوافق معه أو لا تتوافق؟ وهذا يحتاج إلى كيف يعرف أن هذه توافقه أو لا توافقه؟ إما بالرجوع إلى الكتاب والسنة ودليل الكتاب والسنة إن كان يستطيع، أو بالرجوع إلى من يعرف ذلك وهم العلماء، فيسأل العلماء عن ذلك فيبينون له هذا الأمر. وأيضا يوضحون له هذا الأمر، ولهذا تجد الأحاديث في مثل هذا عن التابعين في سؤالهم والصحابة كثيرة. فهذا مثلا حديث عبد الله البيلماني لما حصل له شيء في قلبه في القدر، قال: فذهبت إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت إلى أبي بن كعب وسألته عن ذلك وأخبره أبي بن كعب بأمور في القدر. قال: ثم جئت إلى عبد الله بن مسعود فقال لي مثل ما قال لي أبي بن كعب، قال: ثم جئت إلى زيد بن ثابت فحدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما قالوا، قال: فذهب كل ما في نفسي. وكذلك يزيد الفقير كما في صحيح مسلم لما تشبث برأي من رأي الخوارج، قال: فقلنا نحج ثم نخرج على الناس. فذهب فمررنا إلى المدينة وجلسنا في المسجد، فإذا رجل يحدث الناس أو قال: فإذا جابر بن عبد الله يحدث الناس بحديث الجهنميين، قال: فقلت يا صاحب رسول الله ما هذا الحديث الذي تحدثون به؟ والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ وقال: ﴿أَوْ مَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ فبين له جابر. فقال له: تقرأ القرآن؟ قال: نعم، قال: قرأت عن المقام المحمود الذي ذكره الله عز وجل ووعد به نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر له حديث الشفاعة، حتى قال: فرجعنا إلى آخرنا إلا رجل واحد، أنا كلهم رجعوا، وقال بعضهم لبعض: ترون أن هذا الرجل يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين. قال: فرجعنا إلى آخرنا إلا رجل واحد، أنا ما بقي إلا رجل عاند، وأما البقية فرجعوا إلى السنة بفضل الله عز وجل ثم بفضل هذا العالم. فالعلماء هم صدر الأمة وهم دواؤها وهم أيضا دواؤها من هذه الشبهات، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. فلهذا إذا جاءت الفتن لا يرجع إلا إلى العلماء، فإذا أخذ الناس في الفتن فغالبا يضلون ويبتعدون عن الحق، لكن إذا رجعوا للعلماء فإن ذلك سلامة لقلوبهم وسلامة أيضا لطريقتهم التي يمشون بها إلى الله جل وعلا. فإن شاء الله وتعالى نكمل في شرح هذا الحديث في الدرس اللاحق، فنكتفي بهذا والله تعالى.