الدرس في كتاب الطلاق من صحيح البخاري 19، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الإيلاء هو حلف الرجل على عدم وطء زوجته، وقد حدد القرآن مدته بأربعة أشهر ما لم يقيد الحالف بغير ذلك. روى أنس بن مالك أن النبي ﷺ آلى من نسائه شهراً وأقام في مشربة تسعاً وعشرين يوماً، مبيناً أن الشهر قد يكون تسعاً وعشرين يوماً.
الإيلاء المطلق الذي ورد في القرآن محدد بأربعة أشهر، بينما الإيلاء المقيد كما فعله النبي ﷺ لشهر واحد يتبع مدة الحلف. الجمهور يرون وقف المؤلي بعد الأربعة أشهر وتخييره بين الفيئة والطلاق، في حين ذهب بعض الصحابة إلى وقوع طلاق بائن بمضي المدة.
الإيلاء المطلق مدته أربعة أشهر، فإن انقضت دون رجوع وقعت طلقة، أما المقيد بمدّة فيلتزم بها وإلا كفّر، والفيئة تكون بالجماع للقادر وبالقول أو الإشهاد للعاجز. إذا رجع المولي قبل انقضاء الأجل وجب عليه كفارة يمين، ويُوقف ثم يُخير بين الفيئة أو الطلاق عند الجمهور.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى ﴿ للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر ﴾. قال: فاءوا أي رجعوا، وهذا يسمى الإيلاء، والإيلاء هو باب من أبواب الفقه، والمراد به أن يحلف الرجل أن لا يأتي زوجته، أن لا يأتيها ويقسم على ذلك، يقول: والله لا آتيك، أو لا أكون معك في فراش، أو غير ذلك من الألفاظ، فهذا يسمى إيلاء. وقد جاء في الآية أنه يعطى أربعة أشهر، وهذا الإيلاء المطلق الذي لم يقيده صاحبه، وأما إذا قيده فإنه يقيد بما قيده به. فالإيلاء هو الحلف، آل يؤلي إيلاءً وأليه أي حلف. وفي قراءة ابن عباس: ﴿ للذين يؤلون من نسائهم ﴾ قال: يقسمون. وقال ابن عباس: كل يمين منعت جماعاً فهي إيلاء، كل يمين منعت إيلاءً أو جماعاً فهي إيلاء. وحصل خلاف في الإيلاء المذكور في القرآن كما سنتكلم عليه إن شاء الله في ذكر الحديث. قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، وهو الأويسي، إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس الأويسي، عن أخيه، وهو عبد الحميد بن عبد الله بن أبي أويس، وهما ابنا أخت الإمام مالك. ومالك وعبد الله بن أبي أويس كان في طلب العلم معه، ثم تزوج مالك أخته، وهما ابنا أخته، عن مالك خاله، أو تزوج عبد الله بن أبي أويس أخت مالك. قال: عن سليمان، عن سليمان بن بلال المدني، عن حميد الطويل، أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه، وكانت انفكت رجله، فأقام في مشربة له تسعاً وعشرين، ثم نزل، فقالوا: يا رسول الله، آليت شهراً؟ فقال: الشهر تسع وعشرون. وهذا الحديث من الحديث التي في الإيلاء ذكرها، والمراد هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه أي حلف لا يأتيهن شهراً، وهذا حصل في ذلك الوقت الذي غضب النبي صلى الله عليه وسلم من فعل نسائه، وكانوا يسألونه النفقة ولم يكن معه ما ينفق عليهم، فآلى منهن، ثم بعد ذلك أمره الله عز وجل بالتخيير أن يخيرهن. وهذا الإيلاء هنا إيلاء مؤقت، إيلاء مؤقت، وأما الإيلاء المطلق فعلى الصحيح أنه ما جاء في الآية، ما جاء في الآية هو إيلاء المطلق، وهو أن من آلى من حلف فقال لامرأته: والله لا آتي، فإنه يتربص أربعة أشهر، معنى يجعله لا يكلم أربعة أشهر، بعد أربعة أشهر فإن القاضي يلزمه إما أنه يراجع زوجته ويكفر، وأيضاً يرجعها ويأتي ما كان قد حلف ألا يأتي، وإما أنه يطلق، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم ﴾، معنى لا شيء عليه، ﴿ وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ﴾. فلهذا قال أكثر العلماء من السلف بالتوقيف بعد أربعة أشهر، أنه يوقف بعد أربعة أشهر، يقال له: إما أن تراجع وإما أن تطلق، فهذا قول. قال زيد بن ثابت: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة وهي أملك بنفسها. لكن أكثر العلم على أنه لا تعتبر تطليقاً، وإنما يذكر ذلك أيضاً عن عثمان، وإنما تكون يوقف هذا الزوج بعد الأربعة أشهر، إذا انتهت الأربعة أشهر يوقف. وجاء عن الحبيب بن أبي ثابت، عن سعيد، أمير مكة، عن الإيلاء، فقال: كان ابن عباس يقول: إذا مضت أربعة أشهر ملكت نفسها، وكان ابن عمر يقول: ذلك ملكت نفسها، إن شاء اطلقت إذا لم يرد أن يرجعها. وهذا آثار كثيرة عن السلف أنهم يجعلون بعد الأربعة أشهر طلاقاً، يجعلون الإيلاء بعد أربعة أشهر طلاقاً، طلقة واحدة، فإما أن يرجعها بعد ذلك فله في العدة إذا رجعها في العدة، وإلا بانت منه، بانت منه. وجاء عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم: عمر، كما ذكر ذلك ابن المنذر في الإشراف، عن عمر وابنه وعثمان وعلي وعائشة وأبي الدرداء وأبي هريرة. وقال أبو صالح: سألت اثني عشر رجلاً من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام عن المؤلي، فذكروا أنه بعد إذا مضت أربعة أشهر فإنه يعتبر طلقة. وأما ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام فهو من اليمين، الإيلاء المقيد، الإيلاء المقيد قيده النبي صلى الله عليه وسلم بشهر، فالإيلاء المقيد غير الإيلاء المطلق. الإيلاء المطلق الذي لا يقيده بزمن، فهذا إذا انتهى ذلك الوقت يوقف المؤلي، هذا إما أن يطلق وإما أن يراجع. وذهب جمهور العلم أنه بعد الأربعة أشهر تكون طلقة عليه إذا لم يرجعها، تحسب عليه طلقة. وأيضاً كذلك إذا كان مقيداً بشهر أو بشهرين أو بأسبوع، فإنه إن وفى بما حلف فليس عليه شيء، وإن لم يوفَ أن يراجع بعد يومين أو بعد ثلاث أيام، حلف أن لا يأتيها أسبوعاً ثم راجع، فعليه كفارة. فلهذا إذا كان مطلقاً يتربص أربعة أشهر، وإن كان مقيداً فإنه على تقييده، إن قام بتقييده وإلا كفر عن يمينه. بل هناك ذهب جماعة من العلم أنه تبين منه بانتهاء المدة، بانتهاء المدة، وجاء ذلك عن ابن مسعود وعن بعض الكوفة كالنخعي وابن أبي ليلى وغيره، لكن أنها تبين منه، معناها أنها كطلقات الثلاث، وهذا ليس صحيحاً. وهناك من أنكر أن يكون فعل النبي صلى الله عليه وسلم إيلاء، أنكر أن يكون فعل النبي صلى الله عليه وسلم إيلاء، وإنما حكمه آخر، والأمر ليس مثلاً بالمعاني وإنما بالحقيقة، وهو يعتبر إيلاء، سواء كان قيده أو لم يقيده، فإن قيده فهو على تقييده، وإن لم يقيده فيكون مطلقاً ويجلس أربعة أشهر. وأما ما كان في الجاهلية، معنى كان الرجل يؤلي على نسائه سنة، وهذا ليس صحيحاً، وإنما يكون أربعة أشهر، وأما من آلى على نسائه سنة فبعض العلماء منع من ذلك وإنما أعطاه أربعة أشهر، فوق الأربعة أشهر لا يزاد. وهنا مسألة الفيء والرجوع بعد الإيلاء، أي أن يجامعها، حتى ذكر الإمام ابن المنذر الإجماع في هذا على أن الفيء هو الجماع لمن لا عذر له، فإن كان له عذر، معنى ما يستطيع أن يجامع، فيجزئه فيئة بلسانه، أن يعتذر إليها ويرجعها، أو يشهد على أنه أرجع زوجته وأنه خالف ما كان عليه من الحلف. وإذا كان يستطيع جماعها فيجامعها، يجامع يعتبر الجماع رجوع. وأما إذا جامع امرأته في الأربعة الأشهر فإنه يكفر عند أكثر العلماء، إذا مثلاً لم يلتزم بأربعة أشهر فمر عليه شهر فجامع امرأته، فقال هنا يكفر عن يمينه. ذكر هذا عن ابن عباس وزيد بن ثابت، وهو قول الشافعي رحمه الله. وقال بعضهم: إذا فاء ورجع لا كفارة عليه، وهذا قول بعض الكوفة كالنخعي. وصحيح أنه كما قال أهل العلم: أنه إذا رجع قبل المدة التي ذكرها الله عز وجل فإنه يكفر عن يمينه، يكفر عن يمينه لأنه حلف أن لا يأتي، لكن الله عز وجل جعل له مدة وعما لإيقاف الإيلاء. فهو قول أكثر العلم أنه يوقف ثم يقال له: إما أن تطلق وإما أن تراجع. فهذا ما يذكر بهذا الباب، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر