التبيان في آداب حملة القرآن 43

الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 43، ألقاها

حكم قراءة القرآن بغير العربية

يرى الإمام النووي رحمه الله تعالى أن قراءة القرآن بالعجمية لا تجوز سواء في الصلاة أو خارجها، وهو مذهب الشافعية ومالك وأحمد وداود. الجمهور يرون أن الترجمة الحرفية للقرآن مستحيلة، وبالتالي لا تعتبر قراءة للقرآن.

أحكام القراءات المتواترة والشاذة

القراءة بالمتواتر جائزة، بينما القراءة بالشاذة غير جائزة، ويستند إلى أقوال العلماء مثل النووي والبغوي. القراءات الشاذة التي لا تتوافق مع الرسم العثماني أو لم يثبت إسنادها إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا تعتبر معتبرة.

شروط قبول القراءات القرآنية وتطبيقاتها

القراءات التي تتوفر فيها شروط ثبوت الإسناد وموافقة الرسم العثماني تكون مقبولة. يشترط لقبول القراءات ثبوت الإسناد وموافقتها للرسم العثماني، وما يخالف هذه الشروط لا يعتبر مقبولا وتُبطل الصلاة إذا قرأ بها عالما بحكمها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»: قال فصل في حكم قراءة القرآن بغير العربية، أي هل يجوز أن يقرأ القرآن بلغة غير اللغة العربية؟ قال رحمه الله تعالى: لا تجوز قراءة القرآن بالعجمية، سواء أحسن العربية أم لم يحسنها، سواء كان في الصلاة أم في غيرها. فإن قرأها في الصلاة لم تصح صلاته. قال: وهذا مذهبنا، أي مذهب الشافعية، وهو مذهب مالك وأحمد وداود وأبي بكر ابن المنذر، وهو الراجح. لأن القرآن لا يمكن ولا يستطاع أن يترجم حرفيا، لأن القرآن عربي أنزله الله جل وعلا بلسان عربي مبين. فمن المستحيل، من المحال، أن يترجم القرآن حرفيا. فمن باب أولى أن من قرأ القرآن بغير اللغة العربية فإنه لا يكون قارئا للقرآن لاستحالة ذلك. فما ذهب إليه الجمهور هو الصواب. قال: وقال أبو حنيفة يجوز ذلك وتصح به الصلاة. وقال أبو يوسف ومحمد - أي ابن الحسن من الحنفية - يجوز لمن لم يحسن العربية، ولا يجوز لمن يحسنها. والراجح الأول. وللعلامة النووي رحمه الله تعالى في ذلك مبحث، فقال كما في كتاب «المجموع شرح المهذب»: ترجمة القرآن ليست قرآنًا بإجماع المسلمين. ترجمة القرآن، أي ترجمة الحرفية، بل وترجمة الإجمالية، ليس بقرآن بإجماع المسلمين. قال رحمه الله تعالى: ومحاولة الدليل هذا تكلف. فليس أحد يخالف في أن من تكلم بمعنى القرآن بالهندية ليس قرآنا، وليس ما لفظ به قرآنا. ومن خالف في هذا كان مراغما جاحدا. وتفسير شعر إمرئ القيس ليس شعره، فكيف يكون تفسير القرآن قرآنا؟ قال: وقد سلم أن الجنب لا يحرم عليه ذكر معنى القرآن، والمحدث لا يمنع من حمل كتاب فيه معنى القرآن وترجمة. فعلم أن ما جاء به ليس قرآنا. ولا خلاف أن القرآن معجز، وليست الترجمة معجزة. والقرآن هو الذي تحد به النبي صلى الله عليه وسلم العرب، ووصفه الله تعالى بكونه عربيا. وإذا علم أن الترجمة ليست قرآنا، وقد ثبت أنه لا تصح صلاته إلا بقرآن، حصل أن الصلاة لا تصح بالترجمة. قال: هذا كله مع أن الصلاة مبناها على التعبد والاتباع، والنهي عن الاختراع. وطريق القياس مسدودة. وإذا نظر الناظر في أصل الصلاة وأعدادها واختصاصها بأوقاتها، وما اجتمعت عليه من عدد ركعاتها، وإعادة ركوعها في كل ركعة، وتكرار سجودها، إلى غير ذلك من أفعالها، قال: ومدارها على الاتباع، ولم يفارقها جملة وتفصيلا. قال: فهذا يسد باب القياس. حتى لو قال قائل: المقصود بالصلاة الخضوع، فيقوم السجود مقام الركوع، لم يقبل ذلك منه، وإن كان السجود أبلغ في الخضوع. ثم عجبت من قولهم - النووي رحمه الله تعالى يقول: ثم عجبت - وهذا كل رد على الحنفية - يقول: ثم عجبت من قولهم إن الترجمة لا يكون لها حكم القرآن في تحريمها على الجنب، ويقول لها حكمه في صحة الصلاة التي مبنى على التعبد والاتباع. قال: ويخالف تكبيرة الإحرام التي قلنا: يأتي بها العاجز عن العربية بلسانه، لأن مقصودها المعنى مع اللفظ، وهذا بخلافه. فالحاصل أن قراءة القرآن بغير العربية ليست قرآنا، ولا يجوز أن يعتقد بأنها قرآن. ولا يجوز أن يترجم القرآن ترجمة حرفية، لأن هذا من المحال. هذا لا يستطاع له. فمن باب أولى بأن الصلاة لا تصح به. قال رحمه الله تعالى: فصل في حكم قراءة القرآن بالقراءات المتواترة والشاذة. هذا الفصل معقود للكلام على قراءة القرآن بالقراءات المتواترة والشاذة. فالعلماء رحمهم الله تعالى، علماء القراءة يقولون: أو يقسمون القرآن من حيث الثبوت والورود إلى، أو باعتبار كذلك القراءات إلى قراءات متواترة وإلى قراءات غير متواترة. ثم إن هذه القراءات الغير متواترة كذلك على الصحيح من أقوال العلماء، بل بعضهم نقل اتفاقا على ذلك أنها كذلك على قسمين. منها ما هو محل اعتبار وحجة، أي يجوز أن يقرأ به، وهو من القرآن. ومنها ما ليس كذلك. ومرد ذلك إلى أمرين: الأمر الأول ثبوت النقل في تلك القراءة إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. والأمر الثاني أن يكون خط ذلك الرسم، أو خط ذلك القرآن، أو تلك القراءة موافقة للمصحف العثماني، أن تكون موافقة للمصحف العثماني. هكذا ذكره من ذكره من المحققين رحمهم الله تعالى. وإذا علم هذا، علم حكم هذه المسألة، وهي أن يقال: بأن القراءة بالمتواتر هذا لا خلاف في جوازها، سواء كان في الصلاة أو في غيرها. والقراءة بالثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حيث الجواز من عدمه، يجوز على الصحيح. بل ذكر بعضهم أن بعض القراءات مما وصفت بأنها ليست متواترة بأنها محل اتفاق، أي أنها مقبولة، محل اتفاق، كما نقل ذلك الاتفاق الإمام البغوي رحمه الله تعالى وغيره. وأما ما كان شاذا، فإنهم لا يقرأ به، ولا يصلى به. قال النووي رحمه الله تعالى: تجوز قراءة القرآن بالقراءات السبع المجمع عليها، ولا يجوز بغير السبع، ولا بالروايات الشاذة المنقولة عن القراء السبعة. طيب، النووي رحمه الله تعالى يحكم على غير الروايات السبع مطلقا بأنه لا يجوز القراءة بها. وسأتي معنى أنه ذكر هذا القول عن أصحابه الشافعية، على أن الشافعية في مذهب الشافعي خلاف. فإن البغوي رحمه الله تعالى يعتبر من أئمة الشافعية، وكذلك غيره، كالسبكي في «جمع الجوامع» وغيرهما، يذكرون أن الصواب في ذلك ما تقدم ذكره، من أن القراءات السبع هذا محل اتفاق، وغير السبع إذا ثبت إسنادها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت موافقة للمصحف العثماني من حيث الرسم، فإنها كذلك مقبولة. بل كما سمعتم أن الإمام البغوي رحمه الله تعالى نقل اتفاقا على قبول قراءة بعض أولئك، في محل اتفاق عند أئمة القراءة رحمهم الله تعالى وغفر لهم. وأما الشواذ، وضابطها كما يقول العلماء: هي ما كانت مخالفة للرسم العثماني، أو لم يثبت إسنادها إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فهذه شاذة ضعيفة، لا تكون معتبرة. وقوله رحمه الله تعالى: «ولا بالروايات الشاذة المنقولة عن القراء السبعة»، تقدم معنا أن القراءات السبعة محل اتفاق. لكن النووي رحمه الله تعالى تابعا لغيره، نبه على مسألة، وهي أن القراءات السبعة، أو أن بعض القراءات السبعة، ربما انفرد ببعض الروايات، أي بعض الألفاظ، بعض الروايات ليست متواترة. فما حكمها؟ يقول النووي رحمه الله تعالى: كذلك لا يقرأ بها. والصحيح: القراءة بها إذا توفر فيها الشرطان السابقان: ثبوت النقل، وموافقة الرسم العثماني. قال رحمه الله تعالى: وسأتي في الباب السابع إن شاء الله تعالى بيان اتفاق الفقهاء على استتابة من أقرأ بالشواذ، أو قرأ بها، الشواذ التي لم يتوفر فيها شرط الثبوت، كما تقدم معنا. نعم، وقع اتفاق الفقهاء على ما ذكره النووي رحمه الله تعالى، على استتابة هؤلاء، لأن ذلك ليس بقرآن. قال أصحابنا - أي الشافعية - قال النووي: قال أصحابنا وغيرهم: لو قرأ بالشواذ في الصلاة، بطلت الصلاة إن كان عالما، وإن كان جاهلا لم تبطل، ولم تحسب تلك القراءة، لأن الجهل يرفع الحرج. إن كان عالما بالحكم، بطلت الصلاة. وإن كان جاهلا، فالصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى التفصيل: ما هو التفصيل؟ يقال: إن كان في الوقت، وجب عليه الإعادة. وإن لم يكن في الوقت، فإنه يكثر من النوافل. قال رحمه الله تعالى: وقد نقل الإمام أبو عمر ابن عبدالبر الحافظ إجماع المسلمين على أنه لا تجوز القراءة بالشواذ، وأنه لا يصلى خلف من يقرأ بها، أي من يقرأ بالشواذ. لماذا؟ لأن صلاته تكون باطلة كما تقدم. قال العلماء: فمن قرأ بشاذ، إن كان جاهلا به، أو بتحريم، عُرِّف ذلك. فإن عاد إليه، أو كان عالما به، عُزِّر تعزيرا بليغا، إلى أن ينتهي عن ذلك. ويجب على كل متمكن من الإنكار عليه ومنعه. الإنكار عليه والمنع، أي من استطاع الإنكار على ذلك والمنع، ومنعه من القراءة أو الإقراء، فإن ذلك يكون من الواجبات في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والحاصل هو ما تقدم ذكره، من أن الإقراء والقراءة، سواء كان في الصلاة أو في غيرها، بالمتواتر، هذا محل اتفاق. ومن فرد به بعض أولئك السبعة، أي قراءات السبع، كذلك إذا توفر فيه الشرطان السابقان، وهما ثبوت الإسناد وموافقة الرسم، فإنه كذلك يكون مقبولا. وما عدى السبع مما روي آحادا، فإنه كذلك ينظر فيه. فإن كان مما ثبت إسناده، ووافق الرسم، فإنه يكون مقبولا. وما لم يكن كذلك فلا. والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على