الدرس في إثراء القلب الأواب بدروس الدعاء المستجاب 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الدعاء يعتبر من أعظم الوسائل التي يبين فيها العبد توكله على الله، حيث يتضمن تفويض الأمور إلى الله مع الأخذ بالأسباب. النبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو الله في المواضع التي تضيق فيها الأمور.
الدعاء هو سلاح المؤمن الذي يلتجئ به إلى الله في الرخاء والشدة، ويجب على العبد أن يتوكل على الله في كل أموره، وأن يدعو الله في يسره وعسره. التوكل على الله والدعاء يجعلان العبد مع الله في كل وقت.
الدعاء والمناجاة لله عز وجل يعززان التوكل عليه، ويتحقق بهما كمال الإيمان. السلف الصالح كانوا يحثون على مناجاة الله في الخلوة، خاصة في الثلث الأخير من الليل.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فمما قد ذكرنا قبل في الدرس الذي مضى في أهمية الدعاء أن الدعاء يعلو بنفس العبد، ويضع فيه العزة وعلو النفس، وكذلك سموها. وأيضا كذلك من أهمية الدعاء أن الدعاء من أعظم الوسائل التي يبين فيها أن العبد متوكل على الله جل وعلا، أنا من أعظم أسباب التوكل، أو حقيقة التوكل معنى يدخل في حقيقة التوكل الدعاء لله عز وجل. فلأن التوكل هو تفويض الأمور إلى الله جل وعلا مع الأخذ بالأسباب، ومن أعظم تفويض الأمور أن العبد يدعو ربه جل وعلا، يدعو الله سبحانه وتعالى بأموره، ويفوض أموره إلى الله، فلهذا كان التوكل أو الدعاء مما يدخل في حقيقة التوكل على الله جل وعلا. ولهذا كان التوكل أو الدعاء في المواضع التي يكون فيها يضيق بالإنسان، تضيق بالإنسان الأمور، أو يحتاج إلى نصر، أو يحتاج إلى تفريج كرب، أو غيرها من هذه الأمور التي تعتري للإنسان في حياته، فيحتاج إلى الله جل وعلا، فيفوض أمره إلى الله. لهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام كان أكثر ما يدعو الله عز وجل، وإذا حزبه أمر هرع إلى الصلاة لأجل أن يدعو الله سبحانه وتعالى. وفي صحيح مسلم في يوم بدر، النبي عليه الصلاة والسلام كان في خيمته قبل أن تحصل المعركة، فكان يدعو الله جل وعلا، ويناشد ربه جل وعلا، وكان يقول عليه الصلاة والسلام لربه: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في هذه الأرض». ويدعو الله عز وجل حتى سقط رداءه منه، فأخذه الصديق رضي الله عنه، ووضعه على كتفه، وقال: يا رسول الله، كفاك مناشدة لربه، فإنه منجز لك ما وعدك. وهذا يدل على أن الدعاء له أمر عظيم في تلك المواضع؛ لأنه يكل العبد أمره إلى الله، ويضع أمره بين يدي الله جل وعلا. فلهذا الله عز وجل أكثر في القرآن خاصة في تلك المواضع من التوكل على الله جل وعلا: «وتوكلوا على الله» في قصص كثيرة، في قصة بني آدم، في قصة أيضا بني إسرائيل من بعد موسى، معنى أصحابه طالوت، ونبي الله داود، وغيرهم من هذه الأمور. أيضا كذلك نبي الله موسى أمر قومه لما أرادوا أن يدخلوا بيت المقدس أن يتوكلوا على الله: «وتوكلوا على الله إن كنتم مؤمنين». قالوا: أذينا من قبل أن تأتي، ناء بعد ما جئتنا. قال: «عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون». فلهذا فالتوكل على الله عز وجل في مثل هذه المواضع يتحقق فيها الدعاء. ولهذا قال هؤلاء الذين كانوا مع طالوت: «ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين». وربنا جل وعلا يقول: «يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون». وذكر الله عز وجل هنا بالذكر والدعاء. فلهذا فالدعاء في مثل هذه الأمور عظيم، ويضع العبد أمره إلى الله. كذلك عند الكرب، عند الكرب أيضا يدعو الله عز وجل، ويتوكل على الله سبحانه وتعالى حتى يفرج عنه كربه، فينزل أموره إلى ربه جل وعلا. ولهذا جاء عند الطبراني وأبي يعلى من حديث أبي هريرة وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أصابته فاقة فأنزلها بالناس، وكله الله إلى الناس، ومن أنزلها بالله، يسر الله له رزقه». قال: «يسر الله أمره». وإن أنزلها على الخلق، وكله إلى خلقه. أن إذا أصابته فاقة - فاقة معنى فقر وكرب وشدة - فأنزلها على الله، أنزلها على الله معنى دعا الله، وتوكل على الله، وجعل أمره إلى الله، فيسر الله عز وجل أموره. ولكن إن أنزلها على الخلق، تجد بعض الناس إذا أصابه شيء، سريعا يهرع إلى الخلق وإلى الناس، وإسألهم، وكذا. وهذا خطأ. صحيح أنه يجوز أحيانا الإنسان أن يسأل الناس، لكن قبل أن يسأل الناس يسأل الله عز وجل، وينزل حاجته إلى الله، فلعل ربنا جل وعلا كريم، فإذا توجه إليه العبد لم يرده خائبا. وجاء في حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا خائبتين». فلهذا فالعبد لا يعدم الخير من الله جل وعلا إذا توجه إليه في كل أموره، وسواء ضاقت به أو لم تضق. ولهذا أعظم الدعاء أن يدعو العبد ربه جل وعلا وتوكل على الله في شدته ورخائه، في شدته ورخائه. كما جاء في حديث ابن عباس عند أحمد، حديث صحيح، أنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة». تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة. ومعنى تعرف على الله في الرخاء: يدعو الله عز وجل في الرخاء كما أنك تدعوه في الشدة. فلهذا فوض أمرك إلى الله في الرخاء كذلك، وادع الله في كل وقت وحين، يجعل الدعاء هو سلاحك الذي تلتجئ فيه إلى الله جل وعلا في رخائك وفي شدتك. فإذا علم الله عز وجل من عبده الصدق وتوجهه إليه جل وعلا، فإنه يكون معه في كل وقت، ويكون معه في الشدة. تعرف على الله عز وجل في الرخاء يعرفك في الشدة. فلهذا فالدعاء من أعظم الأمور التي يفوض العبد أمره إليه سبحانه إلى الله جل وعلا، فيدعو الله في يسره وعسره، ومنشطه ومكرهه، ويدعو الله عز وجل في كل أمر من أموره. كما ذكرنا عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كان أحدهم يدعو الله حتى في شسع نعله، أو في الملح. كما قالت عائشة رضي الله عنهم، فهم متصلون بالله جل وعلا، وأمورهم كلها يبثونها عند الله جل وعلا. وأيضا كذلك إذا أصاب العبد المصاعب وغيرها، وأيضا من موت قريب، ومن موت صديق، ومن موت أيضا ابن، وغيرها من هذه الأمور، يرجع إلى الله، ويبث حزنه إلى الله سبحانه وتعالى، ويدعو الله. فهذا أحسن عزاء أن العبد يتعزى بدعائه إلى الله جل وعلا، فيخفف الله عز وجل عليه حزنه. ولهذا قال نبي الله يعقوب: «إنما أشكو بثي وحزني إلى الله». وأنا ما أشكوه إلى أحد. بثي أي ما يكون من أمور في قلبي، لا أظهرها لأحد، وإنما أظهرها إلى الله جل وعلا. والشكوى من غالبا من مصيبة، أو من عائق يعوقه في طريقه، ومؤدي يؤديه، فيشتكي إلى الله جل وعلا، ويجعل أمره إلى الله سبحانه وتعالى. وكذلك أيضا من التوكل على الله، ومما يدخل في هذا المعنى أيضا صلاة الاستخارة. صلاة الاستخارة وهي عزم المرء على عمل متردد فيه، مثلا يريد أن يسافر إلى بلد ما ليعمل، فهنا يستخير الله عز وجل بهذه الصلاة، يركع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لحديث جابر في البخاري ومسلم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين، ثم ليدع بهذا الدعاء: اللهم إني أستخيرك بعلمك...» إلى آخره. فهذا الدعاء هو أيضا توكل على الله عز وجل في أموره. فهذا الذي سيريد أن يستخير الله هو متوكل على الله عز وجل، واستخيره بالدعاء بهذا الدعاء الذي علمه النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة والأمة. فإذا أردت أمرا ترجع إلى الله عز وجل وتصلي هذه الاستخارة. وليس المراد بالأمور الواجبة التي يجب على المسلم أن يعملها، لا الأمور المتردد فيها، أو التي ما يدري ما هو الذي يترجح له. هل يفعل هذا الفعل أو هذا الفعل؟ أو هل أحيانا يكون الأمر واجبا لكن ليس واجبا فوريا، معناه أنه له أن يتأخر، أو أحيانا يقدم هذا أو هذا، يقدم هذا العمل أو هذا العمل. مثلا يريد أن يتزوج، ويريد أيضا أن يعالج، أو أن يحج، أو أن يعتمر، أو غيرها من هذه الأمور. فهذه الأمور أحيانا تكون شرعية، معناه إذا كان توفر لهم. وأمر الزواج وهو أيضا يخشى من الوقوع في المعاصي، وكذا، فإنه يجب عليه أن يقدم الزواج. لكن إذا ترجح، أو إذا كان الأمر له مباح، أو كان له الأمر مستحب، مثلا، لكن هل يقدم هذا وهذا؟ فهنا أيضا يصلي الاستخارة. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا هم أحدكم بالأمر». فهذه الاستخارة هي من باب التوكل على الله عز وجل، وجعل أمورك بين يدي الله سبحانه وتعالى. فلهذا ينشرح صدر العبد في أحدهما. وهذا من الله أن إذا استخرت تجد أن غالبا أن قلبك ينشرح لأحد هذه الأمور التي استخرت الله عز وجل فيها. فلهذا فالدعاء كما قلنا من أعظم الأمور التي توكل بها على الله جل وعلا. وكلما أكثر العبد في دعائه، وأيضا تنزيل أموره على الله عز وجل، وبث همومه إلى الله، فإنه كان أكثر توكلا على الله. ومعلوم أن التوكل كما قال سفيان الثوري: «التوكل الإيمان كله». التوكل الإيمان كله. لماذا؟ الإيمان كله؛ لأن العبد ما يتوكل على الله ويضع أمره بين يدي الله إلا وهو عنده يقين بأن الله عز وجل سيقضي له أمره. وهذا هو الإيمان إذا اجتمع التوكل واليقين، فهذا حقيقة الإيمان، وأيضا كمال الإيمان. ليس فقط أصله، بل كماله يتحقق بالتوكل على الله عز وجل، وكذلك باليقين. والناس يختلفون حتى في كمال الإيمان. الناس يختلفون كما هو قول أهل السنة حتى في كمال الإيمان، وكذلك يختلفون في أصله. أصل الإيمان يختلفون فيه، ويتفاوتون فيه، ويتفاوتون أيضا في كماله. فلهذا الأنبياء من أكمل الناس إيمانا، وكذلك بعدهم الصديقون، وهكذا. فهؤلاء من أكمل الناس إيمان. فلهذا الكمال الإيمان يتفاوت بكمال اليقين والتوكل على الله جل وعلا. كلما كان العبد متوكلا على الله كان إيمانه أعظم. والدعاء من أعظم الأمور التي توكل فيها العبد على الله عز وجل. بل كما قلنا تحقيق التوكل يكون بالدعاء، وكثرة الدعاء إلى الله جل وعلا؛ لأن العبد يفوض أموره إلى الله سبحانه وتعالى، وتفويض الأمور إما يترك أمرها إلى الله عز وجل، ويجعل قلبه معلق بالله، وأن الله عز وجل سيقضيها عليه. أو أنه الكمال أنه يدعو الله، ويبث ما في نفسه لله عز وجل، ويضع أمره بين يدي الله سبحانه وتعالى. ولهذا نبينا عليه الصلاة والسلام كان يناجي ربه، ويقول: «إني أناجي من لا ينفك أن أكون مخطئا». وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان أيضا يأنس بالله جل وعلا بمناجاته، والمراد به الدعاء. حتى قيل: كان يواصل الصيام ليل نهار، وواصل معه الصحابة، فنهاهم عن ذلك، فقالوا: إنك تواصل يا رسول الله. قال: «إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني». أبيت يطعمني ربي ويسقيني، أي يناجي الله عز وجل. وربنا جل وعلا يعطيه من الحكمة، ومن المحبة، وكذلك من الود، وغيره من صفات الله جل وعلا التي يضعها في عباده، فلهذا يغنيه هذا عن الطعام والشراب. وكذلك العبد الصالح إذا أنس بالله، وجعل مناشدته ومناجاته لله جل وعلا، فإنه يكون على خير عظيم. ولهذا حرص السلف، وجاءت الآثار الكثيرة في الحث على أن العبد يجعل له مناجاة لله جل وعلا، وخلوة يختلي بها إلى ربه جل وعلا. وقد جاء في حديث عند الطبراني كذلك عند البزار، صحيح الشيخ الألباني رحمه الله، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: يقول الله عز وجل: «يكونون في سفر فينزلون منزلا، وقد أتعبهم السفر، فينامون، فيقوم أحدهم إلى الصلاة ويناجي الله ويناجي ربه جل وعلا، ينفرد عنهم، ويدعو الله عز وجل، ويبث أمره إلى الله». وكذلك في حديث عبد الله بن أبي سعيد الخدري عند أحمد وأبي داود، أن النبي عليه الصلاة والسلام لما سمع قراءة من يقرأ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن، فإن كلكم يناجي ربه». لما ارتفعت الأصوات، نهاه النبي صلى الله عليه وسلم أن يجهر بعضهم على بعض في القرآن، حتى لا يخلق بعضهم على بعض، ويزعج بعضهم بعضا، فقال: «كل يناجي ربه». فمناجات الله عز وجل من أعظم الأمور، خاصة في آخر الليل، في الثلث الأخير من الليل، في الوقت الذي ينزل ربنا جل وعلا، ويقول: «هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟». فهذا الوقت العظيم الذي يناجي العبد ربه جل وعلا فيه، ويسأله حوائجه، ويسأله ما يريد من أمر الدجل وآخرته. فهذه هي المناجاة العظيمة التي من أنس بها اطمأن قلبه، وعاش في هذه الحياة في جنة. كما قال السلف: كما يذكر شيخ الإسلام رحمه الله، يقول: «من لم يدخل جنة الدنيا لم يدخل جنة الآخرة». قال أيضا الإمام ابن القيم رحمه الله: ذكر عن بعض السلف أنه يقول: في بعض الأحيان: «إن كان أهل الجنة فيما نحن عليه، فإنه لنعيم عظيم». أنا يجد الراحة والطمأنينة بمناجاة الله جل وعلا، فيغدو عليه ربه جل وعلا بالمحبة والتعظيم والإجلال، فيرى في قلبه راحة عظيمة، ولذة عظيمة. فلهذا تجد هذه اللذة هي توفيق من الله جل وعلا، فيكون العبد مع ربه جل وعلا في كل وقت. وإذا جاء وقته مناجاة، تجد أنه يقوم بدون أن يجعل له منبها أو غير ذلك، بل يقوم ويصلي ويناجي الله جل وعلا. فهذا شيء مما يذكر بهذا الباب، وهو كما قلنا أن الدعاء من أهميته أنه يحقق التوكل على الله عز وجل، يحقق للعبد التوكل على الله سبحانه وتعالى. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.