الدرس في كتاب العلم من صحيح البخاري 2، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح الشيخ باب رفع الصوت بالعلم مستدلاً بحديث ابن عمر في الوضوء، ثم ينتقل لبيان صيغ التحديث كحدثنا وأخبرنا وأنبأنا مع فروقها ومصطلحات المحدثين. ويذكر أن الحميدي هو أول شيخ للبخاري في صحيحه مبيناً أهمية هذه الصيغ في الرواية.
يبين المقطع أن صيغ الأداء عند المحدثين كالإمام ابن عيينة بمعنى واحد، ويستعرض أقوال الصحابة والتابعين في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم. كما يوضح الفرق بين الحديث القدسي والنبوي ويختتم بحديث النخلة الذي رواه ابن عمر واستدلاله بوجود الجمار.
يتناول المقطع أدب الصحابة في تقديم الكبار وتقديم الأدب على العلم، وكيف اختبر النبي صلى الله عليه وسلم فهم أصحابه بمثل النخلة. ويبرز فقه البخاري في تكرار الحديث لاستخراج فوائد إسنادية ومتنية، مبيناً أن المسلم كنخلة لا يسقط ورقها وينفع بثمرها.
يختتم المتحدث الدرس الحالي معلناً استكمال الباقي في دروس قادمة، ويدعو بالخير للجميع ويصلي على النبي محمد. ويذكر اسم المترجمة نانسي قنقر في ختام الجلسة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، مواصلةً أيها الأحبة في الله مع أبواب كتاب العلم من صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين. قال رحمه الله تعالى: «باب من رفع صوته بالعلم». قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو النعمان، عارم بن الفضل، وأبو النعمان عارم لقب واسمه محمد، وهو السدوسي البصري، يعتبر من أثبتي أصحاب حماد بن زيد، فيه بعد عبد الرحمن بن مهدي، رحم الله الجميع. قال: حدثنا أبو عوانة، وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري، قال: عن أبي بشر، وأبو بشر هاهنا هو جعفر بن إياس، ويقال له جعفر بن أبي وحشية، وهو ثقة، يعتبر من أثبت الناس في التابعي الجليل سعيد بن المسيب. قال: عن يوسف بن ماهك، وهو الفارسي المكي مولى قريش، كان ثقة. قال: عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمر هو ابن العاص الصحابي الجليل، أسلم قبل أبيه، وكان صاحب عبادة حتى أنه يلقب بعابد الصحابة، وهو أحد الصحابة العباد، له أي ممن يسمى بعبد الله ممن طال بهم العمر فاحتاج الناس إلى علمهم، والعبادلة من الصحابة أربعة، جمعهم القائل في بيت شعري فقال: أبناء عباس وعمر وعمر وابن الزبير هم العبادلة الغرر. أبناء عباس وعمر وعمر، أي ابن عباس. العبادلة أربعة من الصحابة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر بن العاص هذا، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، والرابع قال: وابن الزبير، هم العبادلة الغرر. وأما ابن مسعود فهو أكبر منهم وأقدم، ومات قبلهم. قال: تخلف عنا النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة سافرناها، قال: فأدركنا وقد أرهقتنا العصر، أي صلاة العصر، قال: ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار»، مرتين أو ثلاثًا. وهذا الحديث استدل به البخاري على جواز رفع الصوت بالعلم، لقوله: «فنادى بأعلى صوته»، وإنما يتم الاستدلال بذلك حيث تدعو الحاجة إلى رفع الصوت، كأن يكون المنادى بعيدًا، أو أن يكون العدد كثيرًا يحتاج إلى رفع الصوت لكي يبلغ. وهكذا أيضًا يلحق بهذا ما إذا كان في موعظة، كان عليه الصلاة والسلام كما في حديث جابر: إذا خطب الناس ووعظ الناس ارتفع صوته وحمر وجهه، وكأنه منذر جيش يقول: «صبحكم ومساكم، صبحكم ومساكم». قال رحمه الله تعالى: «باب قول المحدث: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا». وهذه تعتبر من صيغ التحديث، قول المحدث: «حدثنا»، وهذه في الغالب يقولها من سمع من الشيخ مباشرة، يقول: حدثنا فلان. وهكذا «أخبرنا»، وهكذا «أخبرنا» تطلق في كثير من الأحيان على ما قرئ على الشيخ أو قرأه على الشيخ، يعني الطالب يقرأ والشيخ يستمع، فيأتي الطالب إذا أراد أن يحدث عن الشيخ فيقول: أخبرنا. هكذا صنيع كثير من المحدثين. وهكذا «أنبأنا» استعملها بعض المحدثين فيما أخذه عن شيخه إجازة، شيخه يعطيه الكتاب ويقول: أجزتك أن تحدث بهذا الكتاب عني. وأحيانًا يتسامح المحدثون فيعبر بهذه الصيغ بعضها عن البعض الآخر. قال رحمه الله تعالى: وقال لنا الحميدي، الحميدي هذا أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي، وهو إمام كبير مصنف، أي صاحب تصانيف كتب، وقد رافق الإمام الشافعي في الطلب عن سفيان بن عيينة، ومن كان في طبقته، وأخذ عن الإمام الشافعي الفقه وهكذا غيره من العلوم، ورحل مع الشافعي إلى مصر. الحميدي هذا هو أول شيخ استفتح البخاري الرواية عنه في هذا الصحيح، كما في حديث الأعمال بالنيات. قال البخاري رحمه الله: قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «إنما الأعمال بالنيات»، وذكر الحديث. قال رحمه الله تعالى: وقال لنا الحميدي: كان عند ابن عيينة «حدثنا»، و«أخبرنا» و«أنبأنا» و«سمعت» واحدًا، أي كلها بمعنى واحد. وابن عيينة إمام ومحدث كبير، سفيان بن عيينة أبو محمد الهلالي المكي، كان قرين الإمام مالك رحمه الله. ولهذا الإمام الشافعي يقول: «لولا مالك وسفيان، لذهب علم الحجاز». وقال ابن مسعود، وهو عبد الله بن مسعود أبو عبد الرحمن الهدلي، أحد كبار علماء الصحابة: «حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق»، ويعني بذلك: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك» الحديث. وقال شقيق، يعني ابن سلمة أبو وائل، من أكبر طلاب ابن مسعود: «عن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم كلمة». وقال حذيفة، وهو ابن اليمان: «حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين»، حديثين، وأراد بذلك أن يبين أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا أحيانًا يقول أحدهم: سمعت، وأحيانًا يقول: حدثنا، وأحيانًا أخرى يقول غير ذلك من صيغ التحديث، فدل على أنهم لم يفرقوا بين هذه الصيغ مما سمعوه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو العالية، أبو العالية الرياحي نفيع بن مهران، أحد كبار التابعين: «عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه». وماذا يسمى هذا؟ النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل. يا عبد الله: حديث قدسي. وما هو الفارق بين الحديث القدسي والنبوي؟ ما هو الفارق؟ نعم، الحديث النبوي لفظه ومعناه من النبي صلى الله عليه وسلم، والقدسي معناه من عند الله وألفاظه من النبي صلى الله عليه وسلم. جميل جدًا، وهذا الذي عليه كثير من أهل العلم. وبعض العلماء يقول: الحديث القدسي لفظه ومعناه من الله عز وجل، والفارق بينه وبين القرآن أن القرآن متعبد بتلاوته ومعجز في ألفاظه إلى آخره. قال رحمه الله تعالى: وقال أنس: «عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل». وقال أبو هريرة: «عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربكم عز وجل». وهذه الأحاديث التي ذكرها الأخيرة كلها وصلها في كتاب التوحيد من صحيحه، وأراد بذكرها هاهنا التنبيه على أن الرواية بصيغة العنعنة، يعني «عن فلان»، أنها حكمها موصولة إذا ثبت اللقاء وأمكن السماع، إذا ثبت لقاء التلميذ بالشيخ وأمكن أن يسمع منه، كما هو شرط الإمام البخاري رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، وقتيبة بن سعيد أبو رجاء الثقفي رحمه الله تعالى. قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي، فحدثوني ما هي». قال ابن عمر: قال: فوقع الناس في شجر البوادي، يعني ذهبت أفكارهم إلى أشجار البادية، يعني واحد يقول: سمر، يأتي واحد يقول: إثل، وآخر يقول: كذا وكذا. قال عبد الله، يعني ابن عمر: قال: ووقع في نفسي أنها النخلة، أنها النخلة. وفي رواية: يعني كيف فهم ابن عمر على صغر سنه أن المقصود بهذه الشجرة هي النخلة؟ جاء في بعض الروايات: «قال: من أجل الجمار الذي أتي به، من أجل الجمار الذي أتي به». والجمار هذا عبارة عن يعني شيء أبيض اللون ينمو في أعلى وفي أصل النخلة، يؤكل، نعم، ويسميه البعض في بعض البلاد بالكرزام أو نحوها، ولأهل البلدان يعني أسماء متعددة في التعبير عنه. فهنا قرينة وجود هذا الشيء بين يديه يقلبه، عرف ابن عمر أن المقصود بهذه الشجرة هي هذه النخلة. قال: ووقع في نفسي أنها النخلة، قال: فاستحييت. وهذا فيه يا إخوان أدب الصحابة، لماذا استحيى؟ لأنه قال: فنظرت فإذا أنا عاشر عشرة، أنا أصغرهم، أنا الصغير فيهم، أبو بكر وعمر وغيرهم من كبار الصحابة موجودون، وأنا صغير أتكلم. ففيه أدب الصحابة يا إخوان، وهكذا ينبغي أن يكون طالب العلم مهتمًا بجانب الأدب، فليس العلم هو المقصود والمطلوب فقط، وإنما قبل العلمي الأدب. وكما جاء عن ابن المبارك وغيره كانوا يقولون: نحن أحوج إلى قليل من الأدب أكثر من حاجتنا إلى كثير من العلم. والإمام مالك رحمه الله تعالى كان أو كانت أمه تجهز وهو صغير وتلبسه ثيابه وتقول له: اذهب إلى ربيعة بن عبد الرحمن شيخ أهل المدينة، فخذ من أدبه قبل علمه، فخذ من أدبه قبل علمه. وعلم بلا أدب قيل: كنار بلا حطب. قال: ووقع في نفسي أنها النخلة، قال: فاستحييت. ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة، قال: هي النخلة. وفي بعض الروايات أن عبد الله بن عمر أخبر أباه، يعني بعد خروجهم، قال: يا أبي لقد وقع في نفسي أنها النخلة، فاعتذر، فاعتذر أنه استحى عن الإجابة، فقال عمر: لو قلتها لكان أحب إلي من كذا وكذا، أي من الأموال الطائلة، وذلك لما سيقع لابن عمر في قلب النبي صلى الله عليه وسلم من الحب. ومناسبة هذا الحديث لهذا الباب لهذه الترجمة هو ماذا؟ قولهم: «حدثنا ما هي، حدثنا ما هي»، وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام: «حدثوني ما هي»، وغيرها. ومحصل ذلك التسوية بين صيغ الأداء الصريحة، لأنها تكررت عدة صيغ في هذا الحديث. والنبي صلى الله عليه وسلم هاهنا شبه المسلم بالنخلة، ووجه التشبيه بين النخلة والمسلم من جهة عدم سقوط الورق، هذا وجه. وهكذا أيضًا أن النخلة كل ما يخرج منها ينتفع به، وهكذا المسلم يا إخوان يكونوا نفاعًا للآخرين، يكونوا نفاعًا للآخرين. وهكذا غيرها من أوجه التشابه بين المسلم وبين النخلة. وفي هذا يا إخوان من الفوائد كذلكم أيضًا جواز امتحان العالم لأذهان طلابه بما يخفى مع بيانه لهم إذا لم يفهموا. وهكذا أيضًا فيه التحريض على الفهم في العلم، التحريض على الفهم في العلم، ولهذا بوب عليه البخاري: «باب الفهم في العلم»، الفهم في العلم. وهكذا أيضًا فيه كذلكم أيضًا دليل على بركة النخلة وما يخرج منها وما يخرج منها. قال رحمه الله تعالى: قال: «باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم، ليختبر ما عندهم من العلم». ويضاف على ذلك مع بيانه لهم إن لم يفهموا، إذا لم يجيبوا فيبينه العالم والمدرس لطلابه. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا خالد بن مخلد، وشيخ البخاري هاهنا خالد بن مخلد هو القطواني أبو الهيثم البجلي مولاهم. قال: حدثنا سليمان، وهو ابن بلال التيمي مولاهم أبو محمد المدني، كان ثقة. قال: حدثنا عبد الله بن دينار، وهو العدوي مولاهم أبو عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر. قال: عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، حدثوني ما هي». قال: فوقع الناس في شجر البوادي. قال عبد الله: فوقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت. ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة، قال: هي النخلة. وأعاد البخاري رحمه الله تعالى حديث ابن عمر السابق، وإعادته للحديث يا إخوان لفائدة، بل لفوائد، وماذا؟ وقد قال العلماء: قد قال العلماء: فقه البخاري في تراجمه، الترجمة التي يبوّب بها فيها علم كثير، ويأتي بالحديث الذي يستدل به على ذلك العلم، فتكراره قد يعود لفائدة في الإسناد، وقد يعود لفائدة في المتن، ومن أجل الفائدة أتى بالحديث بغير الإسناد الأول لكي لا يفهم الطالب أو القارئ أن التكرار هاهنا ليس وراءه ثمة فوائد، ثمة فوائد. فطرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم، من الأمور التي كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفعلها. طيب، نقف هنا ونكمل ما تبقى في دروس لاحقة إن شاء الله عز وجل. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر