الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع روايات بناء الكعبة ويبين عدم صحة حديث مسح النبي صورة مريم وعيسى فقط، بل أمر عمر بمسح جميع الصور. كما يسرد أحاديث مشاركة النبي في نقل الحجارة مع عمه العباس، وكشف عورته، وقصة وضع الحجر الأسود مع بيان أسانيد هذه الروايات.
كانت الكعبة في الجاهلية مبنية من الحجارة بلا مونة ومنخفضة، فأعاد قريش بناءها بخشب سفينة رومية مهشمة. ظهرت حية منعتهم فدعوا الله فأنزل طائراً خطف الحية، وهدموا الكعبة وبنوها بحجارة الوادي رافعينها عشرين ذراعاً، وشارك النبي في حمل الحجارة وعمره خمس وثلاثون سنة.
يناقش المقطع أسانيد متعددة لروايات بناء الكعبة في الجاهلية ووضع الحجر الأسود، مع تعليق على رجال الإسناد مثل عبد الصمد بن النعمان وثابت بن يزيد وأبي يحيى القتات. يذكر قصة نافع بن سرجس مع الصنم ورواية مجاهد عن السائب بن عبد الله، وينتهي بتضعيف رواية أن البيت كان قبل الأرض بألفي سنة.
يختتم الشيخ المجلس بالاكتفاء بما ذُكر من الروايات والنقود. ويشير إلى أن الحديث أو الأثر المذكور رواه منصور.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، فلا يزال المؤلف رحمه الله إمام الدابي يذكر روايات بناء الكعبة، أما بنية الكعبة وأما ما ذكر الأزرقي في أخبار مكة أنه لم يمسح النبي صلى الله عليه وسلم صورة مريم وابنها، فهذا لم يثبت، بل هذا كلام غير صحيح، فلقد جاء في الصحيح أنه أمر عمر أن يمسحها كلها. وقال معمر عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، وعبد الله بن عثمان ثقة، عن أبي الطفيل قال: لما بُني البيت كان الناس ينقلون الحجارة والنبي عليه الصلاة والسلام معهم، فأخذ الثوب فوضعه على عاتقه، فنودي: لا تكسف عورتك، فهَلَقَ الحِجر ولبس ثوبه. رواه أحمد في مسنده. فتقدم أيضًا مثله في الصحيح. وقال عبد الرحمن بن عبد الله الدستوائي: حدثنا عمر بن أبي قيس عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس عن أبيه قال: كنت أنا وابن أخي ننقل الحجارة. يعني عن العباس بن المطلب قال: كنت أنا وابن أخي -أي النبي صلى الله عليه وسلم- ننقل الحجارة على رقابنا وأزرنا تحت الحجارة، والعباس أكبر من النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنوات. قال: فإذا غشينا الناس ائتزرنا، فبينما هو أمامي خرّ على وجهه منبطحًا، فجئت أسعى وألقيت حجري وهو ينظر إلى السماء، فقلت: ما شأنك؟ فقام وأخذ إزاره وقال: «نُهيت أن أمشي عريانًا»، وكنت أكتمها الناس مخافة أن يقولوا: مجنون. رواه قيس بن ربيع ونحوه عن سماك على متابعة لعمر بن أبي قيس. وهذا الحديث في الصحيحين. وقال حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند عن عكرمة -أقصد البخاري أخرجه بنحوه، ليس في هذا الإسناد لأن البخاري لم يروِ عن سماك عن عكرمة- فهذا الإسناد مضطرب، لكن قد تقدمت رواية البخاري ومسلم، قد تقدم فيما قرأنا رواية البخاري ومسلم. وأما هذه كما قلنا فهي رواية جاءت عند بعض أهل السنن، لكنها فيها ضعف من ناحية الإسناد، لكن من ناحية المتن فهو مؤيد بما قد ذكرنا قبل. وقال حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند -وهو بصري- عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة عن علي رضي الله عنه، وسماك أيضًا بصري، وخالد بن عرعرة بصري. قال: لما تشاجروا في الحجر أن يضعه أول من يدخل من هذا الباب، فكان أول من دخل النبي عليه الصلاة والسلام، فقالوا: «قد جاء الأمين». قال: أخبرنا سليمان بن حمزة، قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد، قال: أخبرنا محمد بن أحمد النباطي، عن عبد الله أخبرتهم، قال: أنبأنا ابن بريدة، أنبأنا الطبراني. وهذا الحديث معناه من طريق الطبراني. قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم -وهو الدبري الذي روى مصنف عبد الرزاق عن عبد الرزاق عن معمر عن ابن خثيم عن أبي الطفيل قال- وهذا إسناد صحيح. قال: كانت الكعبة في الجاهلية مبنية بالرضم، والرضم كما قلنا هو الحجارة التي موضوعة بعضها فوق بعض، ليس فيها مدر، وكانت قدر ما نقتحمها، وكانت غير مشقوفة، عن قدر ما نقتحمها، عن المكان الذي يدخل منه ضيق جدًا. قال: إنما تُوضع ثيابها عليها ثم تُسدل عليها سدلاء، وكان الركن الموضوع على سورها باديا، وكانت ذات ركنين كهيئة الحلقة. فأقبلت سفينة من أرض الروم فانكسرت بقرب جدة، فخرجت قريش يأخذون خشبها، فوجدوا رجلًا روميًّا عندها. وتقدم أن الروم كان في مكة يعمل في الخشب. قال: وكانت السفينة تريد الحبشة، وكان الرومي الذي في السفينة نجارًا، فقدموا به وبالخشب، فقال القرشيون: نبني بهذا الذي في السفينة بيت ربنا. فلما أرادوا هدمه إذا هم بحية على سور البيت مثل قطعة الجائز، سوداء الظهر. وقطعة الجائز هي الخشب التي توضع على أطراف العوارض في سقف البيت، العوارض التي تكون في سقف البيت، فهذه القطعة مثلها، ظهرها أسود، أو الحية بيضاء البطن. قال: «أنا من الظهر سوداء ومن البطن بيضاء». قال: فجعلت كل ما دنا أحد إلى البيت ليهدم أو يأخذ من حجارته سعت إليه فاتحة فاه، فاجتمعت قريش عند المقام فعجوا إلى الله وقالوا: ربنا لم نرع، إنا لم نرع، لم نخف. ومعنى «لم نرع»: لم نرع لما تخيفنا يا رب. قال: أردنا تشريف بيتك وتزيينه، فإن كنت ترضى بذلك وإلا فما بدا لك فافعل. فسمعوا خوارًا في السماء، أي سمعوا صوتًا يخور في السماء، فإذا هم بطائر أسود الظهر أبيض البطن والرجلين، أعظم من النسر، فغرز مخالبه في رأس الحية حتى انطلق بها يجرها، ذنبها أعظم من كذا وكذا ساقطًا، أي أخذ هذه الحية. قال: فانطلق بها نحو أجياد، فهدمتها قريش وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي، تحملها قريش على رقابها، فرفعوها في السماء عشرين ذراعًا. تقدم في الحديث الذي في البخاري أنها ثماني عشرة، وهذا لا يضر. قال: والنبي عليه الصلاة والسلام يحمل حجارة من أجياد وعليه نمرة، فضاقت عليه النمرة، والنمرة هي مثل الشملة. قال: فذهب يضعه على عاتقه، فبرزت عورته من صغر النمرة، فنودي: يا محمد، خمر عورتك. خمر أي غطِّ عورتك، فلم يرَ عريانًا بعد ذلك. وكان بين بنائه وأنزل عليه خمس سنين. هذا حديث صحيح، إسناده صحيح، وفيه أيضًا أنها كانت سنة خمس وثلاثين، بناء الكعبة كانت سنة... أقصد عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم سنه خمس وثلاثون. قال: قد روى نحوه داود العطار عن ابن خثيم. قال: ورواه محمد بن كثير المصيصي عن عبد الله بن واقد عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن نافع بن سرجس، قال: سألت أبا الطفيل فذكر نحوه. عن أن عبد الله بن عثمانحيان يذكر نافع، وحيان لا يذكر. وقال عبد الصمد بن النعمان -وهو ثقة حافظ كبير من حفاظ أهل البصرة-: حدثنا ثابت بن يزيد، وثابت بن يزيد فيه شيء من الضعف. قال: حدثنا هلال بن خباب -وهو كوفي ينطقه- عن مجاهد، وهو ابن جبر، وهو إمام في القراءة والفقه والعلم. قال: عن مجاهد عن مولاه -لأن مجاهد كان عبدًا عند رجل من قريش، وقيل عند امرأة- قال: أنه حدثه، وسيأتي باسمه في آخره، وهو السائب بن عبد الله المكي. قال: عن مولاه أنه حدثه أنه كان فيمن يبني الكعبة في الجاهلية، قال: ولي حجر أنحته بيدي، أعبده من دون الله. أي أخذ حجرًا، يقول لمجاهد: هذا فعله في الجاهلية. قال: فأجيبه باللبن الخاثر الذي أنفسه على نفسي، فأصبه عليه. قال: فيجيء الكلب فيلحس. فأجيبه باللبن الخاثر، معنى «من خاثر» مثل الزبادي الذي يترك، فيأتي بمثل هذا اللبن الخاثر الذي أنفسه على نفسي، معنى: أبخل على نفسي به وأعطيه هذا، أنه ينحت هذا الصنم ثم يعطيه لبنًا زباديًا، اطرح في هذا، في هذا الذي يظن أنه إله. قال: فيجيء الكلب فيلحسه، ثم يرفع رجله فيبول. أن الكلب بعدما يلحس الزبادي هذا الذي فيه الإله، إله يرفع رجله يشغر ويبول في هذا الصنم. قال: فبينا حتى بلغنا الحجر وما يرى الحجر منا أحد، فإذا وضعت حجارتنا مثل رأس الرجل، يكاد يُرى منه وجه الرجل. معنى «الحجر الظهر» يريد الحجر الأسود. فقال بطن من قريش: نحن نضعه، أي يريدون وضع هذا الحجر، الحجر الأسود في الكعبة. وقال آخرون: بل نحن نضعه. فقال: اجعلوا بينكم حكمًا. قالوا: أول رجل يطلع من الفجر. فجاء النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «أتاكم الأمين». قالوا له، فوضعوه في ثوب، ثم دعا بطونهم فأخذوا بنواحيه معه فوضعه هو. وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد. وقال إسرائيل عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن عبد الله بن عمر قال: كان البيت قبل الأرض بألفي سنة، وإذا الأرض مدت طال من تحته مدًّا. وهذا كلام ليس صحيحًا، وأبو يحيى القتات فيه ضعف. أبو يحيى القتات فيه ضعف. وإن صح أن عبد الله بن عمر فقد يكون أخذه عن أهل الكتاب. قال: كان البيت قبل الأرض بألفي سنة، أي قبل أن يخلق الله عز وجل الأرض. وروا نحوه منصور عن مجاهد، فلعل هذا عن مجاهد أخذه عن بعض أهل الكتاب كما رواه منصور عنه. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا والله. ورواه منصور.