الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 727، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل الشيخ مقبل بن هادي الوادعي الدرس بشرح حديث ابن عمر المروي في مسند أحمد والأدب المفرد الذي يحذر من التعظم والاختيال، مبيناً أن الكبر هو أول معصية عصي الله بها وداء الشيطان. ويوضح أن الكبر يشمل العجب بالنفس والاستعلاء على الخلق، ضارباً المثل بالشاب الذي تعاظم على من هو خير منه.
يحذر الشيخ من داء العجب الذي قد يوقع العبد في ظنه أنه يتعبد أفضل من النبي صلى الله عليه وسلم، فيردهم إلى اتباع السنة. كما يبين صور الكبر في المشية المختالة التي خسف الله بأصحابها، وفي جر الثوب خيلاء الذي يحجب نظر الله عن صاحبه يوم القيامة.
يفصل المقطع حكم جر الثوب أسفل الكعبين مؤكداً تحريمه، مع التفرقة بين من يفعله خيلاء وتكبراً فأثمه أعظم، ومن يفعله عادة أو سهواً. ويستدل بأحاديث النبوة وآيات القرآن التي تعرف الكبر بأنه بطر الحق وغمط الناس.
يقرر الشيخ مذهب أهل السنة في إثبات صفة الغضب لله تعالى كما جاءت في الكتاب والسنة على حقيقتها بلا تكييف. ويرد على الأشاعرة والجهمية الذين أولوا الغضب بإرادة الانتقام أو العقاب معتبراً ذلك إنكاراً للصفة الثابتة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، إمام أهل السنة: حدثنا يحيى بن إسحاق. يحيى بن إسحاق هو السلحيني، أو يقال: السيلحيني، ويقال أيضا: السيلحون، وهو بغدادي ثقة، واتفق عليه أحمد وابن معين وغيرهم. قال: أخبرنا يونس بن القاسم الحنفي، اليمامي، أنا اليمامي، وهو أبو عمر اليمامي، وهو أيضا ثقة. قال: سمعت عكرمة بن خالد المخزومي القرشي، وهو أيضا ثقة، سمع من ابن عمر وغيره، ولم يسمع من ابن عباس على الصحيح. قال: سمعت عكرمة بن خالد المخزومي يقول: سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من تعظم في نفسه أو اختال في مشيته لقي الله وهو عليه غضبان». قال: هذا حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح. وأخرجه الإمام البخاري في الأدب المفرد، فقال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يونس بن القاسم، أبو عمر اليمامي، به، وأن مسددًا تابع يحيى بن إسحاق. وهذا الحديث فيه ذم الكبر والعظمة والاختيال والخيلاء. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من تعظم في نفسه»، أي: عظم نفسه، ورأى أن له شيئًا من العظمة، والمراد أنه تكبر. وهذا الكبر من أعظم الأدواء، وهو أول ذنب عُصي الله عز وجل به، وهو تكبر الشيطان الرجيم لما قال لربه جل وعلا: ﴿ خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾، فأبى أن يسجد لآدم، ﴿ إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين ﴾. فهو أول من تكبر على ربه جل وعلا، وتكبر على آدم، على أنه أفضل من آدم، فكيف يسجد له؟ فتعاظم في نفسه. فهذا معنى: «من تعظم في نفسه»، أي: عظم نفسه. وهذا غالبًا ما يكون، وهذا غالبًا ما يكون إلا بالكبر، ويدخل فيه كذلك العجب، أن يعجب بنفسه، وأنه له جاه، وله كذا، وله مكانة، فهذا أيضًا يدخل في هذا التعاظم. أحيانًا الإنسان يتعاظم على من هو خير منه، في تلك القصة التي حصلت لذلك الشاب، التي رواها أحمد، عندما دخل شاب، وذكر الشيخ للأحاديث الصحيحة على النبي عليه الصلاة والسلام، وقبل ذلك ذكروه للنبي عليه الصلاة والسلام، فقالوا: الذي يفعل كذا ويفعل كذا، فقال: لا أعرف. فقالوا: يفعل ويفعل، معنى: ذكروا له أفعاله وصفته، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا أعرف. ثم إن هذا الرجل دخل في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشاروا إليه، أشاروا إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنه: هذا، هذا الرجل الذي يذكرون من عبادته ومن عبادته وكذا، فتعاظم في نفسه، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أيها الفتى، أما وجدت في نفسك وأنت تدخل المجلس، أو هذا المسجد، وجدت في نفسك أنك خير من في المجلس؟» فقال: نعم، أو قال: بلى. أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أوجدت في نفسك أنك خير من في المجلس؟» وانظر أن في المجلس سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، معنى أنه ظن نفسه أنه خير من النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا من مرض العجب. فقد يتعاظم هذا المرض فيصير مثل هذا، حتى أنه ظن أنه أفضل من النبي عليه الصلاة والسلام. ومن هذا الباب، ومن هذا الباب أيضًا، ما جاء في الصحيحين في حديث أنس وغيره، جاء أيضًا من حديث عائشة، لما سأل الثلاثة عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكأنهم تقاولوا أن تقاولوا هذه العبادة التي تعبد بها النبي صلى الله عليه وسلم، وظنوا أنهم يتعبدون أفضل من النبي عليه الصلاة والسلام. فقال أحدهم: «أما أنا فأصلي ولا أنام»، وقال الآخر: «أما أنا فأقوم ولا أنام»، أو قال: «أصوم ولا أفطر»، وقال الثالث: «أما أنا فلا أتزوج النساء». فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم، قال، وقام في الناس، وقال: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ أما إني أتقاهم لله وأخشاهم له، وإني لأقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». فلذلك فقد يكون الإنسان أحيانًا يعظم نفسه، ويرى أن له مكانة عند الله، أو له مكانة عند الناس، فيفعل أشياء من التكبر ومن العجب الذي يقع في نفسه. فلذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من تعظم في نفسه». وهذا إذا وجده في نفسه، أو أحيانًا يكون هذه العظمة والكبر يكون حتى في أفعاله، فقال: «أو اختال في مشيته». «أو اختال في مشيته»، يعني: تعاظم أيضًا حتى في المشية، في المشية مشيته يختال فيها، يختال. وأيضًا معنى: يمشي مشية الكبر. ولهذا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن رجلًا ممن كان قبلنا اختال في مشيته، فخسف الله عز وجل به، فهو يتجلجل إلى الأرض السابعة، خسف الله عز وجل به بسبب هذا الاختيال والكبر في المشي. ومن ذلك أيضًا اللبسة، أحيانًا اللبسة تكون من الاختيال، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله عز وجل إليه يوم القيامة»، أخرجه أبو داود وأحمد عن أبي هريرة. فقال: «لم ينظر الله عز وجل إليه يوم القيامة». واختال في مشيته. وقال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي بكر، لما كان يسقط عليه الإزار: «إنك يا أبا بكر»، أو قال: «لست ممن يفعله خيلاء». فالإسبال من المخيلاء، كما جاء في الحديث الآخر، حديث جرير بن سليل: «الإسبال من المخيلاء». فالذي يسبل يتعمد ذلك الإسبال، فهو من المخيلاء، أو من الاختيال. وأما إذا كان يسقط عليه بدون تعمد، فهذا لا يؤاخذ عليه. ومن جعل أيضًا ثوبه تحت الإزار، لكنه ليس عن مخيلاء، وإنما عن عادة أو غير ذلك، فهو أيضًا داخل في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أسفل الكعبين ففي النار، ما أسفل الكعبين ففي النار». وأما إن جرّه خيلاء من باب التكبر، فهذا يكون إثمه أعظم، يكون إثمه أعظم، يدخل في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ومن جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله عز وجل إليه يوم القيامة». لهذا جاء في حديث ابن عمر الجمع بين الأمرين، قال: «ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار»، أو قال: «ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار، ومن جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله عز وجل إليه يوم القيامة». فدل على أن هناك من قد يفعله الإنسان من باب عدم الخيلاء وعدم التكبر، لكن قد يفعله عادة، فهذا يأثم لأنه جعله تحت الكعب، لكن الذي يجره خيلاء وتكبر، فهذا إثمه أعظم. فلذلك يكون الكبر في القلب، وهو الافتخار واحتقار الناس، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الكبر بطر الحق وغمط الناس». بطر الحق: أي دفعه ورده، فهذا كبر، الذي يدفع الحق، هذا متكبر، لا ينقاد للحق. بطر الحق وغمط الناس: احتقارهم، احتقارهم، يقول: آخذ ديني من هذا، فلان الذي هو كذا وكذا، فيحتقره في قبيلته، أو في نفسه أنه رجل ضعيف، مثل ما حصل من الكفار، مثل ما حكاه الله عز وجل في سيرة الأنبياء، في قصص الأنبياء، أنهم كانوا يتكبرون أن يجلسوا مع هؤلاء الضعفاء، مثل ما ذكر الله عز وجل في قصة نوح، وكذلك أيضًا حتى في قصة نبينا عليه الصلاة والسلام، فإن ناسًا من الكفار قالوا له: لا نجلس عندك حتى تطرد فلانًا وفلانًا وفلانًا من الضعفاء، ما يريدون أن يجلسوا عند هؤلاء الضعفاء. فقال الله عز وجل: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ﴾. وقال الله عز وجل لنبيه: ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾. فلذلك الذي يتكبر في نفسه، أو يطبق ذلك الكبر في أفعاله، إما في مشيته، أو في لبسته، فهو داخل في هذا الوعيد العظيم، أنه يلقى الله عز وجل وهو عليه غضبان. وأيضًا في هذا الحديث إثبات صفة الغضب لله عز وجل، إثبات صفة الغضب لله عز وجل، وأهل السنة يثبتون هذه الصفة وغيرها من صفات الأفعال، يثبتونها لله جل وعلا كما جاء في الكتاب والسنة، لا يقولون كما تقول الأشاعرة: إنما هو إرادة الانتقام، إرادة الانتقام، أو إرادة العقاب، ولا يقولون أيضًا مثل ما تقول الجهمية: أن المراد به العقاب والانتقام. هذا كله باطل لأجل أن ينفوا صفة الغضب، فهي ثابتة لله جل وعلا في الكتاب والسنة. فهذا شيء مما يذكر في هذا الحديث، ونكتفي بذلك، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر