الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبين المقطع أنواع التوسل المشروع كأسماء الله وصفاته والأعمال الصالحة، مستدلاً بآية آل عمران وحديث الثلاثة في الغار. ويوضح أن التوسل بالجاه أو الذات أو الأولياء بدعة لم تثبت عن السلف لكون الدعاء ووسيلته عبادة تتوقف على الدليل.
يستعرض المقطع التوسل المشروع بأسماء الله وأفعاله، ويميز بين الإيمان المطلق والإيمان الكامل المستثنى بـ "إن شاء الله". ويسرد صفات المؤمنين في سورة آل عمران من الصبر والصدق الذي ينجي صاحبه عند الله.
يؤكد المقطع أن إخلاص النية أساس قبول العمل، ويفسر القنوت بدوام الطاعة مع الخشوع، والإنفاق في سبل الخير. ويبرز فضل الاستغفار في الأسحار مستدلاً بالآيات وأثر أنس رضي الله عنه كونه سبباً للمغفرة والرزق ودفع البلاء.
يوضح المقطع أن الاستغفار يمنح الصحة والقوة للجسد ويزيد الإيمان، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾. ويختم بالتأكيد على عظمة أمر الاستغفار ومكانته عند الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال العلامة سعد رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾. قال رحمه الله: هؤلاء الراسخون في العلم، أهل العلم والإيمان، يتوسلون إلى ربهم بإيمانهم لمغفرة ذنوبهم ونقائهم من عذاب النار. وهذا من المسائل التي يحبها الله أن يتوسل العبد إلى ربه فيما منّ به عليه من الإيمان والأعمال الصالحة إلى تكميل نعم الله عليه بحصول الثواب الكامل واندفاع العقاب. قال: لأن من آداب الدعاء الذي ترجى فيه الإجابة أن يتوسل العبد فيه بشيء مما شرعه الله عز وجل. من ذلك أن يتوسل بأسمائه سبحانه وتعالى وصفاته وعظمته جل وعلا وأفعاله، فيستدلوا أو يتوسل بها لأجل الدعاء، لأجل أن يدعو الله عز وجل. وهذا كثير في القرآن، وكذلك أيضًا في السنة: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾، فقوله: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ هذا توسل بالهداية، وهي توسل بالأعمال الصالحة. وأيضًا في كثير من الأدعية تجد فيها التوسلات بأسماء الله وصفاته. أيضًا كذلك من التوسل المشروع أن يتوسل العبد بأعماله الصالحة وبإيمانه، بإيمانه وبأعماله الصالحة، مثل ما في هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾، فيه التوسل بالإيمان لأجل الدعاء: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، فتوسلوا بإيمانهم أن الله عز وجل يغفر ذنوبهم. وأيضًا الحديث المشهور في الصحيحين في الثلاثة الذين... حديث عبد الله بن عمر في الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، فهؤلاء توسلوا بأعمالهم الصالحة. فالأول توسل ببره لوالديه، والثاني توسل بمراقبة الله وخوفه منه حتى ترك بنت عمه وقد استولى عليها، والثالث توسل بإعطاء الأجير أجره، كذلك بالتجارة لهذا الأجير وأنه لم ينقص له بل زاده بإجرته، فلما جاء قال له: هذا أجرك، فقالت: تستهزئ بي؟ قال: لا، بل هذا هو أجرك. فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون. فهذا أيضًا من الأحاديث التي تبين أنه يجوز أن يتوسل بالعمل الصالح. فهذا الذي جاء وشرع في الحديث والآيات. وأما التوسل بالجاه، والتوسل بالذات، والتوسل بالحق، والتوسل بغيرها من هذه، فهذه لم تأت في الشرع، وليس لها دليل عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا عن الصحابة. وما جاء في هذا فغالبًا لا يثبت: «أسألك بحق السائلين عليك»، وإن كان هذا أيضًا قد يؤول على العمل الصالح، لأن سؤال الله عز وجل يعتبر من عمل الصالح، وحق السائلين هو الإجابة، إجابة الله عز وجل وهو فعل من أفعاله، فهذا قد يؤول على أنه ليس المراد به حق فلان، وإنما ما ذكره العلماء من التوسل المبتدع أن يقول: بحق فلان، بحق النبي عليه الصلاة والسلام، أو بحق أو بجاهه، أو بذاته، أو بحق الولي الفلاني. كل هذا من التوسل المبتدع الذي لم يأت عن السلف، ولا عن النبي عليه الصلاة والسلام. والصحابة رضي الله عنهم أحب الناس إليهم نبيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن ما كانوا يتوسلون به في دعائهم، ما يقولون: بجاه النبي، أو بحق النبي. فلذا فهو ليس مشروعًا، وهو بدعة من البدع، لأن الدعاء عبادة، والتوسل أيضًا والوسيلة التي يذكرها العبد هي عبادة كذلك. فالذي جاء مشروعًا في شرع الله عز وجل أن يتوسل العبد بأسماء الله وصفاته وأفعاله، وكذلك أيضًا يتوسل بالعمل الصالح والإيمان به سبحانه وتعالى. فكما في هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾، وهنا فيه أنهم قالوا: آمنا، والمراد يحمل على الإيمان المطلق، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث. فهذا يستطيع الإنسان أن يجزم فيه، يقول: أنا مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله. وأما الإيمان الكامل الذي هو كمال الإيمان، فهذا لا يستطيع الإنسان أن يقول: أنا مؤمن كامل الإيمان، لأن النقص لا بد معتريه. وكذلك أيضًا لا يستطيع أن يقول: أنا مؤمن عند الله. ولهذا بحث العلماء في مسألة الإيمان: هل يجوز أن يستثنى فيه أو لا يجوز؟ فبعضهم ذكروا أن المراد به الإيمان عند الله، فلذا استحبوا الاستثناء. أهل السنة يستحبون الاستثناء ولا يوجبونه، والذي يوجبه هم المرجئة. وأما أهل السنة فلا يوجبون الاستثناء، يقولون: يجوز له أن يقول: إن شاء الله. فإن كان في مطلق الإيمان فهي من باب التحقيق، وإن كان في الإيمان المطلق وهو كمال الإيمان فهي من باب الاستثناء. لأن الإيمان هنا الإيمان المطلق لا يعلمه الإنسان لأنه عند الله عز وجل، لا يستطيع الإنسان أن يقول: إيماني كإيمان الأنبياء، كإيمان الصالحين. لكن المؤمن يستطيع أن يجزم في أنه مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لأنه لو شك في هذا الإيمان فهو شاك في أمر الإيمان، والشك في الإيمان كفر. الشك في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله يعتبر كفرًا، فلذا لا يشك في هذا. إنما المراد بالاستثناء هنا في الإيمان الكامل، أو إذا كان المراد هذا وهذا، أو الإيمان بالله، أو الإيمان عند الله عز وجل، وأنه مؤمن عند الله، فالأولى أنه يستثني. فقال: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. أول ما طلبوا من الله عز وجل مغفرة الذنوب. قال: ثم قال جل وعلا: وبعد ذلك أيضًا التوقي من عذاب الله: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، أنه يقيهم عذاب النار، لأنه إذا غفر الله عز وجل ذنوبهم أدخلهم الجنة، جاءوا إلى الله عز وجل بغير ذنوب، فلذا فالمغفرة عظيمة. ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾. قال: ثم وصفهم بأجمل الصفات، بالصبر الذي هو حبس النفوس على ما يحبه الله طلبًا لمرضاته. يصبرون على طاعة الله، ويصبرون عن معاصيه، ويصبرون على أقداره المؤلمة. على جميع الصبر موجود فيهم. ولا شك أن أعظم الصبر على طاعة الله جل وعلا، هذا أعظم الصبر، أن درجته عظيمة، لكن قد يكون ليس هو أوجب من الصبر عن المعصية والصبر على أقدار الله المؤلمة، فهذا يختلف بحسبه. ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾: قالوا بالصدق بالأقوال والأحوال، وهو استواء الظاهر والباطن، وصدق العزيمة على سلوك الصراط المستقيم. أنه كان الصدق في الأقوال وعدم الصدق في الأحوال فهذا النفاق، ومعنى يدخل في المنافقين. وإن كان الصدق في الأحوال وعدم الصدق في الأقوال فهو معه صفات من صفات المنافقين: «إذا حدث كذب». فلذا المؤمن يكون صادقًا في أقواله وأحواله، وهذا الذي قصده الله عز وجل بقوله: ﴿الصَّادِقِينَ﴾، أي في أحوالهم وأقوالهم. وقال جل وعلا: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾، أي في أقوالهم وفي أحوالهم. أنا صدق مع الله جل وعلا، ومن صدق مع الله صدقه الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك العبد أو ذلك الأعرابي الذي قتل: «صدق الله فصدقه». صدق مع الله في إخلاصه في العمل وفي نيته، ما جاء لهذا العمل إلا مخلصًا لله، ما جاء لطلب العلم إلا إخلاصًا لله جل وعلا، فالله عز وجل يوفقه على نيته، على هذه النية الصادقة يعطيه الله عز وجل على نيته هذه الصادقة. كلما كانت النية صادقة كلما كان عطاء الله عز وجل أعظم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. قال: ثم قال: ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾، الذي هو دوام الطاعة. المراد بالقنوت دوام الطاعة، ويأتي القنوت بمعاني كثيرة، ذكرها بعضهم إلى ثماني معاني، أولاها وأعظمها هو دوام الطاعة، أو أكثر ما يتكرر في القرآن القنوت المراد به دوام الطاعة: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾، أي من الطائعين الذين داوموا على طاعتهم. ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾: بالقنوت الذي هو دوام الطاعة مع مصاحبة الخشوع والخضوع، وبالنفقات في سبل الخيرات وعلى الفقراء وأهل الحاجات. والمنفقون سواء كان نفقات ينفقون نفقات واجبة أو مستحبة، الواجبة مثل النفقات على الأهل، على الزوجة، على الوالدين، على الأولاد، والنفقات المستحبة كالصدقات على الفقراء والمساكين، وأيضًا سبل الخيرات. ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾: قالوا بالاستغفار خصوصًا وقت الأسحار، فإنه مدار... أو فإنه مد الصلاة إلى وقت السحر، فجلسوا يستغفرون الله تعالى. فالاستغفار من العبادات العظيمة، وأعظم وقته أن يكون مع السحر، والسحر قبل الفجر. قد كان السلف يصلون حتى إذا جاء الأسحار استغفروا الله عز وجل، فلذا مدحهم الله عز وجل في هذه الآية، وأيضًا في آية الذاريات: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. فلذا يستحب الاستغفار خاصة في الأسحار حتى يدرك ذلك الوقت العظيم. إن كان أدركه بالصلاة فهو داخل في المستغفرين، لأن المستغفرين هنا قد يكون المصلون الذين يستغفرون، أو الاستغفار المجرد. فلذا فسرها بعض السلف أنهم المستغفرون، أي المصلون في ذلك الوقت. فلذا لا ينبغي للمسلم أن يترك الصلاة في ذلك الوقت من الليل، حتى ولو شيئًا يسيرًا، حتى ولو يصلي الوتر، لا يغفل عن هذه الأسحار العظيمة التي ينزل فيها ربنا جل وعلا إلى السماء الدنيا فيقول: «هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟». فهذا وقت الاستغفار، وقت الثلث الأخير من الليل. وأخرج الإمام محمد بن نصر المروزي في قيام الليل، وأخرجه كذلك البيهقي في الشعب بإسناد صحيح إلى أنس قال: كنا نؤمر أن نستغفر في السحر سبعين مرة. وهذا إسناد صحيح إلى أنس قال: كنا نؤمر أن نستغفر، أن نستغفر، أن نستغفر الله عز وجل في السحر سبعين مرة. فهذا الاستغفار هو لرفع البلاء، ولرفع الدرجات، ولأشياء عظيمة ذكرها الله عز وجل في كتابه. الله عز وجل يقول: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾، أيضًا هي سعة في الرزق: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾. فإذا مد الله عز وجل العبد بالأموال والبنين معناه واسع في رزقه بأموال وبنين: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾. وفي الآية الأخرى قال: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾. أو قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ في سورة هود: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾. في الآية الأخرى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾. فالاستغفار صحة في البدن وقوة كذلك فيه: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾، أي في أبدانكم وفي إيمانكم. فالاستغفار أمره وسره عظيم عند الله جل وعلا. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.