الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 45، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يعرض المقطع روايات ليلة الجن ويناقش أسانيدها مبيناً انقطاع رواية أبي الجوزاء عن ابن مسعود وضعف رواية زهير بن محمد التميمي عن جابر وفقاً للإمام أحمد والبخاري. يدل ذلك على ضعف هذه الأسانيد وعدم ثبوتها.
يبيّن المقطع حسن رد الجن على آية الرحمن ونقل رواية وفد جن نصيبين الذين سألوا الزاد فدعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم. يدل ذلك على قوة قلب النبي وشجاعته في لقائه بالجن وحده دون خوف.
يروي الحديث أن جنياً حاول إرهاب النبي صلى الله عليه وسلم وقطع صلاته فتمكن منه النبي وأراد ربطه بسارية المسجد. تذكر النبي دعوة سليمان عليه السلام فخلى سبيله فهرب الجني خاسئاً.
حاول الشيطان الإضرار بالنبي صلى الله عليه وسلم فلم يفلح ورجع خاسئاً خائباً ملعوناً من الله. يختم المتحدث هذا الذكر على أن يكمل في درس قادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الحافظ الذهبي رحمه الله في سياق الروايات التي فيها قول النبي صلى الله عليه وسلم بالجن: وقال عثمان بن عمر بن فارس عن مستمر بن الريان عن أبي الجوزاء عن عبد الله بن مسعود، وهذا إسناد قلنا صحيح إلا أن أبا الجوزاء لم يسمع من عبد الله بن مسعود ففيه انقطاع في هذا الموضع. قال: انطلقت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الجن حتى أتى الحجون فخط لي خطا، ثم تقدم إليهم فازدحموا عليه، فقال سيد لهم يقال له وردان: إني أنا أرحلهم عنك، فقال: إني لي جار من الله أحدا. وقال زهير بن محمد التميمي عن ابن المنكذر عن جابر، وزهير بن محمد العسل أنه ثقة، لكن رواية أهل الشام عنه ضعيفة، وهذا الحديث من رواية الوليد بن مسلم، وكأنه كما قال الإمام أحمد والبخاري: زهير بن محمد الذي يروي عنه أهل الشام آخر ليس هو المعروف. قال عن جابر: قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سورة الرحمن، ثم قال: «ما لي أراكم سكوتا؟ إن الجن كانوا أحسن رداً منكم، ما قرأت عليهم هذه الآية ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ من مرة إلا قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد». قال الذهبي رحمه الله: زهير ضعيف. وزهير كما قلنا ليس ضعيفاً بل هو من الثقات، لكن في رواية أهل الشام عنه ضعف، وإلا فهو ثقة. وقال عمر بن يحيى بن سعيد بن عمر بن العاص، وهو ثقة أيضاً، عن جده سعيد، وسعيد التابعي ثقة، سعيد بن عمر بن العاص، قال: كان أبو هريرة رضي الله عنه يتبع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأداوة لوضوئه، فذكر الحديث، وفيه وفد جن نصيبين فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم ألا يمروا بروثة ولا بعظم إلا وجدوا عليها طعاماً، أخرجه البخاري. ويدخل هذا الباب في باب شجاعته صلى الله عليه وآله وسلم، قوة قلبه، لأنه كان يلتقي بالجن ولا يخاف، عليه الصلاة والسلام، ويذهب معه وحده صلى الله عليه وآله وسلم. قالوا: منه حديث محمد بن زياد عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن عفريتاً من الجن تفلت عليّ البارحة ليقطع عليّ صلاتي». وجاء في حديث سعيد في السنن أنه كأنه حمل شعلة من نار يريد أن يخيف النبي صلى الله عليه وسلم ويقطع عليّ صلاتي، قال: «فأمكنني الله منه فأخذته، وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ﴾، فرده خاسئاً». وفي لفظ: «فأخذته فخنقته»، يعني خنقته، متفق عليه. وإنما خنقه النبي صلى الله عليه وسلم حتى وجدت برد لسانه في يدي، وما في الرواية الأخرى في البخاري ومسلم كذلك: «حتى وجدت برد لسانه»، أي لعابه سال في يد النبي صلى الله عليه وسلم لما خنقه. قال: «ولولا دعوة أخي سليمان لربطته بالسارية، ولجعلت ولدان أهل المدينة أو صبيانهم يلعبون به»، لكن لعجلة دعوة نبي الله سليمان عندما قال: رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي، فهو الذي جعل الله عز وجل الجن تحت سيطرته، فلما كان هذا الجني سيكون تحت سيطرة النبي صلى الله عليه وسلم فذكر هذه الدعوة، بعد ذلك قال: فرده خاسئاً، وكأنه تركه بعد أن خنقه حتى أنه وجد برد لسانه، فتركه النبي عليه الصلاة والسلام وهرب، وكأنه لما رأى مقاومة النبي صلى الله عليه وسلم له وتأييد الله عز وجل لنبيه فلم يستطع أن يفعل شيئاً، فرد خاسئاً خائباً، عليه لعنة الله. فهذا إن شاء الله تعالى من الذكر نكتفي به، ونكمل في درس قادم، شكراً.