الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 163، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع سند حديث البخاري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا﴾ مبيناً حال الرواة موسى بن إسماعيل وأبو عوانة الوضاح، ويوضح الإشكال في التمييز بين حماد بن سلمة وحماد بن زيد مع الإشارة إلى تأسيس مدينة واسط. كما يبين أن البخاري لم يرو عن حماد بن سلمة إلا في المتابعات.
يشرح المقطع تحول البصرة والكوفة إلى حواضر علمية كبرى باستقرار الموالي، ثم يستعرض معارضة عبد الرحمن بن أبي بكر لتوريث معاوية الخلافة ليزيد معتبراً إياه سنة فارس والروم. مبيناً طرق تنصيب الخليفة الشرعية ووقوع الفتنة الكبرى بين أهل الحجاز والعراق وأهل الشام.
يتناول المقطع أحداث خلافة يزيد بن معاوية ووقعة الحرة، ثم يناقش قول مروان بن الحكم إن آية «أفٍّ لكما» نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر. ويرد ذلك بنفي الصحبة عن مروان ورواية عائشة أن الآية عامة فيمن يعرض عن دعوة والديه للإسلام.
يوضح المقطع أن المشركين زعموا أن القرآن مجرد أساطير وقصص كتبها النبي محمد ﷺ واقتبسها من القدماء، مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. معتبرين ذلك تكبراً وعناداً منهم على الحق المبين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "باب قوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾". فهذه الآية، أو هذا الباب في تفسيرها، أو ما جاء في ذكر هذه الآية من الأحاديث. قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، وهو أبو سلمة التبوذكي المنقري البصري، وكان من حفاظ أهل البصرة. كان أبو زكريا يحيى بن معين يقول: موسى بن إسماعيل أعرف الناس بحديث بعوانة. وكذلك هو من أصحاب حماد بن سلمة أيضا. فلهذا إذا رأيت حماداً بعد موسى بن إسماعيل فغالباً هو حماد بن سلمة، وإذا كان ابن زيد فغالباً أنه يسميه، يقول: حماد بن زيد. وإذا قال حماد مطلقاً فغالباً هو حماد بن سلمة؛ لأنه أكثر عنه. ومسألة حماد بن زيد، مسألة الحمادين، خاصة حماد بن زيد وحماد بن سلمة، إشكالها أكثر من السفيانين: سفيان بن عيينة والثوري؛ لأن الثوري له مشايخ غير مشايخ بن عيينة، وأيضاً تلاميذه غير تلاميذ بن عيينة غالباً، وأحياناً يتفقون. لكن حماد بن سلمة وحماد بن زيد معناهما سواء، وأيضاً كذلك في بلدة واحدة، أنا في البصرة، فلهذا تجد أن أكثر تلاميذهما يروون عنهما معاً، وكذلك مشايخهما أيضاً يتفقون في أكثر المشايخ، فلهذا فالإشكال فيهما أكثر. لكن إذا كان في البخاري فهو حماد بن زيد؛ لأن البخاري لم يروِ عن حماد بن سلمة إلا في الشواهد والمتابعات. قال: حدثنا أبو سلمة إسماعيل، قال: حدثنا أبو عوانة. وعوانة هو الوضاح بن عبد الله اليشكري، كان عبداً ثم عتق. وذكر قصته لما عتق: أن بعض الناس جاءه وقال له: أتريد أن تعتق؟ قال: نعم. فقام في الناس فقال: إن فلاناً هو رجل من قريش معروفاً عند الناس أراد أن يعتق أبا عوانة. وأبو عوانة الناس يعرفونه، أنا من أهل العلم، لكنه كان عبداً لهذا الرجل. فجاء الناس يهنئون هذا الرجل أنه أعتق أبا عوانة، هذا عمل جليل، وهو لم يعتقه. لكن لما رأى الناس يهنئونه فإنه أعتقه بعد ذلك. وهذا يدلك على أن أبا عوانة كان حريصاً على العلم مع أنه عبد، أن العبد غالباً لا يتصرف لنفسه وإنما هو تحت سيده، لكن أبو عوانة كان حريصاً على العلم، إذا وجد فرصة تعلم تحصل على علم كثير. قال: حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر. وأبو بشر هو جعفر بن إياس بن أبي وحشية البصري، والواسطي. بصري الأصل، لكن سكن واسط. وواسط هذه منطقة بناها الحجاج بن يوسف بين الكوفة والبصرة، فسميت واسط. وكثرة أهل العلم وطلبة العلم في هذه المناطق، كثرة طلبة العلم وأهل العلم في هذه المناطق؛ لأن هذه المناطق سكنها غالباً أهل الجهاد؛ لأنه في زمن عمر لما فتحت الشام والعراق، أو فتحت الشام وأكثر العراق، صارت الحروب بعيدة عن المدينة، فأشار عمر إلى أبي موسى أو إلى غيره أن يبنوا شيئاً أو منطقة يسكن فيها أهل الجهاد، يأتون بأهلهم حتى يكون أقرب لهم، يعني الرجل يأتي إلى أهله ثم يذهب بعد أيام أو كذا يذهب إلى الجهاد في سبيل الله. فابتنوا هذه، ومعناها الكوفة والبصرة، معناها ابتنوها معاً. ثم أنه في زمن الحجاج بنى واسط، فصارت هذه المناطق بعد ذلك من أكثر المناطق طلباً للعلم؛ لأن فيها غالباً الموالي، وغالباً الموالي يجلسون للناس، لا يذهبون إلى الجهاد وكذا لخدمة أسيادهم، فلهذا تكاثر كثير منهم في تلك المناطق، وصار الناس يأتون البصرة والكوفة من كل مكان، فصار أكثر العلم في هذه المناطق. بل كان في ذلك الوقت أكثر من الحجاز، أكثر من مكة والمدينة؛ ولأن الناس يأتون إلى مكة والمدينة في وقت المواسم، فلهذا اكتفوا بهذا، وأكثر الرحلة كانت إلى البصرة وإلى الكوفة، فلهذا كان أكثرهم كما قلنا كانوا في هذه البلاد. قال: عن أبي بشر، وهو جعفر بن إياس بن أبي وحشية، وقد فضله الإمام أحمد، وكذلك ابن معين. في روايته عن سعيد بن جبير: أنا هو من حفاظ أصحاب سعيد بن جبير. ثم سئل أحمد: من أصحاب سعيد بن جبير؟ قال: عمر بن دينار وأبو بشر، أو قال: وقال عمر بن دينار وأبو بشر، أو جعفر بن أبي إياس. وهكذا قال ابن معين. قالوا: عن يوسف بن ماهك. يوسف بن ماهك، يقال أنه يوسف، أصله خراساني، لكنه سكن مكة، هو مكي خراساني. يوسف بن ماهك، وهو ثقة ثقة، إمام من أئمة أهل العلم. قال: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية. مروان بن الحكم على الحجاز، معناه أنه أميرا، استعمله معاوية على الحجاز، وكان في المدينة. قال: فخطب، فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه. فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئاً. وهذا معنى بعض الرواة، روى عن هذا الشيء، روى عن هذا الشيء لأجل الفتن. معنى: ما ذكر ما قال عبد الرحمن، ولا ذكر ما قال مروان. معنى: مروان كان يشيد بأن بعد معاوية يزيد ابنه، فاعترض عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، اعترض على كلام مروان، وقال: لأن مروان كان يقول هذه سنة أبي بكر وعمر. فقال له عبد الرحمن: بل سنة فارس والروم. قال: قال عبد الرحمن: بل سنة فارس والروم. هذه ليست سنة أبي بكر، أبو بكر ما خلف ابنه، ولا عمر. هذه يفعلها فارس والروم. لكن المهم أن هذه الفتن كانت حصلت في ذلك الزمان، والنبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر ملك بني أمية لم يذكره بدم، لكن مثلاً طريقة التوارث هذه ليست في زمن النبي، معناها ليست من أمور الخلافة أو من الخلافة الشرعية. مسألة التوارث ليست من الخلافة الشرعية معناها التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام من الطرق، الطرق الشرعية التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام عن الخلفاء: إما بالإشارة، وإما بالإجماع، إجماع أهل الحل والعقد، وإما بمشاورة أهل الحل والعقد، تشاورهم في ذلك كما حصل لما مات عمر اختار عثمان، أو أنه يكون بالغلبة. هذه الطرق التي جاءت في تنصيب الخليفة. وأما التوارث فلم يأتِ، معنى التوارث ليس من الطرق. لكن رأى ابن أمية أن هذا أنفع للناس حتى لا يحصل بعد ذلك الخلاف وغيره، وهذا اجتهاد منه، اجتهاد من معاوية رضي الله عنه. فقد كان معاوية ما يريد يزيد، لكن لما رأى أنه سيحصل اختلاف، أوصى إلى يزيد، وهذا اجتهاد منه رضي الله عنه، اجتهاد منه؛ لأنه لو سمى آخر قد يحصل اختلاف بين الناس، فجعلها في يزيد. لكن حتى لما جعلها في يزيد أيضاً حصل الخلاف؛ لأن أهل الحجاز وأهل البصرة وأهل العراق بايعوا ابن الزبير، بايعوا عبد الله بن الزبير، وأهل الشام بايعوا يزيد، وأهل الشام بايعوا يزيد. فلهذا اختلف الناس في ذلك، وحصل أن يزيد بن معاوية كان أراد أن يبايع أيضاً كذلك لمروان، أقصد لعبد الله بن الزبير، لكن اعترضه ناس هم أهل شر أصلاً، وأرادوا الفتن، وقالوا: إنك حق بهذه الخلافة، وإنك كذا وكذا، حتى حمى، وأرسل جيشاً ليقاتل ابن الزبير، فوقعت، ووقعت الحرة سنة 64، وكانت بلاء على الإسلام ومسلمين، قتل من أفاضل الصحابة وأفاضل التابعين، وانتهكت مدينة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. طيب. فقال: فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئاً، فقال: خذوه. فدخل بيت عائشة، فلم يقدروا عليه، أن عائشة أخته. لما أراد أن يأخذه الجند، فدخل بيت عائشة، فلم يستطيعوا أن يأخذوه. فقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه، ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا﴾. وهذا الظاهر مروان قاله. ومروان بن الحكم ولد في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه لم يعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم رعاه، يعني لم يأتِ أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه؛ لأن مروان ولد بالطائف، ولد بالطائف، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأتِ الطائف في ذلك الوقت، فلهذا فمروان ولد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لكنه لم يره النبي صلى الله عليه وسلم ولا رأى النبي. فلهذا فالصحيح من قول أهل العلم أنه ليس صحابياً، ليس صحابياً. مروان بن الحكم بن العاص، والنبي صلى الله عليه وسلم قد نفى، نفى أباه إلى الطائف. فقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه، والذي قال لولديه: أفر لكم، أتعداني. عبد الرحمن بن أبي بكر كان كافراً، ونزل مع قريش في بدر، نزل مع قريش في بدر كان كافراً. لعل مروان من هذا الباب قال: أنها نزلت فيه هذه الآية. لكن ليس صحيحاً، وإنما هذا بالظن، هذا بالظن. وإلا عبد الرحمن بن أبي بكر أسلم وحسن إسلامه، وكان من أفضل الناس طاعة لأبيه. وإنما هذا كان قبل، قبل أن يسلم. لكن هل نزلت هذه الآية فيه؟ لو كانت نزلت هذه الآية فيه لعلمتها عائشة رضي الله عنها. ولهذا عائشة رضي الله عنها قالت: قالت لم تنزل فينا هذه الآية. فقالت عائشة من وراء الحجاب: وما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن إلا أن الله أنزل عذري. وجاء في رواية أنها قالت: لم تنزل فينا هذه الآية، وإنما نزلت في رجل، لو شئت لسميته. قالت: لو شئت لسميته. لكنها لم تسمه رضي الله عنها لأجل الفتنة. فهذا الحديث في سبب نزول هذه الآية، على أن هذا السبب غير صحيح الذي ذكره مروان رحمه الله. وإنما نزلت في رجل قال لوالديه مثل هذا القول: أتعدانني، قد خلت القرون من قبلي، أنا قد هناك قرون قبلي ما كان يعرفون هذا الأمر الذي تدعونني إليه وهو الإسلام. فقال الله عز وجل: ﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. وقد ذكر المفسرون أنها نزلت في كثير، ما نذكروا كثيراً من الناس أنها نزلت فيهم هذه الآية. ومنهم من قال أنه رجل كان أخا لسعد، ومنهم من قال غيره. لكن لم يأتِ بإسناد صحيح عن أحد من الصحابة أنها نزلت في فلان أو كذا. لكن الآية واضحة في معناها على أنها نزلت في رجل كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام ويدعوانه إلى الخير وهو معرض عنهما، وهما يستغيثان الله: ويلك آمن، إن وعد الله حق، فيقول: ما هذا إلا أساطير الأولين. أن هذه أساطير وقصص كتبها محمد عليه الصلاة والسلام، فجاء بها للناس، وهذا من باب التكبر والتجبر والعناد. فقال: ما هذا إلا أساطير الأولين. وقال الله عز وجل: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. طيب. إن شاء الله هذا ما يذكر بهذا الحديث، والله تعالى أعلم.