التعليق على كتاب العبودية لشيخ الإسلام 9

التعليق على كتاب العبودية لشيخ الإسلام 9

الدرس في التعليق على كتاب العبودية لشيخ الإسلام 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في الخلة والمحبة لله

يشرح الشيخ مفهوم الخلة والمحبة لله وعلاقتهما بالعبودية واللذة، ويبين منزلة الخلة وأهميتها. كما يوضح أن اللذة تأتي بعد إدراك الملاعم.

تحقيق محبة الله وعبوديته

يتم شرح كيفية تحقيق محبة الله وعبوديته من خلال تكميل المحبة وتعريفها ودفع ما يضادها، مع التأكيد على أن العبودية تتضمن المحبة والتعظيم.

تحذير السلف من الغلو في العبادة وتأثيره

حذر السلف من الغلو في العبادة، موضحين أن العبادة الصحيحة تجمع بين الحب والخوف والرجاء، وأشاروا إلى أن الغلو في المحبة أدى إلى ضلالات بعض أهل التصوف.

تشبيه قولهم بقول اليهود والنصارى في الغلو

يشير المقطع إلى تشابه قول بعض الناس مع قول اليهود والنصارى في ادعاء أنهم أبناء الله وأحباؤه، مما يدل على مغالاة في الادعاء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد. كان آخر كلام الشيخ في مسألة المحبة والفرق بينها وبين الخلة، وأن الخلة منزلة عظيمة لم يعطها الله عز وجل إلا لنبيين كريمين: نبي الله إبراهيم ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وبين أن الخلة هي تمام العبودية وكمالها. قال: والمقصود هنا أن الخلة والمحبة لله تحقيق لعبوديته. وإنما غلط من غلط في هذه المسألة. قال: ولو كنتم متخذين خليلا، هذا بعض الحديث في كلام عندكم. نحن قد ذكرنا هذا. لو كنتم متخذة من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، لكن صاحبكم خليل الله. قال: علم مزيد مرتبة الخلة. والمقصود هو أن اللذة إدراك الملاعم. قال: من قال إن لذة إدراك الملاعم كما يقوله من المتفلسفة والأطباء، فقد غلط في ذلك غلطا بينا. فإن الإدراك توسط بين المحبة واللذة. فإنهم قالوا: إن إدراك الملاعم يعتبر لذة. الملاعم: أي ما يلائم الإنسان في طبعه وأيضا في سلوكه. قال: لكن هؤلاء ينظرون إلى نظرة دنيوية، ينظرون إلى أن اللذة هي الأكل والشرب وكذا. فلهذا قالوا: إن اللذة هي إدراك الملاعم. قال: فقد غلط في ذلك غلطا بينا. فإن الإدراك توسط بين المحبة واللذة. فالإنسان مثلا يشتهي الطعام، فإذا أكله حصل له عقيب ذلك اللذة. فاللذة ليست هي الأكل. ولذلك يشتهي النظر إلى شيء، فإذا نظر إليه التذ. فاللذة التي تتبع النظر ليست نفس النظر. معنى ذلك أن اللذة تأتي بعد. قال: ﴿تَعَالَوْا فِيهَا مَا تَشْتَهِي الْأَنْفُسُ وَتَلَذُ الْأَعْيُنُ﴾. وهكذا جميع ما يحصل للنفس من اللذات والآلام من فرح وحزن وأمثال ذلك يحصل بالشعور بالمحبوب أو الشعور بالمكروه. وليس نفس الشعور هو الفرح ولا الحزن. قال: حلاوة الإيمان المتضمنة من اللذة به والفرح ما يجده المؤمن الواحد بحلاوة الإيمان يتبع كمال محبة العبد لله. وذلك بثلاثة أمور: تكميل هذه المحبة، وتعريفها، ودفع ضدها. فتكميلها أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. قال: فما يجد المؤمن الواحد بحلاوة الإيمان إلا يتبع كمال محبة العبد لله. وهذا الذي يتحصل للذة بثلاثة أمور: تكميل هذه المحبة، وتعريفها، وأيضا دفع ما يضادها. فإذا عرف هذه المحبة وكملها ودفع ما يضادها، فإنه يجد هذه الحلاوة. قال: تعريفها هو أن يحب المرء لا يحبه إلا لله. متى يثبت أن هذه المحبة صحيحة؟ سمي الشيخ تعريفها. الآن الذي يريد حلاوة الإيمان في المحبة، أولا يكمل هذه المحبة ويعرفها، وكذلك يمنع ضدها. قال: ومنع ضدها أن يكره ضد الإيمان أعظم من كراهة الإلقاف في النار. فإذا كان محبة الرسول والمؤمنين من محبة الله، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب المؤمنين الذين يحبهم الله، لأنه أكمل الناس محبة لله وأحقهم بأن يحب ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه الله. قال: والخلة ليس لغير الله فيها نصيب. بل قال: معنى الخلة، أي خلة النبي عليه الصلاة والسلام، فهو لم يتخذ أحدا خليلا. قالوا: لو كنتم متخذين من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، لكن صاحبكم خليل الله. قال: المقصود هنا أن الخلة والمحبة لله تحقيق لعبوديته. وإنما غلط من غلط في هذه من حيث يتوهمون أن العبودية مجرد ذل وخضوع فقط لا محبة معه، وأن المحبة فيها انبساط في الأهواء والإذلال لا تحتمله الربوبية. قال: هذا قسم ضنوا أن العبودية مجرد ذل وخضوع فقط دون محبة، مثل الذي يخضع ويذل للملوك والرؤساء، فهو يخضع ليس محبة فيهم. فيظنون أن هذا هو العبودية. وهذا خطأ. وهذا جزء من العبودية، لكن ليست هي العبودية. إنما تكون العبودية بالذل والخضوع مع المحبة والتعظيم. قال: يذكر عن ذي النون المصري أنه تكلم عنده في مسألة المحبة، فقال: نمسك عن هذه المسألة، لا تسمعها النفوس فتدعيها. وكره من كرهه من أهل العلم مجالسة أقوام يكثرون الكلام في المحبة بلا خشية. قال: وكان الإمام أحمد يحذر من هذا كثيرا. ولما سئل أبو زرعة، قال: هذه الوساوس والخطرات، هل تكلم فيها مالك؟ هل تكلم فيها الليث والأوزاعي وسفيان وابن المبارك؟ قال: إنما تكلم فيها الحارث المحاسب، فسماها خطرات ووساوس. قال: من لم تكفيه موعظة الكتاب والسنة فلا وعظه الله. فهؤلاء غلوا في مثل هذه الأمور حتى أخرجهم ذلك إلى أمور لا تحمد عقباها. قال: ومن قال من السلف: من عبد الله بالحب فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد. هذه الكلمة ذكرها شيخ الإسلام في عدة كتب من كتبه. قال: معنى ذلك أن من عبد الله بالحب فقط فهو زنديق، يعني ليس هناك عنده خوف ولا طمع ولا ذل ولا خضوع. فهذا زنديق. ولهذا تزندق كثير من أهل التصوف لأنهم غلوا في المحبة. ومن عبده بالرجاء فقط فهو مرجئ. ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري. قال: ليس المراد أنه بدون رجاء، لا، عنده رجاء، لكن غلب الخوف على نفسه حتى أورثه شيئا من القنوط. وأيضا أورثه أنه يقول بكفر الناس وخروجهم. أن الوعيد لابد أن يطبق. قال: فوجد في المتأخرين من انبسط في دعوى المحبة حتى أخرجه ذلك إلى نوع من الرعونة والدعوى التي تنافي العبودية وتدخل العبد في نوع من الربوبية التي لا تصلح إلا لله. قال: يدعي أحدهم دعاوى يتجاوز بها حدود الأنبياء والمرسلين. مثل ما قال أبو يزيد البسطامي: خضنا بحرا وقف الأنبياء بساحله. الأنبياء وقفوا بساحل هذا البحر، لكنهم دخلوه. هذا معنى شيئا من الجنون. قال: كيف يقول أن الأنبياء والمرسلون وهم خيرة عباد الله يقفون على ساحله، وهم يخوضون فيه؟ هذا كلام غير صحيح. هو الذي أورثهم الغلو في المحبة حتى صاروا يقولون مثل هذا الكلام. قال: فلهذا يذكر عن ذي النون أنهم تكلموا عنده في مسألة المحبة، فقال: نمسك عن هذه المسألة. وكره من كرهه من أهل العلم بمجالسة أقوام يكثرون الكلام في المحبة بلا خشية. قال: بل ضعف العقل الذي به يعرف العبد حقيقته. وإذا ضعف العقل وقل العلم بالدين، وفي النفس محبة انبسطت النفس بحمقها في ذلك، كما يبسط الإنسان في محبة الإنسان مع حمقه وجهله. قال: ويقول: أنا محب فلان. أو يأخذ بما يفعل من أنواع يكون فيها عدوان وجهل. وهذا عين الضلال. وهو شبيه بقول اليهود والنصارى: «نحن أبناء الله وأحباؤه».