تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 14

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 14

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ والرد على المشركين في التدبير

يوضح السعدي أن الآية تأمر النبي ﷺ بإعلان تفرد الله بملك السماوات والأرض، فهو المعز والمذل بلا معارض، مبيناً أن «اللهم» نداء مختصر لـ «يا الله». كما يؤكد أن الآية نزلت رداً على نصارى نجران ومن يشركون في التدبير كغلاة الصوفية، مثبتة أن الله وحده المتصرف في الكون بقدرة مطلقة.

تفسير آية إخراج الحي من الميت والميت من الحي واختلاف القراءات

يشرح المقطع معنى الآية الكريمة الدالة على قدرة الله في إخراج الأضداد من بعضها كنبات من بذرة ومؤمن من كافر، مستعرضاً اختلاف القراء في تشديد أو تخفيف كلمة «الميت» مع اتفاق المعنى. ويؤكد أن العبرة بعموم اللفظ الشامل لكل صور الإخراج والإحياء والإماتة.

نماذج من إخراج المؤمن من الكافر كإكرمة بن أبي جهل

يضرب المقطع أمثلة عملية لمعنى الآية بذكر الصحابة الذين أسلموا بينما بقي آباؤهم على الكفر، كنموذج حي لإخراج الحي من الميت. ويشير إلى أن العكس صحيح أيضاً حيث قد يولد الكافر من أب مؤمن، دليلاً على مشيئة الله وقدرته المطلقة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال رحمه الله: يأمر تعالى نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أصلًا وغيره تبعًا أن يقول عن ربه معلنًا بتفرده بتصريف الأمور وتدبير العالم العلوي والسفلي، واستحقاقه باختصاصه بالملك المطلق؛ لأنه هنا عرّفه، قال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾، وهذا التعريف يدل على أنه جميع الملك، وكل ما كان في ملكه جل وعلا من العالم العلوي والسفلي فهو داخل في هذا الاختصاص وهذا الاستحقاق لرب العالمين سبحانه وتعالى. و«اللهم» عند أكثر النحاة، وهو مذهب الخليل وسيبويه وأكثر البصريين، بل أكثر النحاة على أن «اللهم» المراد بها «يا الله»، حُذفت الياء وزيدت الميم المشددة، ولهذا هاؤها مضمومة على المنادى المفرد «يا الله»، فحُذفت الياء الأولى وزيدت الميم في آخر الاسم، فيقال: «اللهم» أي «يا الله». وقال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾، و«مالك» هنا أيضًا منادى آخر كما قال سيبويه وغيره، فلذلك فقوله جل وعلا: أي قل يا محمد صلى الله عليه وسلم: «يا الله يا مالك الملك»، أي أن من اختصصت بهذا الملك تؤتي الملك من تشاء، من اختصصت بهذا الملك الذي ليس لأحد فيه شيء. وجاءت أسباب نزول في هذه الآية، لكنها كلها لا تصح. قال: وأنه يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك من من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء. و«يعز» أي يقهر ويغلب، ويجعله معناه: هو الغالب وهو المنتصر، والعكس في قوله: «يذل». فالرفعة بيد الله عز وجل، والنصر بيد الله سبحانه وتعالى، والعزة لله جل وعلا ولرسوله وللمؤمنين. قال: فليس الأمر بأماني أهل الكتاب ولا غيرهم، بل الأمر أمر الله والتدبير له، فليس له معارض في تدبيره. أن أكثر أهل العلم يقولون: إن هذه الآية نزلت في نصارى نجران الذين ادعوا أن الملك لعيسى، وأن عيسى هو الذي يحيي ويميت، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات ردًا عليهم، لكنه لم يثبت، وإنما هو مراسيل من مراسيل قتادة ومجاهد. طالب الأمر لله والتدبير له، فليس له معارض في تدبيره. وكما هو معلوم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، حتى لو ثبت هذا السبب، فالآية عامة في كل من ادعى أن له شيئًا في هذا الكون، وأنه له تصرف في هذا الكون، فهذه الآية ترد عليه. ولهذا هذه الآية ترد على غلاة الصوفية، غلاة القبورية الذين يؤمنون بالأقطاب والأوتاد، والأقطاب والغياث، أن هناك قطبًا واحدًا وأربعة أغواث واثني عشر نقيبًا، وغيرها من هذه العقيدة الباطلة، عقيدة أهل الحلول والاتحاد، ويؤمنون أن هؤلاء يتصرفون في الكون مع الله. تعالى الله عز وجل عن قولهم علوًا كبيرًا. فربنا سبحانه وتعالى هو المتصرف في هذا الكون. ولهذا هؤلاء هم أكفر من اليهود والنصارى، وأكفر من المشركين؛ لأن الله عز وجل ذكر عن المشركين الذين هم مشركو قريش: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾. معنى هؤلاء أهل الشرك: يعني يقرون بأن الله عز وجل هو الذي يدبر الأمر. وهؤلاء يدعون الإسلام ويزعمون أن هناك من يشارك الله عز وجل في التصرف. فقال الله عز وجل: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، أي: يا الله يا مالك الملك الذي تؤتي الملك من تشاء، وتعز من تشاء، أو تنزع الملك من من تشاء؛ لأنه جل وعلا بيده كل شيء. لهذا ختم الآية: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال: فهو المتصرف بنفس الزمان، يولج النهار في الليل، ويولج الليل في النهار. أنا كما قال مجاهد وقتادة وغيرهما من المفسرين: أي يدخل نقص هذا في زيادة هذا، وزيادة هذا يدخلها في نقص هذا. أنا مثلًا يكون النهار في فصل من الفصول أطول من الليل، مثلًا يكون النهار خمس عشرة ساعة، ويكون الليل تسع ساعات. أنا أكثر شيء هذا، فلذلك هذه الزيادة التي زادت في النهار أدخلها من ساعات الليل. وأحيانًا يكون العكس، يكون الليل طويلًا مثلًا اثنتي عشرة ساعة أو ثلاث عشرة ساعة، والنهار أقل، فأدخل ساعات النهار في الليل. قال: يدخل هذا على هذا، ويحل هذا محل هذا، ويزيد في هذا ما ينقص من هذا، ليقيم بذلك مصالح خلقه. ويخرج الحي من الميت، كما يخرج الزروع والأشجار المتنوعة من مذورها، والمؤمن من الكافر، والميت من الحي. وهذا هو أولى الأقوال: أن المراد بها عموم الإخراج، يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي. و«الميت» هنا بالتشديد على قراءة أكثر القراء، قراءة أهل المدينة، وأيضًا قراءة أهل الشام عبد الله بن عامر، ليحصلي قراءة أهل البصرة قراءة أبي عمرو بن العلاء، وكذلك أيضًا قراءة حفص عن عاصم. وأما شعبة فقرأها بالتخفيف، معنى: «وتخرج الحية من الميت»، وهي أيضًا قراءة كما قلنا أهل الشام وغيرهم. وأما قراءة أهل الكوفة أكثرهم على التشديد، قراءة حمزة والكسائي، وأيضًا كذلك يعقوب. وأهل مكة أيضًا على قراءة ابن كثير على قراءة عدم التشديد، معنى على الإسكان. وكلها بمعنى واحد: أن المراد الميت الذي يخرجه الله عز وجل من الحي. ومن هذا الميت ومن هذا الحي: الميت هو الذي يخرج من الحي، سواء كان المؤمن من الكافر. وهذا معنى سواء كان النوى من النخلة، والنخلة من النوى. أن النواة هذه الميتة تخرج نخلة، والنخلة بعد ذلك تزرع هذه الثمار التي فيها النواة. وكذلك أيضًا الدجاجة تخرج البيضة، معنى: البيضة في الدجاجة ميتة تخرجها وهي ميتة، وكذلك أيضًا هذه الميتة وهي البيضة تخرج الدجاجة حية. وكل هذا معنى يدخل في هذا العموم: يخرج الحية من الميت، أو قال: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: كما يخرج الحبوب والنوى والزروع. النوى: معنى البذرة التي تكون في الأشجار. معنى النوى مثلًا نوى التمر هذا الذي يكون داخلها يسمى نوى، فهذا النوى أصلًا هي التي تزرع، معنى البذرة هي النوى، ثم تطلع النخل فتأتي بثمر فيه نوى. قال: والزروع والأشجار، والبيضة من الطائر، أنا يخرج البيضة من الطائر. فهو الذي يخرج المتضادات بعضها من بعض، وقد انقادت له جميع العناصر. ومن أعظمها خروج المؤمن من الكافر، كما قال الله عز وجل: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾. هذا الأصل، لكن أحيانًا قد يذهب هذا الأصل فيخرج الخبيث من الطيب، والطيب من الخبيث. أنا يأتي المؤمن يخرج من كافر، مثل ما حصل في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا أبو جهل رجل خبيث وكافر عنيد، لكن خرج من صلبه من هو من أهل الإيمان كعكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه. وهكذا كثير من الصحابة أسلم ولم يسلم آباؤهم. وكذلك العكس. طيب، إن شاء الله تعالى.