التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير 13

الدرس في التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التدليس في الرواية وأنواعه

يشرح هذا الفصل أنواع التدليس في الرواية مثل تدليس الشيوخ والبلدان والصيغ، ويبين خطورتها وآثارها على قبول الروايات. يذكر أمثلة على هذه الأنواع مثل بقية بن الوليد وتدليس البلدان وتدليس الصيغ.

طبقات المدلسين وقبول رواياتهم

يقسم هذا الفصل العلماء المدلسين إلى طبقات ويشرح شروط قبول رواياتهم. يُقبل تدليس بعض العلماء مثل سفيان بن عيينة وسفيان الثوري إذا رووا بلفظ يدل على السماع أو إذا كانوا من الثقات.

تعريف الشاذ والمنكر في الحديث النبوي

يتناول هذا الفصل تعريف الشاذ والمنكر في الحديث النبوي وفقًا لآراء مختلف العلماء. يشرح أن الشاذ هو ما خالفه من هو أولى منه أو تفرد به راوٍ، والمنكر هو ما تفرد به الضعيف أو خالف الثقات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. أما بعد، قال الإمام اللوي -رحمه الله تعالى- في التقريب الثاني: تدليس الشيوخ، قال: بأن يسمي شيخه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف. أما الأول فمكروه جدا، ذنبه أكثر العلماء. الأول يريد تدليس الإسناد. طيب، تدليس الشيوخ بأن يسمي شيخه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف أو بما لم يشتهر به. فالتدليس كما ذكرنا قبل أنه مذموم، وكل القسمين مذموم. وكلما كان هذا التدليس فيه تخفي للضعفاء كان شرا. وأيضا إسقاط الكذابين وتعمية أمرهم أيضا هذا شر، فلهذا فتدليس الشيوخ أيضا إذا تعمد الإنسان تعمية الرجل أو من مشايخه وهو كذاب، هذا أيضا شر. مثل ما جاء عن ذكر الإمام مسلم -رحمه الله- في مقدمة صحيحه أن عبد الله المبارك -رحمه الله- أنه كان يقول: «كنا نأتي بقية بن الوليد، وكان يحدثنا عن نبي سعيد الوحاظي»، أنه كان زمانا يحدثنا عن نبي سعيد الوحاظي، قال: «ثم عرفنا أنه عبد القدس». فعبد القدس هذا الرجل كذاب، وكان يقول لهم: «حدثنا أبو سعيد الوحاظي»، نسبه، كناه ونسبه إلى نسبة لا يعرف بها، فهذا يسمى تدليس الشيوخ. وهذا من شر التدليس أن يدلس عن الكذابين. ولهذا وقع أكثر من هذا، مع أنه حافظ كبير من حفاظ أهل الشام، إلا أنه أكثر من التدليس، فكان يدلس حتى عن الكذابين. ولهذا كان التدليس من شر التدليس. مع أن التدليس لا يقبل أبدا، التدليس، بقية لا يقبله العلماء إلا إذا روى عن مشايخه المعروفين. إذا روى عن مشايخه أهل الشام، فإنه يقبلون حديثه، مثل بحير بن سعد وضمرة بن حبيب وغيرهما من هؤلاء، ولو دلس يقبلون حديثه. لكن إذا دلس عن الآخرين، فحديثه غير مقبول. فهذا تدليس الشيخ. قال: «كان زمانا يحدثنا عن نبي سعيد الوحاظي»، قال: «فإذا هو عبد القدس». كذلك أيضا يفعله أيضا بقية، حتى في تدليس التسوية. عن تدليس التسوية يدخل في تدليس الإسناد وتدليس الشيخ، ممكن يكون تدليس تسوية أيضا، وهو مثلا يأتي يصرح عن شيخه بالتحديث، ثم يكني الشيخ الذي روى عنه شيخه بكنية لا يعرف فيها. وهذا فعلها أيضا بقية. فبقية أيضا، فعلى هذا الأمر، فإنه روى عن رجل عن عبيد الله بن عمر، عبيد الله بن عمر العمري عن رجل، فقام وذكر هذا الرجل، ثم قال: «حدثنا معنا أبو وهب الأسدي أنا روى هذا الحديث». حديث، حديث لا تحمد إسلام المرء حتى تعرف عقدة رأيه. فقال بقية: «حدثني أبو وهب بن الأسدي عن نافع عن ابن عمر». هنا الحديث أصله كما قال أبو حاتم: من حديث عبيد الله بن عمر عن إسحاق بن أبي فروة عن ابن عمر: وعبيد الله بن عمر ليس ابن عمر، عبيد الله بن عمر معنى، معنى، معنى. الأسدي، كنيته أبو وهب، وهو أسدي، وهو مشهور باسمه عبيد الله بن عمر. فقام، فقام، فقام، وقال: «حدثني أبو وهب بن الأسدي عن نافع عن ابن عمر». عن نافع، معنى، معنى، معنى. لو قال: «عبيد الله بن عمر عن نافع»، الناس سيعرفون من هذا عبيد الله بن عمر. فقام، قال: «حدثني أبو وهب بن الأسدي»، وحذف إسحاق بن أبي فروة، حذف إسحاق بن أبي فروة، حتى لا يهتد إليه، وصور للناس أن أبو وهب بن الأسدي هذا راو يروي عن نافع عن عبد الله بن عمر. فالمهم أن هذا التدليس خطير، سواء كان تدليس الإسناد أو تدليس الشيوخ. ومن تدليس الشيوخ أيضا تدليس البلدان. تدليس البلدان، تدليس البلدان، تدليس البلدان، مثلا يقول: «حدثني فلان بغداد»، والذهن يذهب إلى بغداد أنها في العراق، وهو لا يريد بغداد التي في العراق، وإنما يريد شارع بغداد مثلا في صنعتي، ويقول: «حدثني رجل بصنعة»، والمشهور صنعان، صنعان اليمن، وهو يريد صنعان دمشق. أو بعضهم يقول: «حدثني فلان بما وراء النهر». أن ما وراء يطلقون على سيبيريا وبلاد الاتحاد السوفيتي -كان سابقا- أدريبيجان وكذا. فهذا يأتي ويقول: «حدثني بما وراء النهر»، ويريد نهر دجلة أو الفرات. هذا كله تدليس، يعتبر تدليس البلدان. وغالبا هذا تدليس البلدان يريد مثلا أنه يشتهر بأنه رحل إلى تلك البلاد، فخطورتها ليست بتلك الخطورة كخطورة تدليس الشيوخ، لكنه أدخلوه في ذلك لأنه تعمية. وكذلك أيضا من تدليس التدليس تدليس الصيغ. وهذا من شر التدليس، تدليس الصيغ، صيغ التحديث. وهذا التدليس قد فعله حتى بعض الأئمة، وهو أن يأتي مثلا إلى حديث سمعه مثلا من شيخ ثقة وشيخ ضعيف، وهذا رواه مرسلا، وهذا رواه مسندا، فيجعل حديثهما إلهما مسندا، يحمل حديث هذا على هذا. مثلا على سبيل المثال: جاء معنى، قيل أن هذا النوع يفعله سفيان بن عيينة، ويفعله كذلك معمر. فمعمر مثلا يروي عن ثابت وعن أبان، يروي حديث عن ثابت عن أبان، لكن عن أبان ابن أبي عياش عن أنس، وعن ثابت مرسلا. فيقوم ويجمع حديث ثابت مع أبان، فيقول: «حدثا لثابت وأبان عن أنس». فالذي حدثه عن أنس هو من أبان، لكن أدخل ثابتا في الإسناد، فيظن الظان أن ثابتا أيضا رواه عن أنس. فأبان ضعيف، فيعتمد على رواية ثابت. لكن هذه ما يفعلونها تعمدا، وإنما يحملون رواية ثابت عن أنس. لهذا قال علي بن المديني: «كان سفيان إذا قيل له: ثابت حدثك بهذا عن أنس؟ فيقول: لا، حدثني أبان عن أنس». أنا كان إذا استفصل منه، جاء، وحيانا يأتي به على ما حدثه به ثابت مرسلا. وهناك أيضا من تدليس الصيغ ما فعله بعض أهل الشام، يأتون إلى حديث بقية، أهل حمص، أصحابه أهل حمص. فبقية يقول: «عن، عن فلان»، هم يهذفون «عن»، ويقولون: «حدثنا»، أنا ما يقولون «عن»، يقولون مثلا: «حدثنا بقية قال: حدثنا فلان». وهو لم يقل: «حدثنا»، وهذا التساهل عجيب، حصل في أهل الشام، قد يصل بهم إلى الكذب، لكن هم من باب التساهل، لم يميزوا بين الصيغ، فجعلوا بدل «عن»: «حدثنا». وهذه مشكلة عظيمة. لهذا لم يعرف هذا شيء إلا بعض العلماء المتتبعين لهذا، كأبي زرعة -رحمه الله- فإنه عرف أن هذا الذي يفعله هو الحمص أنهم يبدلون الصيغ. والمشكلة أن بقية مدلس، وتبديل الصيغ هذا أيضا قد يحسب أن بقية لم يدلس في هذا الحديث، وهو قد دلس. فهذا أيضا من تدليس الصيغ. قال: ثم قال فريق منهم من عرف به، صار مجروحا، مردود الرواية، وإن بين السماع. هذا الأمر قليل ما حصل عند العلماء، معنى: أنه رد بسبب تدليسه. بعضهم ضعف لكثرة تدليسه، وتدليسه عن الضعفاء، مثل مثلا الحجاج بن أرطاة، وفرج بن فضالة. أو لا ضعفوا لأجل كثرة تدليسهم عن الضعفاء. وأما هل التدليس جرح؟ لا، لكن قد يكون جرحا، لأن التدليس يختلف. ولهذا قسم العلماء المدلسين إلى خمس طبقات. فطبقة أو طبقتان، الأولى والثانية، يقبل تدليسهم، لأنهم إما أن يدلسوا عن ثقة، كسفيان بن عيينة. أو تدليسهم قليل، كسفيان الثوري. وأما الثلاث طبقات الأخرى، فإنهم يردوا تدليسهم، إما لكثرة تدليسهم، وإما لتدليسهم عن الضعفاء، وإما كذلك مع ضعفهم أيضا، يدلسون عن الكذابين والضعفاء. ولهذا المرتبة الخامسة غالبا من ضعف في حفظه، وضعف لأجل كثرة تدليسه، كما قلنا: مثل حجاج بن أرطاة وفرج بن فضالة. فهؤلاء كثرت تدليسهم، لم يقبل العلماء حديثا، وكذلك لسوء حفظهم. قال: والصحيح التفصيل فيما رواه بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع، فمرسل، معنى: منقطع. وما بينه فيك سمعته، معنى: مدلس، حديث مدلس. قال: هذا على من على الذي كثر تدليسه وتدليسه يضر. وما بينه فيك سمعته، وحدثنا وأخبرنا وشبهها، فمقبول، يحتج به. وفي الصحيحين وغيرهما من هذا الضرب كثير، كقتادة والسفيانين وغيرهم. لكن سفيان بن عين -كما قلنا- يقبل تدليسه، كذلك سفيان الثوري، لأنه قليل التدليس. وسفيان بن عين كان ما يدلس إلا عن ثقة، كما ذكرنا تلك القصة عنه، لما قال: قال الزهري، قيل له: سمعته من الزهري؟ قال: لا، لم أسمعه من الزهري، ولا ممن سمعه من الزهري. حدثنا عبد الرزاق عن معمر، وحيانا كما قال ابن حبان: «كان سفيان بن عين إذا أوقف في الحديث، يحيل إلى معمر أو ابن جريج، فيقول: قال ابن جريج، أو حدثنا ابن جريج، أو معمر». قال ابن حبان: «وليس ذلك لأحد إلا لسفيان بن عين»، معنا: ما في أحد مثل سفيان بن عين يدلس عن الثقات. قال: وما بينهم فيك سمعت، وحدثنا وخبرنا وشبه، ومقبول، ويحتج به في الصحيحين وغيرهما، من هذا الضرب كثير، كالقتادة والسفيانين. وإذا جاء الحديث أو التدليس مثلا، قتادة مدلس، لكن إذا جاء في الصحيحين، قبل له العلماء. وكذلك قبله أيضا عن مشايخه الذين أكثر عنهم، كأنس بن مالك. وأما السفيانان -كما قلنا- فأما سفيان بن عين فهو من الطبقة الأولى الذي لا يرد تدليسه. وكذلك سفيان الثوري من الطبقة الثانية الذي لم يكثر من التدليس، فلهذا فذكرهم هنا خطأ. وإنما مثلا يذكر الأعمش، الأعمش تدليس ويضر، لكن في الصحيحين يقبل. وكذلك أيضا إذا روى عن مشايخه الذين لم يشتهر رواية عنهم، أيضا يتقى حديثه. على مثلا إذا روى عن أبي وائل عن أبي صالح عن إبراهيم النخعي، هؤلاء المشايخ عن أبي وائل، معنى: هؤلاء يقبل منهم، ولو دلس، لأنه لكثرة حديثه، كما قال البخاري: «لا يكاد يدلس عنهم»، لا يكاد يدلس عنهم. لكن إذا روى عن آخرين، كمجاهد وغيره، فإنه يدلس عنهم، مجاهد، تجد أنه لم يسمع منه، لا شيء يسير. وأكثره تدليس، معنى: يرويه من طريق الليث بن أبي سليم، ويدلسه. ولهذا كان الأعمش ممن يضر تدليسه، فذكره العلماء من الطبقة الثالثة في التدليس، لأنه يدلس عن الضعفاء. لكن إذا جاء حديثه في الصحيحين أو عن مشايخه الذين أكثر عنهم، فإنهم يقبلونه، إلا إذا تبين أنه من تدليسه. مثلا رواية الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، هذه مقبولة، وفي الصحيحين. لكن إذا عرف أنه دلسها، لا يقبل حديثه. مثلا جاء في حديث في مسلم من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، أنه قال: «قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: وما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسون بينهم الحديث». معناه بطوله، معناه: في انتظار معسر، وكذا. وانبسط عمله، لم يسرع به نسبه، الحديث طويل. وانسلك طريقا يلتمس فيه علما. هذا الحديث جاء عن بعض أصحاب الأعمش، كأسباط بن محمد وغيره، فقالوا: «حدثنا الأعمش قال: حدثت عن أبي صالح». قال: «حدثت عن أبي صالح»، صرح هنا أنه لم يسمعه من أبي صالح، وإنما حدث عن أبي صالح، أي: أنه دلسه. لهذا رد كثير من أهل العلم هذا الحديث، وهو في صحيح مسلم، ردوه. قالوا: أنه فيه تدليس الأعمش، ولم يسمعه من أبي صالح. لكن الحديث جاء من طريق أخرى، من طريق الأغر أبي مسلم، قال: «أشهد على أبي سعيد وأبي هريرة أنهما شهدا على رسول الله -صلى الله- أنه قال: فذكر الحديث». «ما من قوم يجلسون مجلسا»، فالحديث صحيح، والحديث كله صحيح، لكن هذه الرواية، رواية الأعمش، فيها تدليس، قالوا. وغيرهما من هذا الضرب كثير، كقتادة والسفيانين وغيرهم. وهذا الحكم جار فيمن دلس. وهذا الحكم جار فيمن دلس مرة. وما كان في الصحيحين وشبههما عن المدلسين، بعن، فمحمول على ثبوت السماع من جهة أخرى. وهذا الذي مشى عليه العلماء. وقد خالف بعض العلماء في هذا، مثل الشيخ الألباني -رحمه الله- خالف في رواية أبي الزبير عن جابر، فتجده يضعفها إذا لم تكن عن اللقاء، حتى في صحيح مسلم. وهذه الطريقة لم يمش بها أحد من العلماء المعروفين، لأن الصحيحين خدمتا، فما وجد في الصحيحين، فيحمل على السماع. وغالب رواية أبي الزبير عن جابر من طريق معاوية بن أبي الزبير، عن جابر، من طريق الليث، أو من طريق زهير بن معاوية. والزهير من أعرف الناس بحديث أبي الزبير. والمهم أن رواية الليث التي تكون في مسلم، تحمل على السماع. وأيضا مسألة أبي الزبير: هل هو مدلس أو ليس بمدلس؟ أيضا يحتاج إلى بحث، لأنه لم يعرف عنه التدليس إلا عن جابر. أنا قد روى عن ابن عباس، وروى عن طفيل بن عمر، وروى عن جماعة من التابعين، ومن الصحابة، ولم يذكر أنه دلس عن أحد منهم إلا عن جابر. وعن جابر هذا ليس تدليس أصلا، لماذا؟ لأن أبا الزبير كان يروي من صحيفة كانت عنده، صحيفة سليمان اليشكري، فكان يروي هذه الصحيفة عن جابر، فهو لم يدلس، وإنما روى صحيفة، لكنه لم يصرح عنها من صحيفة سليمان اليشكري. وهكذا فعل أبو سفيان طلحة بن نافع أيضا، أبو سفيان طلحة بن نافع، روى كثيرا من حديث الجهاد عن جابر، رواها من الصحيفة. وشيخ الألباني يقبل روايته بسفيان، ولا يقبل روايته بأبي الزبير. وعذر الشيخ الألباني في ذلك أنه قد صرح قد صرح أن هناك ما سمعه من جابر، وما لم يسمعه من جابر. أن الليث قال: «لما جاء إلى أبي الزبير، قال له: أعطني ما عندك عن جابر، فأعطاه جزء كبير». فقال: «أكل هذا سمعته من جابر؟ قال: لا، منه ما سمعت، ومنه ما لم أسمع». فقال: «فشر لي ما سمعت الذي سمعته أشر». فأشر له ما سمع من جابر، فدلت هذه القصة على أن أبا الزبير سمع حديثا من جابر مباشرة، وحديثا لم يسمعها من جابر. لكن هل دلسها؟ صحيح، دلسها، لكن هذه الحديث أخذها من صحيفة اليشكري، هذا الظن بأبي الزبير، والله أعلم. لكن فوق هذا إذا وجدنا حديثه في صحيح مسلم، فإننا نقبل حديثه، ولا نرده، ونحمل عنعناته على السماع. فهذا الذي مشى عليه العلماء. قال: وأما الثاني، فكراهته، وخفي. الثاني هو تدليس الشيوخ، وسببها تعمية طريق معرفته، وتختلف الحال في كراهته بحسب غرضه، لكون المغير اسمه ضعيفا. يفعل هذا بعض الأئمة، بعض الأئمة الثقات، كأمثال الخطيب البغدادي، والبيهقي، يفعلون هذا، يغيرون اسم الشيخ، لكن ليس لأجل التعمية، وإنما لأجل التفنن في ذكر المشايخ. مثلا تجد أن هذا اسمه عمر بن محمد بن سعيد، مثلا فيأتي باسمه وكنية أبيه: «حدثني عمر بن أبي عمر»، أو «عمر بن أبي سعيد»، وهو عمر بن محمد، هذا. فهذا يفعله الخطيب البغدادي، ويفعله كذلك البيهقي، من باب قلنا: التنوع، وليس من باب التدليس، وإن من باب ذكر اسم هذا الشخص، وذكر كنيته، حتى يعرف، إذا ذكر بكنية يعرف، وإذا ذكر باسم يعرف. قالوا: صغيرا أو متأخر الوفاة أو سمع منه كثيرا، فامتنع من تكراره على صورة. وتسمح الخطيب وغيره بهذا. أنا الخطيب فعل ذلك أيضا، البيهقي فعل ذلك أيضا. فائدة ذكرها: البلاد المشتهر أهلها بالتدليس، معنى: ذكرها سيوطي. قال الحاكم: «أهل الحجاز والحرمين ومصر والعوالي وخراسان والجبال وأصبهان وبلاد فارس وخوزستان وما وراء النهر، لا نعلم أحدا من أئمتهم دلسوا». قالوا: «أكثر المحدثين تدليسا أهل الكوفة». عن التدليس في أهل الحجاز قليل، كذلك أهل اليمن، التدليس فيهم قليل. وأما أهل الكوفة، ونفر يسير من أهل البصرة. قالوا: «أما أهل البغداد، فلم يذكر عن أحد من أهلها التدليس، إلا بكر محمد بن سليمان البغدادي الواسطي، فهو أول من أحدث التدليس بها». ومن دلس من أهلها، إنما تعلمه في ذلك. قالوا: «قد أفرز الخطيب البغدادي كتابا في أسماء المدلسين». ثم ابن حجر، وألف كما قلنا الإمام العلائي كتابه: «جامع التحصيل في المراسيل». وألف أيضا ابن العراقي، أبو زرعة العراقي أيضا ألف كتابا في هذا. وألف أيضا الحافظ بن حجر، ولخص كتاب العلائي في المدلسين، وذكر لهم خمس طبقات. قال: النوع الثالث الشاذ، قال: وهو عند الشافعي وجماعة من علماء الحجاز: ما روى الثقة مخالفا لرواية الناس، لا أن يروي ما لا يروي غيره. قال الخليلي: والذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ به ثقة أو غيره. وما كان عن غير ثقة فمتروك. وما كان عن ثقة، توقف فيه، ولا يحتج به. وقال الحاكم: هو من فرد به ثقة، وليس له أصل متابع، أصل من متابع. طيب، هذا الآن الشاذ، ذكر فيه ثلاثة تعريف. ذكر فيه ثلاثة تعريف. التعريف الأول: تعريف الشافعي، وجماعة من علماء الحجاز، الشافعي ذكر هذا التعريف في الرسالة. والتعريف الثاني: تعريف الخليلي، في الإرشاد، الخليلي له كتاب سماه الإرشاد، فذكر هذا التعريف. لكن مما يؤخذ من كلام الخليلي: أنه لم يقصد به الأئمة الثقات المعروفون، الذين استفادت عدالتهم، وإنما أراد الشيوخ الثقات. الشيوخ الثقات، معنا: الشيوخ يطلقونها على من ليس بحافظ. الشيوخ ينقسمون، منهم من هو ثقة، ومنهم من هو ضعيف. فيقول: إذا كان ثقة، توقف، إذا كان ضعيف يترك، هذا عند التفرد. لكن تفرد الأئمة الكبار، هذا معنى: هذا يقبل حديثهم مطلقا، إلا إذا كان قد ضعف فيه، إلا أن العادة أنه يقبل حديثه إذا تفرد بحديث، أي: من الإمام هذا الحافظ الكبير إذا تفرد بحديث، فإنه يقبل منه. لكن اختلف فيه في غير الحافظ، هل يقبل منه؟ الصحيح الذي عليه العلماء: أنه قبلوا حديث الثقات، معنى: إذا تفرد ثقة بحديث، قبلوا حديثه. وهذا الذي عليه العمل عند أهل الحديث، والله أعلم. من أين جاء الخليلي بقوله: «والذي عليه حفاظ الحديث»؟ أو أنه يرى أن الشاذ ليس من قسم الضعيف؟ لكن هنا قال: «يتوقف فيه». قال: «يتوقف فيه»، وهذا ليس بصحيح على عمل هذا الحديث، فإنهم يقبلون حديث الثقة، ولو تفرد، إلا إذا جاء تفرد بحديث منكر. قال: وما ذكراه، وما ذكراه، معنى: من الخليلي والحاكم، معنى: القول الثالث قول الحاكم، وهو: «من فرد به ثقة، وليس له أصل متابع». هذا أيضا معنى: تفرد الثقة. كلام الحاكم قال: وما ذكراه مشكل بأفراد العدل للضابط، كحديث: «إنما الأعمال بالنيات». لكن الحاكم في كلام أيضا قيد، وهو قوله: «وينقض في نفس الناقد أنه غلط، ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك». وبهذا قد يحل إشكال كلام الحاكم. أنا أقول: «ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك»، معنى: الحديث متى يكون شاذا؟ إذا كان رأى الحافظ أن فيه نكارة. وهذا كلام صحيح، وهذا كلام الحاكم صحيح، أنه إذا الغالب في التفرد أنه يقبل، لكن إذا قدح في قلب الحافظ أن فيه نكارة، رده، وإن لم يعلم نكارة. وأنا ما يدري من عين هذه النكارة؟ ومثل له الحافظ ابن حجر بحديث ابن عباس: «كل أرض النبي كنبيكم آدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم». هذا الحديث رواه شريك عن عطاء بن السحيب عن أبي الضحاك بن عباس. وهذا إسناد لا بأس به، أن شريك رواه عن عطاء قديما، وعطاء اختلط، لكن شريك النخعي روى عنه قديما. لكن رواية شريك نفسها أيضا فيها كلام، فقالوا: «أن هذا الحديث منكر». هذا الحديث منكر. وأيضا كذلك حديث عمر: لما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «هششت يا رسول الله؟ قال: وما هذا؟ قال: قبلت امرأتي في نهار رمضان». قال: «فرأيت إذا ... فهل عليك شيء؟ قال: لا». فهذا الحديث رواه عبد الملك عن عمر بن دينار عن جابر. وقال النسائي: «أنه منكر»، لكن لا أدري من أين النكارة؟ أنا أقول: «أنه منكر»، هذا الحديث منكر، قال: «لكن لا أدري من أين النكارة جاء؟ هل من عبد الملك؟ أو هل من كذا؟» معنى: ما يدري من الذي وقع عنده هذا الحديث؟ وأيضا سألوا الإمام أحمد عن هذا الحديث، فقال: «شبه ريح»، أنا ليس بصحيح. والمهم أن الحفاظ -رحمهم الله- العمل الذي عليه الحفاظ: أن الحديث إذا تفرد به الراوي، هو مقبول، ما لم يكن شاذا ومنكرا. وعلى تعريف الشافعي: يفترق، معنى: يختلف، التفرد من الاختلاف. فعلى التعريف الشافعي: فيه أن الشاذ هو اختلاف، اختلاف يكون في الحديث، وهو أن الرجل يخالف الناس. من الناس؟ هم أهل الحديث الذين رووا هذا الحديث. وبأدق عبارة ما ذكره الحافظ ابن حجر: أن الشاذ: «رواية المقبول لمن هو أولى منه». رواية المقبول لمن هو أولى منه. لماذا؟ قال: «لمن هو أولى منه»، لأنه قد يكون أولى منه من ناحية الحفظ، وقد يكون أولى منه من ناحية العدد، وقد يكون أولى منه من ناحية القرائن التي استدل بها على صحة قول هذا على هذا. فلهذا قال: هو حديث المقبول، أو مخالفة المقبول لمن هو أولى منهم، هو حديثه مقبول. قد يكون ثقة، قد يكون من لا إما كمالك، وكذلك سفيان الثوري، شعبة. أو لا إما كبار متقنون، لكنهم وقعوا في الخطأ، لأن الخطأ لا يسلم منه أحد. فلهذا قال: الشاذ مخالفة المقبول لمن هو أولى منه. لكن لو نظرنا في كلام العلماء: هل يطلقون الشاذ على هذا فقط؟ لا، يطلقون الشاذ أيضا حتى على التفرد. ويطلقون الشاذ أيضا على الخطأ الثقة، ولو لم يخالف، ولو أخطأ فقط، يقولون: «هذا شاذ». ويقولون: «منكر»، وإنما فقط في المنكر والشاذ -كما قلنا- أن الغالب أنهما يعاملهم العلماء كصنف واحد، وكنوع واحد. ولهذا ابن الصلاح لم يفرق بين الشاذ والمنكر، لم يفرق بين الشاذ والمنكر. وإنما فرق الحافظ ابن حجر. قال: والنهي عن بيع الولاء، لأنما العمال على نيات، تفرد به جعفر بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص الليثي عن عمر. هذا تفرد. والنهي عن بيع الولاء، تفرد به عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر، لم يروه عن عبد الله بن عمر إلا عبد الله بن دينار. وغير ذلك أيضا حديث المغفر، دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة وعلى رأسه المغفر، هذا رواه أيضا الزهري عن أنس. أو رواه تفرد به مالك عن الزهري عن أنس، لم يروه أحد عن أنس إلا الزهري، ولم يروه عن الزهري إلا مالك. معنى: الآن يقول الشيخ: أن هذا يرد عليهم، لكن كما قلنا: أن في كلام الخليلي في الإرشاد، يدل على أنه ليس المقصود الأئمة الكبار، وإنما هو من دونهم من الشيوخ. قال: وفي الصحيح التفصيل، فإن كان بتفرده مخالفا أحفظ منه وأضبط، كان شاذا مردودا. وهذا يرد قوله هناك في قبول زيادة الثقة، وإن لم يخالف الراوي. فإن كان عدلا حافظا موثوقا بضبطه، كان تفرده صحيحا. وإن لم يوثق بحفظه، ولم يبعد عن درجة الضابط، كان حسنا. وإن بعد، كان شاذا منكرا مردودا. والحاصل أن الشاذ المردود هو الفرد المخالف، والفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يجبر به تفرده. وهذا يرجع إلى الأئمة، إذا أنكروا حديثا، مثل ما قال الإمام الحاكم: «حتى ينقدح في نفس الحافظ أنه مردود». طيب، إن شاء الله نكمل بهذا. قال: النوع الرابع عشر: معرفة المنكر. قال الحافظ البرديجي: هو الفرد الذي لا يعرف متنه عن غير راويه. وكذا أطلقه كثيرون. والصواب فيه التفصيل الذي تقدم في الشاذ. معنا: الآن كما قلنا: أن ابن الصلاح لم يفرق بين الشاذ والمنكر، لكن الحافظ ابن حجر فرق بينهما، بأن الشاذ: تفرد الثقة، ومخالفته لمن هو أولى منه. والمنكر: مخالفة الضعيف، ومخالفة الضعيف. وكذلك تفرده، تفرد الضعيف، ولم يتابع عليه. أنه إذا جاء الضعيف في حديث، لم يتابع عليه، يسمى منكر. وكذلك إذا خالف الثقات في هذا الحديث، يسمى أيضا منكر. لكن كما قلنا: من تأمل كلام أهل العلم والحفاظ الكبار، رأى أنه لا فرق بين الشاذ والمنكر عنده، إلا أن هناك بعض المصطلحات عند بعض أهل العلم، مثلا عند أحمد والنسائي، يطلقون كل تفرد، يقولون: «منكر». وهذا الذي فعله ابن عدي في الكامل، فيقول: «ومن منكراته»، وهو لا يريد تفرداته، ولا يريد المنكرات التي أنكرت عليه، وإنما ما تفرد به. وتبعه على ذلك الإمام الذهبي في الميزان، فهذا يدل على أنهم يطلقون التفرد، ويطلقون الإنكار، ويريدون به التفرد. فلهذا هذا يدل على أن هناك فرقا من هذه الناحية. وإلا من ناحية الحكم على الحديث الشاذ والمنكر، فالظاهر في كلام الحفاظ أنه واحد، لكن منه من يعبر بالشاذ، ومنه من يعبر بالمنكر. والتفريق هذا الذي فرقه هو الحافظ ابن حجر. طيب، إن شاء الله نكتب بهذا، والله أعلم.