الدرس في كتاب البيوع 102، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يسقط حق الشفعة إذا طلب المشتري من الشفيع البيع أو الصلحة فقبل، أو إذا كذب الشفيع العدل المخبر بالبيع، أو إذا طلب الشفيع أخذ جزء فقط من المبيع. وإذا كانت الشفعة لشريكين وتنازل أحدهما، فللآخر أخذ الكل أو تركه، ولا يصح أخذ البعض فقط.
يناقش المقطع جواز أخذ الشفيع لنصيب أحد البائعين دون الآخر عند تعددهم، وجواز أخذ أحد الشقصين المباعين في صفقة واحدة. كما يوضح حكم الشفعة إذا بيع الشقص مع غيره كسيف أو آلة، أو تلف بعض المبيع قبل الأخذ، موضحاً المذهب الحنبلي والراجح في كل صورة.
يناقش المقطع أحكام الشفعة عند تلف جزء من المبيع، حيث يجوز للشفيع أخذ الباقي، ويفرق الحنابلة بين التلف السماوي والبشري. كما يوضح عدم ثبوت الشفعة في ملك الوقف لكونه ملكاً ناقصاً، وعدم ثبوتها للشريك الجديد دون ملك سابق، وعدم ثبوتها للكافر على المسلم عند الجمهور، خلافاً للشافعية الذين يثبتونها للذميين.
يقرر المتحدث أن الرأي الراجح هو عدم ثبوت حق الشفعة في هذه الحالة، موافقاً لترجيح ابن القيم. ثم يشير إلى عزمه على تدوين هذا الرأي للاستفادة منه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وإن قال المشتري: بعني، أو صالحني» - فعلى المشتري يقول لأحد الشريكين - فعلى: إذا جاء المشتري إلى صاحب الشفعة وقال له: بعني نصيبك، أو صالحني، فإن وافق على هذا الكلام، على البيع أو المصالحة، فيعتبر - أو فيسقط - فتسقط الشفعة؛ لأن هذا رضا بالبيع. أو كذب العدل، أن العدل هذا الثقة الذي يجب قبول خبره، أخبره أن شريكه قد باع حصته، أنه هو كذب العدل، يقول له: «فلان صاحبك، أو شريكك، باع حصته من الأرض»، فلا يصدقه، فهذا تسقط أيضا الشفعة. لكن هذا على قول المؤلف، أو الذي ذهب إليه المؤلف، على القول بثبوت الشفعة على الفور. لكن الصحيح قلنا: أنه أيضا تكون على التراخي؛ لأنه كما قلنا: مثل هذه الأشياء تحتاج إلى تروي، وإلى استشارة، وإلى جمع مال، وغير ذلك. هذا ما سيحصل في يوم وفي يومين، يحتاج إلى أيام. قال: «أو طلب أخذ البعض»: أنا إذا قال الشريك للمشتري: «أنا لي الشفعة، لكني لا أريد أن آخذ النصيب كله، بل أريد أخذ بعضه»، أنا يقول: «أنا ما عندي قدرة أشتري هذه الأرض كلها، أريد فقط ربعها»، فهنا يقول: أنها تسقط الشفعة، تسقط الشفعة؛ لأنها فيها رضا للمشتري، وأيضا فيه إضرار عليه؛ لأن المشتري اشتراها على أنها أرض كبيرة، فإذا جاء هذا الشفيع وأخذ منها، فمعنى أخذ من هذه الأرض أن قد تفوت عليه أشياء. فلذا المراد من المؤلف الآن: أنه لابد أن يشتري الأرض كلها، أن يأخذ المبيع كله شفعة، فإن أراد البعض فلا، أنا تسقط الشفعة إذا أراد البعض؛ لأن فيه ضمنا أنه موافق على البيع، ومدام أنه موافق على البيع سقطت شفعته. قال: «والشفعة للاثنين بقدر حقيهما»: أن إذا كان بين ثلاثة اشتراك في أرض، لكل واحد منهم الثلث، فباع أحدهم نصيبه، فالشفعة تكون حقا للاثنين، وكل واحد منهما له المطالبة بالشفعة، بحسب أيضا ما له، يطالب بحسب ما له من الشفعة. قال: «إن عفى أحدهما أخذ الآخر الكل أو ترك»: يعني إذا قال أحدهما: «قد تنازلت عن نصيبي من الشفعة»، فهين إذن: إن شاء الآخر أن يأخذ الكل، أي النصيبين معا، أو أن يترك. معنى: إما أن يأخذ النصيب كله، وإما أن يترك. معنى كلام المؤلف: أنه لا يأخذ نصيب واحد، معنى: لا يقول للمشتري: «خلاص، أنت خذ نصيب فلان، وأنا سأخذ نصيب فلان»، لا، لابد أن يأخذ العرض كله، النصيب كله يأخذ هكذا. هو المشهور عند العلماء. قالوا: «إن اشترى اثنان حقه واحد»: فللشفيع أخذ أحدهما. معنى: اشترى نصيبه اثنان، ليس واحد. هل يجوز للشفيع أن يأخذ من أحدهما نصيبه ويترك الآخر؟ الآن مثلا: اثنان مشتركان في أرض، فباع أحدهما نصيبه للاثنين، باع نصيبه للاثنين. فهنا هل مثلا يجوز مثلا للشفيع أن يأخذ حق أحدهما ويترك الآخر؟ أحدهما دون نصيب الآخر؟ أنا يقول له: «خلاص، أعطيني نصيب محمد، وسالم خلاص أخذه أنت». أنا المؤلف يقول: له ذلك، أنا يجوز أنه يفعل هذا؛ لأن كل واحد له نصيب، فتعدد البائع كتعدد المشتري. وهذا القول المشهور عند الحنابلة، وهناك قول بالمنع من ذلك؛ لأن هذه المسألة تشبه المسألة الأولى؛ لأن المشتري هنا واحد، فإذا قلنا: خذ نصيب أحدهما، فمعنى ذلك أننا بعضنا الأرض، ومعنى ذلك أنه راض بهذا البيع، بهذا العقد، ومدام أنه راض بهذا العقد تسقط الشفعة. ولهذا هذا القول كما قلنا أوجه. قال: «واشترى واحد شقصين من أرضين صفقة واحدة»: باع شقصين من أرضين صفقة واحدة، معه أرضين، باع، اشترى نصيبه من هذه الأرض ومن الأرض الثانية، باع نصيبه في هذه الأرض وفي أرض أخرى. مثلا: معه أرض في طيبة، وأرض أخرى في الشهر، مشترك معه مع إخوانه مثلا، أو مع أخيه، فباع نصيبه هنا وباع نصيبه هناك. فهل للآخر الشريك الشفعة معنا؟ هل له أن يأخذ أحد الشقصين؟ يقول مثلا: «أنا ما أريد حق الشهر، أريد حق طيبة»؟ فهذا جائز، وهناك قول أنه لا يجوز أيضا؛ لما فيه تبعيد الصفقة. لكن الظهر هنا: أن هذه أرض، وهذه أرض، فلذا يبعد المنع. قال: «وإن باع شقصا وسيفا، فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن»: معناها: معها شيء آخر مع حص العرض، شيء آخر. أنا مثلا: باع الأرض مع آلة الحر التي تحرث، وعلا. فهل يجوز للشفيع في الشفعة أن يأخذ حقه ونصيبه من الشفعة ويترك السيف؟ أن السيف ليس له حق فيه، أقصد: الآلة هذه، آلة الحر، ليس له حق فيها، وإنما حقه في الأرض. أنا قال هنا المؤلف: يجوز هذا؛ لأنه ما سلعتان مختلفتان. وهناك قول بالمنع، لكن الحنابلة والشافعية يقولون بالجواز؛ لأن الشفعة ثابتة في الشقص منفرد، أنا في النصيب أو الأرض التي فيها شراكة، وأما هذه العالة أو غيره، هذا شيء آخر ليس له دخل فيه الشفعة. قال: «أو تلف بعض المبيع، فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن»: على إذا اشتركوا مثلا في أرض، لكل واحد منهما النصف، فاشترى أحدهما نصيب الآخر، ثم تلف بعضه بآفة سماوية، أو أتلفه أحد. فهنا هل للشفيع أن يأخذ ما لم يتلف من هذا النصيب بحصته من الثمن؟ مثلا الآن: جاء آخر واشترى نصيب عمر، عمر وبكر اشتركا مثلا في أرض، فجاء محمد واشترى نصيب عمر، في هذه الفترة تلف عليه ربع هذه الأرض، أو هذه المزرعة، تلف عليه ربعها. فهنا هل يجوز في الشفع الآن أن يشتري، أو أن يأتي بحقه حق الشفع فقط، النصيب الذي لم يتلف، وما أتلف لا يأخذه؟ فهنا أيضا المؤلف يقول: له ذلك. وهناك بعض بعض العلم من الحنابلة أيضا قالوا: يفصل في هذه المسألة، إن كانت هذه الآفة سماوية، فإن الشفع تسقط؛ لأنه لو جعلنا الشفع لا تسقط، فتكون ضرر على المشتري؛ لأن التلف سيكون عليه. وإن كان المتلف آدميا، فإنه يرجع إلى الآدمي بقيمة ما أتلف، وتصح الشفعة. قالوا: «لا شفعة بشركة وقف»: أنا إذا كانت هناك دار، نصفها وقف، ونصفها طلق، أنا الذي ليس بوقف قال: طلق، فأراد صاحب الطلق أن يبيعه، فهل صاحب الوقف، أو المنتفع به، الشفعة أم لا؟ هنا المؤلف يقول: لا شفعة. فالموقوف عليه ليس له أن يأخذ الباقي، سوى كان للوقف أو له؛ لأن ملكه هنا ملك ناقص، لأنه ليس حقه الوقف، إنما هو ناظر فقط. وهنا وهناك قول أيضا في المسألة، في أن له حق الشفعة، وقالوا: الأدلة لم تفرق بين الملك التام والملك الناقص، بل بل الضرر هنا أعظم؛ لأن هذا الوقف سيتضرر، وتضرر الوقف أعظم من تضرر حق حق الإنسان. قال: «ولا غير ملك سابق»: أنا إذا اشترى اثنان دارا من رجل، فليس لأحدهما الشفعة، أنا لا تثبت الشفعة في نصيب الآخر، فلابد أن يكون هناك ملك سابق، أنا هناك ملك سابق على أحدهما، وإلا إذا كان اثنان فليس لهذا شفعة على الآخر. قال: «ولا لكافر على مسلم»: أي لا تثبت الشفعة لكافر على مسلم. فلو أن رجلا له دار، ويشاركه كافر، مثلا ذمي أو معاهد، في هذه الدار، فباع المسلم نصيبه لمسلم آخر، باع نصيبه لمسلم آخر، فهل تثبت الشفعة للذمي، هذا الكافر؟ قال المؤلف هنا: لا، لا تثبت. وهذا مذهب جمهور العلم، وقول الشافعية. وقالوا: أنها هناك قول الشافعية، على معنى: الشافعية يقولون: أنها تثبت الشفعة للذميين، تثبت الشفعة للذميين، لعموم الأدلة؛ لأن ثبوت الشفعة للذمي ليس فيها ما يمنع. والظاهر أن هناك فرق بين المسلم والكافر، فالكافر يضيق عليه في مثل هذه الأمور، فما دام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإذا لقيتمهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه»، فكيف يأخذ من المشتري المسلم لمراعاة حق الكافر؟ فلذا الصحيح أنه لا، لا حق له في الشفعة، وهذا الذي رجحه ابن القيم. طيب، إن شاء الله نكتبه.