الدرس في الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 37، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول حكم رواية من كذب في الحديث النبوي، حيث اختلف العلماء في قبول روايته بعد التوبة، كما يتناول حكم رواية من يصر على الخطأ في الحديث.
يتناول آراء العلماء مثل أحمد بن حنبل والإمام النووي في قبول رواية من كذب أو أخطأ، مع توضيح الفروق بين من تاب ومن لم يتب.
يتناول حكم إنكار المحدث لحديث رواه عنه تلميذه، كما يوضح توثيق ربيع بن سليمان وتوضيح ضعف سهيل بن أبي صالح بسبب إصابته.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى الحافظ بن كثير: مسألة التعمد من الكذب في حديث الناس تقضى روايته، خلافًا لأبي بكر الصيرفي. فأما إذا كان قد كذب في الحديث متعمدًا، فنقل ابن الصلاح عن أحمد بن حنبل وأبي بكر الحميدي شيخ البخاري أنه لا تقضى روايته أبدًا. فقال أبو المظفر السمعاني: من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه. وهذه المسألة مثلت من كذب في الحديث ثم رجع، هل يقبل حديثه أو لا؟ فنقل ابن الصلاح عن أحمد بن حنبل وأبي بكر الحميدي صاحب المسند شيخ البخاري أنه لا تقبل روايته. وأيّد ذلك أيضًا أبو المظفر السمعاني، وأيّد أيضًا هذا جماعات من أهل العلم، أبو بكر الصيرفي. لكن الإمام النووي رحمه الله في التقريب والإرشاد رد هذا، وكذلك شرح صحيح مسلم، وقال المختار: القطع بصحة توبته وقبول روايته كشهادته، كالكافر إذا أسلم. والأصل أن من كذب مرة لا يؤمن عليه الكذب، حتى لو رجع فلا يؤمن عليه أن يكذب ما دام أنه قد كذب، وهو في علمه وقد عرف بالعلم. أما إن كان في وقت شبابه وطيشه كذب مرة، مثل ما حصل لبعض المحدثين في بغداد، حصل منه أنه كذب، لكن لم يكذب الحديث، وإنما كذب على رجل، ثم تاب وشاخ وصار من علماء الحديث. قال الإمام الذهبي رحمه الله في عبد الله بن أبي داود: لأن بعضهم كان يتهمونه بالكذب، وقال أبوه أبو داود: لا ترو عن ابن عبد الله فإنه يكذب. فأخذ كثير من هؤلاء هذه الكلمة، وقال: كفانا أمره أبوه، على أنه قال له: قال فيه يكذب. لكن العلماء لم يقبلوا هذا، لأن ابن أبي داود إمام وحافظ كبير، وأيضًا عرف عنه الصدق، وسرت بحديثه الركاب كما يقول، وهو إمام ابن إمام. وهذه الكلمة من أبيه إنما قالها في شبابه، لما كان في شبابه، فأراد أن يخاف عليه هذه الحدة، حدة الشباب. فلهذا أراد أن يمنع الناس عن حديثه، فقال: لا ترو عن ابني فإنه يكذب. والمراد يكذب أن يخطئ معنى، لأن الكذب عند أهل الحجاز يعبرون به على الخطأ. قال الإمام الذهبي: ولعل ذلك كان في شبابه، إن كان حصل منه كذب. لكن لما شاخ فصار إماما لم يعرف شيء عنه من ذلك. فخلاصة هذه المسألة أنه متى ما كان من أهل الحديث ومن عرف بالحديث ثم كذب، فلا شك أن كلام أحمد وغيره هو الصحيح، أنه لا يقبل منه حديثه ما دام أنه قد كذب في الحديث ولو تاب. قال قلتهم العلماء: من كفر متعمد الكذب في الحديث النبوي، ومنهم من يحتم قتله، قد حررت ذلك في المقدمات، لأن هذا زنديق تعمد الكذب في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ما لم يكن تأويلا مثل بعض الكرامية. أما من يتعمد الكذب فهذا زنديق، وكفره كثير من أهل العلم. وأيضًا أقام الحد جماعة من أهل العلم، كهارون الرشيد والملوك أيضًا كهارون الرشيد وغيره أقام الحد على من كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وأما من غلط في حديث فبيّن له الصواب فلم يرجع إليه، فقال ابن المبارك وأحمد بن حنبل: لا تقضى روايته أيضًا. وتوسط بعض فقال: إن كان عدم رجوع إلى الصواب عنادًا فهذا يلتحق بمن كذب عمدًا، وإلا فلا. أنا إذا كان عرف أنه خطأ ثم أصر فهذا معاند، وإن كان لم يقتنع بكلام من يكلمه لأجل مثلا أنه رأى أنه على الصواب، فهذا لا يقال فيه مثل هذا الكلام. كان بعض الأئمة يرى أن من أخطأ وعاند في الخطأ أو أخطأ خطأ كبير يخالف الناس وعاند على هذا الخطأ، فإنه لا يقبل حديثه. لهذا كان شعبة يقول: لو روى لو روى ابن أبي سليمان العرزم حديثًا مثل حديث الشفاعة، قال: لا رددت حديث عبد الملك ابن أبي سليمان. وكان يتكلم فيه، وهو حافظ، حتى كان الثوري يسميه الميزان من شدة حفظه، لكنه أتى بحديث في المسح على الخفين نسبه إلى أنس، وإنما هو حديث الحسن عن سمرة. فقال الإمام شعبة: لو أتى عبد الملك ابن أبي سليم بحديث آخر غير هذا، لرددت حديثه. ومن التطبيق العملي في هذا علي بن عاصم الواسطي، هذا كان يخطئ ولا يرجع حتى كان ذكر عفان وذكر علي بن المديني وغيرهم أنه كان يصر على الخطأ. قال: حتى قلت له - أي عفان - يقول: قلت لعلي بن عاصم يخالفونك في هذا، قال: من يخالفونه؟ فقلت: أبو عوانة، قال: ذاك الوضاح العبد. فثم قال: ذكر حديثًا فقلت: يخالفونك، فقال: من؟ فقلت: شعبة بن الحجاج، قال: ذاك المسكين، أنا الذي أدخلته على خالد بن الحذاء. وكل ما ذكر له أحدًا تنقصه، وهذا كبر وتيه. ولهذا لم يقبل العلماء حديثه مع أنه حافظ كبير. حتى قيل: ذكر في ترجمته أنه لما جاء البصرة وحدث لم يستطع أن يحدث في المسجد لكثرة من حضر له، حتى قال: عدوا من حضر له أكثر من مئة ألف. والمسمعون الذين يسمعون الحديث لا يحصون من كثرتهم، حتى طلع الناس على الدكة على الأماكن المرتفعة. فلهذا ترك حديثه الإمام أحمد، أحسن الظن به، أنا كان من الأئمة في ذلك الوقت، ما في إلا الإمام أحمد الذي أحسن الظن به، كان يروي عنه، وإلا علي بن المديني ويحيى بن معين وأيضًا غيرهم من أئمة الإسلام، أبو خيثمة النسائي وغيرهم ردوا حديثه ولم يقبلوا حديثه. قال: وأما من غلط في حديث، فبيّن له الصواب فلم يرجع إليه، فقال ابن المبارك وأحمد بن حنبل: لا تقضى روايته أيضًا. ومنها هنا ينبغي التحرز من الكذب كل ما أمكن، فلا يحدث إلا من أصل معتمد، ويجتنب الشواذ والمنكرات، لأن هذا هو الذي يصل المحدث إلى الكذب، وهو أخذ الشواذ والمنكرات. قال: فقد قال القاضي أبو يوسف: من تتبع غرائب الحديث كذب. وفي الأثر: كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع. القاضي أبو يوسف وصاحب أبي حنيفة: كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع. وهذا في صحيح مسلم، أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه. قال: مسألة إذا حدث ثقة عن ثقة بحديث، فأنكر الشيخ سماعه لذلك بالكلية، فقال ابن صلاح: إنه لا تقضى الرواية عنه، بخلاف ما إذا قال: لا أعرف هذا الحديث من سماعي، فإنه تقضى الرواية عنه لجزمه بإنكاره، ولا يقدح ذلك في عدالة الراوي عنه فيما عداه. بخلاف ما إذا قال: لا أعرف هذا الحديث من سماعي، فإنه تقضى الرواية عنه. وأما إذا نسيه، فإن الجمهور يقبلونه، ورده بعض الحنفية. الآن المسألة هي أن من روى عن شيخ حديث، فقال الشيخ: هذا الحديث لم يحدث به أبدًا، أو هذا الحديث ليس من سماعي، فهنا لا يقبل هذا الحديث عن هذا الشيخ، لكن لا يؤثر في رواية هذا التلميذ عنه. فإن روى بعض الحديث التي يجزم الشيخ أنه لم يسمع، مثل حديث رواه الإمام مسلم من حديث عمرو بن دينار، عن أبي معبد، عن ابن عباس، حديث صفية: أن الماء لا يجنب. فقال أبو معبد: ما حدثتك بهذا الحديث، وقال عمرو: بلى، إنه قد حدثني. فمسلم ذكره في صحيح، وهذا يدل على أنه رآه صحيحًا، ورأى أن عمرو بن دينار متثبت في هذا. فالظاهر أن بعض العلماء يمشي على مثل هذا إذا كان الراوي حافظًا كبيرًا ومتثبتًا. وإلا الأصل أنه إذا جزم الشخص بأنه لم يسمع هذا الحديث، فإنه يؤخذ كلامه، لكن لا يؤثر ذلك على الراوي. أما إذا قال: نسيت، أو قال: ممكن، أنا جاء بصيغة محتملة، فهذا يقبل عند جميع العلماء إلا عند الحنفية. أنا إذا قال: نسيته، أو قال: ما أذكر أني حدثت بهذا الحديث. قال: حديث سليمان بن موسى عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل. قال ابن جريج: فلقيت الزهري فسألته عنه فلم يعرف. وكذلك حديث ربيع عن سهيل عن أبي صالح، عن أبي هريرة: قضى بالشاهد واليمين. ثم نسي سهيل لآفة حصلت له، وكان يقول: حدثني ربيعة عني. فهذا الحديث رواه عبد العزيز الدراوردي، فقال لسهيل: هل حدثك أبوك عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين؟ فقال: ما حدثك بهذا الحديث. قال: فما دام أن ربيع حدثك عني فهو صحيح، أنا جزم لأن ربيع ثقة، وسهيل قد أصابه ضرب في رأسه أو أصابه شيء في رأسه، فجلس فترة لا يعي شيئًا، أنا نسي أشياء كثيرة، ثم ردت له ذاكرة، فلهذا الذي ترد له ذاكرة غالبًا لا يذكر كل شيء، يذكر أشياء كثيرة لكن ليس كل شيء، خاصة هذا حديث حفظه كذا. فلهذا كان يغلط في نفسه. قال: قلت هذا أولى بالقبول من الأول. وقد جمع الخطيب البغدادي كتابًا فيمن حدث بحديث ثم نسي. طيب إن شاء الله نكتب لك.