الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 725، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع مكانة أبي هريرة رضي الله عنه كأكثر الصحابة ملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم وأشدهم حرصاً على العلم، مستشهداً بشهادة ابن عمر وحديث اللبن المعجزة. ودعا النبي له بالحفظ فلم ينسَ شيئاً بعد ذلك، مما أكسبه ميزة الحفظ الاستثنائي.
يتميز أبو هريرة بكثرة حفظه للحديث النبوي رغم قصر مدة صحبته، حيث روى أكثر من خمسة آلاف حديث متفوقاً على من كتبوا كعبد الله بن عمر. وتظهر ملازمة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم أثراً عظيماً في تلقي العلم، بينما امتنع الزبير بن العوام عن الرواية ورعاً وخشية الكذب.
يتميز أبو هريرة رضي الله عنه بحافظة استثنائية مكنته من رواية الحديث بكثرة، بينما تورع غيره من الصحابة خوفاً من الخطأ، وقد وثق كبار الصحابة كابن عمر وابن عباس في روايته. كما تعرض لأذى أعداء الإسلام وأهل البدع بسبب حفظه للسنة، فرد عليهم علماء الأمة وأثبتوا مكانته كواحد من حفاظ الحديث.
يختتم المتحدث الجلسة مشيراً إلى أن ملازمة العلماء مسألة عظيمة ينبغي لطالب العلم مراعاتها لفوائدها الكبيرة في تنمية علمه. ويؤجل تفصيل الحديث عن هذه الأهمية لفرصة قادمة إن شاء الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا أحمد بن منيع، وهو الحافظ البغوي، أحمد بن منيع البغوي البغدادي، حافظ محفظ للحديث، كان يقارب أحمد، كما قال بعض أهل العلم، وله مسند أيضًا. قال: أخبرنا سفيان، وهو ابن بشير الواسطي، كان حافظًا كبيرًا، يقارب حفظه لسفيان الثوري. قال: أخبرنا يعلى بن عطاء، وهو الزجاج، وهو غُصري، ينسبه أو أصله، أقصد أصله هذا: طائفي، ليثي، طائفي، ليثي، طائفي، ليثي، يعني ليثي من بني ليث من الطائف، قيل إنه سكن عندهم، ثم تحول إلى واسط وسكن فيها. قال: عن الوليد بن عبد الرحمن، وهو الجرشي المدني، رحمه الله، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال لأبي هريرة: يا أبا هريرة، أنت كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأحفظنا لحديثه. قال: هذا حديث حسن. قال أبو عبد الرحمن: هو صحيح على شرط مسلم. فهذا الحديث، ولو قال: صحيح أيضًا، صحيح؛ لأن هؤلاء أكثرهم ثقات، بل كلهم ثقات. وهو شيبة مدلس، لكنه هنا قد صرح بالتحديث. قال: أبو هريرة، أو قال ابن عمر لأبي هريرة: يا أبا هريرة، أنت كنت ألزمنا لرسول الله، ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأحفظنا لحديثه. عن أنك كنت تلازم النبي عليه الصلاة والسلام كثيرًا، وهذا شهادة من عبد الله بن عمر رضي الله عنه لأخيه أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان من ألزمهم لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد جاء في صحيح البخاري أن أبا هريرة كان يقول: كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ملء بطني، يعني على جوعي، إن وجدت طعامًا أكلته، وإلا لزمت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى أنه كان أحيانًا، يعني يسقط من الجوع، من شدة الجوع يسقط، ما يقاوم، ما يجد طعامًا. فقال: فمر بي ابن عمر، فسألته عن شيء، ولم أكن أريد أن أسأله إلا رجاء أن يطعمني، ثم سألت، فمر أبو بكر، فسألته، وهكذا، حتى مر النبي عليه الصلاة والسلام، فلما سألته قال: اتبعني يا أبا هريرة. قال: فتبعته حتى دخل، حتى أذن لي أن أدخل بيته، فجاء لي بلبن، فقال: يا أبا هريرة، ادع أصحاب الصفة. قال: فقلت في نفسي: ما عسى هذا يكفي؟ ما يكفيني؟ حتى معناه: لبن قليل، والنبي وأبو هريرة كانا جائعين، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول له: ادع أصحاب الصفة، أنا قدر أربعين رجلًا أو نحو ذلك. قال: فدعوتهم، فقال: أدخلهم، يعني منجمين أو مفرقين، فكانوا يشربون ويخرجون، يشربون ويخرجون، حتى ما بقي إلا أنا والنبي عليه الصلاة والسلام. فقال لي: اشرب يا أبا هريرة. قال: فشربت، ثم قال نبي صلى الله عليه وسلم: اشرب. قال: فشربت، ثم قال لي: اشرب. فشربت، قال: حتى قلت: يا رسول الله، لا أجد له مسلكًا، لا أجد له مسلكًا، يعني: شبعتُ، ما أستطيع أن أشرب بعد ذلك. فشاهد من هذا الحديث أن أبا هريرة كان لا يبالي بالجوع، أهم شيء عنده أنه يلازم النبي عليه الصلاة والسلام، يأخذ العلم. ولما قال أبو هريرة: يا رسول الله، من أحق الناس بشفاعتك؟ فقال: لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا أحد غيرك، لحرصك على العلم. وهذه شهادة من النبي عليه الصلاة والسلام لحرص أبي هريرة. فأبو هريرة رضي الله عنه هو مقدم الصحابة في الحرص على العلم والحفظ. وقد قال له النبي عليه الصلاة والسلام: ابسط ثوبك، فحدث النبي عليه الصلاة والسلام بحديث، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: خذ ثوبك. قال: فأخذته، فما نسيت بعد ذلك شيئًا. يقول: ما نسيت شيئًا بعد ذلك، كلما ما حفظته كان يحدث به. وإنما كان يمنعه من التحديث بعض الأشياء، قال: حفظتُ قنطارين من العلم، حدثت بأحدهما، ولم أحدث بالآخر، ولو حدثت به لقطع هذا البلعوم، فيه أشياء من الفتن وغير ذلك، وقد يكون أيضًا يمس بعض من كان في ذلك الوقت، مثل حديث: إياك وإمارة الصغَار، أو إمارة الصغَار، وغير ذلك. فمن حفظه رضي الله تعالى عنه فهو حافظ الصحابة بلا منازع. وقد ذكر العلماء في عدد حديثه حتى بلغت إلى أكثر من خمسة آلاف حديث، يعني: الظاهر يريدون الصحيح والضعيف، وكذلك الطرق، أو أنهم أرادوا الطرق مع ذلك؛ لأنه لا يأتي حديث بأبي هريرة إلى خمسة آلاف حديث، يعني يقصر عن هذا، لكنه لا شك ولا ريب ولا نزاع أنه أحفظ الصحابة. ولهذا كان يقول: لا أعرف أحدًا أحفظ مني لحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إلا ما كان من عبد الله بن عمر، فإنه كان يكتب ولا أكتب. أن عبد الله بن عمر كان يكتب ما يقوله النبي عليه الصلاة والسلام. لكن الواقع غير ذلك، الواقع أن الأحاديث التي حدث بها أبو هريرة أكثر من الأحاديث التي حدث بها عبد الله بن عمر رضي الله عن الجميع. فلهذا فأبو هريرة عُرف بذلك الحفظ، ولهذا قال ابن عمر: وكنت أحفظنا لحديثه، لحديث النبي عليه الصلاة والسلام. وجاء في رواية الحاكم: وأعرفنا لحديثه، فكان يحفظ الحديث عنه رضي الله عنه، حديث رسول الله. وهذا كله يدلك على بركة ملازمة العلماء. ولهذا الصحابة رضي الله عنهم، جماعة منهم لزموا النبي عليه الصلاة والسلام، فتحصلوا علمًا عظيمًا. فهذا ابن مسعود كان يلزم النبي عليه الصلاة والسلام، حتى قال أبو موسى: ما كنت أظن عبد الله بن مسعود وأمه إلا من آل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من كثرة ما يدخل على رسول الله. ولهذا أذن النبي عليه الصلاة والسلام لابن مسعود، فقال: إذنك، إذنك على رؤيتك سوادي، إذا رأيت سوادي، فهذا إذنك. أنا يقول له النبي صلى الله عليه وسلم: إذا رأيت سوادي، سوادي، يعني ظلي أو كذا، لأن الأبواب أبواب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ليس هناك أبواب تُغلق، وإنما هي ستور مرخاة، يعني يفعل له سترة من خرق أو شيء في الباب، فهذا غالبًا يرى من داخل البيت، يعني يرى ظل، يرى ظل الشخص. فقال: إذنك أن ترى سوادي. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: يا ابن مسعود، حتى لو لم تنادِ، حتى لو لم تنادِ، فإذنك أن ترى سوادي، لكثرة دخوله على النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك أنس بن مالك كان أيضًا من المعازمين لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إلا أنه كان صغيرًا، وأمه جاءت به أول ما جاء النبي عليه الصلاة والسلام، جاءت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت: يا رسول الله، هذا أنس، خادمك، أنس، فلزم. قال: فلزمت النبي عليه الصلاة والسلام عشر سنوات، أنس لزم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنوات يخدمه. لكن لما كان صغيرًا لم يتحصل على العلم الذي تحصل عليه أبو هريرة. أبو هريرة صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أربع سنوات، لكن تحصل على علم عظيم كثير، وأنس كذلك، لكنه لم يبلغ ما حفظ أبو هريرة رضي الله تعالى عنه. وهناك من العلماء أو من الصحابة من كان يلازم النبي عليه الصلاة والسلام لازمة شديدة، لكنه لم يروِ إلا أشياء يسيرة، مثل الزبير بن العوام، عبد الرحمن بن عوف، وجماعة من هؤلاء الكبار، ك أبي بكر الصديق وعمر، وإن كان عمر أكثرهم حديثًا. فقال الزبير رضي الله عنه: والله ما كنت أغيب عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولقد حفظت مثل ما حفظ هؤلاء، أنا حفظ هؤلاء الصحابة الصغار، فأنا حفظت مثلهم، لكن حجزه الورع عن أن يحدث، يعني خشية أن يتقول على رسول الله ما لم يقل. فقال: فقد سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: من حدث عني حديثًا، أو قال: من حدث عني حديثًا كذبًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وفي رواية أنه قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس كذبًا عليك، كذب على أحد، من حدث عني كذبًا فليتبوأ مقعده من النار. فهذا الذي منع زبيرًا وجماعة من الصحابة أن يحدثوا كثيرًا، أن يحدثوا كثيرًا. حتى هؤلاء، حتى هؤلاء الذين سرت بأحاديثهم من ركبان، كما يقال: عبد الله بن عمر وغيره، لم يكونوا يحدثون كثيرًا، وإنما يحدثون الحديث بعد الحديث، حتى قال بعض أصحاب عبد الله بن عمر: رافقته في سفرة فلم يحدث إلا حديثًا واحدًا، أنا سفرة كاملة، حدث حديثًا واحدًا. وهذا باب التورع، أنهم كانوا ما يحبون كثرة الحديث حتى لا يخطئوا. لكن الله عز وجل أعطى أبا هريرة حافظة عظيمة، فكان يحدث وهو مُقنع، لشدة حفظه، لشدة حفظه. ولهذا كان الصحابة يسلمون له، يسلمون له حفظه، كما قال ابن عمر. ولما حدث ابن عمر عن النبي عليه الصلاة والسلام بحديث: من اقتنى كلبًا غير كلب صيد ولا ماشية، نقص من أجره قيراطان كل يوم، فقالوا لعبد الله بن عمر: أن أبا هريرة يذكر: وكلب زراعة، أو كلب زرع. قال: كان أبو هريرة صاحب زرع. قال: كان أبو هريرة صاحب زرع، ولهذا حفظ لفظة الزرع هنا، يصدق أبا هريرة، ما كذبه، وإنما قال: لأن أبا هريرة كان صاحب زرع، فحفظ هذه الكلمة. ولما حدث عبد الله بن عمر بحديث: أبو هريرة، من شهد جنازة حتى يُصلى عليها، ثم حتى تُدفن، فله قيراطان، قال: كم ضيعنا من قراريط! يقول ابن عمر: كم ضيعنا من قراريط. وهكذا ابن عباس كان يأخذ العلم من أبي هريرة، ويأخذ الأحاديث من أبي هريرة، حتى قيل: إن أكثر حديث ابن عباس عن أبي هريرة، أكثر حديث ابن عباس أخذها من أبي هريرة، لكنه أحيانًا لا يصرح باسمه. وهكذا كان الصحابة يثقون بأبي هريرة. أبو سعيد رضي الله عنه، لما حدث بحديث الشفاعة الطويل، وذكر آخر من يخرج من النار إلى الجنة، فقال: يقول الله عز وجل له، فيقول الله عز وجل: أعطيك ملكًا، أف، يعني ملكًا أكبر ملكًا في الدنيا، فلك مثله، لك مثل أكبر ملك رجل في الدنيا. فقال ابن أبو هريرة، وكان جالسًا: سمعته النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ولك مثله، ولك مثله، ولك مثله، حتى عد عشرًا. فلم يعارضه أبو سعيد، بل كان كأنه مقر له، لأنهم يعلمون أنه كان حافظًا كبيرًا، وواثق بحفظه رضي الله تعالى عنه. فهذا شيء مما يذكر في هذا المقام. ولهذا، لأن أبا هريرة كان حافظ الإسلام، وكان أيضًا له أحاديث كثيرة، جعل ذلك غيظ اليهود عليه. اليهود تغيظ على أبي هريرة، ولهذا دفعوا، دفعوا أناسًا ممن غروا بهم، إما أنهم يشعرون أو لا يشعرون، فصاروا من أكثر أعداء أبي هريرة، يعني عادوا أبا هريرة، إنما لحفظه للإسلام. فوجد من أهل البدع في هذا العصر ممن يكذب أبا هريرة، حتى ألف بعضهم، وهو أبو رية، أخزاه الله، ألف كتابًا في معايب أبي هريرة رضي الله عنه، ورد عليه جماعة من أهل العلم، وأعظم من رد عليه الإمام المحدث رحمه الله، في كتاب رد عليه، رد على أبي رية، وفند ما أتى به، وكذلك جماعة من أهل العلم ردوا على هذا المفتري. وكذلك أيضًا جماعة من الروافض وغيرهم أيضًا كانوا أو يعادون أبا هريرة، وألفوا كتبًا في معايب أبي هريرة، لكنها لم تغن عنهم شيئًا. فلهذا أيضًا جعل بعض، بعض أيضًا ممن هو من أهل الإسلام، لكن وردت عليه بعض الشبه، ك بعض الحنفية، طعنوا في أبي هريرة في بعض الأشياء، وقالوا: أن أبا هريرة ليس فقيهًا. وهذا قول باطل، وقد قال عبد الله بن عمر: وكنت أعرفنا لحديثه، أي: أعرفنا لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكان أيضًا أبو هريرة ممن كان يفتي، ممن ذكرهم ابن القيم رحمه الله من مفتين الصحابة، وهذا لمعرفته لفقه حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وخلاصة الأمر: أن أبا هريرة كان من حفاظ الحديث، ومن خيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، وإلا فمسألة لزوم العلماء مسألة عظيمة، ينبغي على طالب العلم أن يأخذ بها في الحسبان، لأن ملازمة العلماء لها فوائد عظيمة في تنمية علم طالب العلم، وليس هذا محلها، إن شاء الله تعالى، لعل تأتي فرصة نتكلم على ذلك. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر