كتاب العلم من صحيح البخاري 1

كتاب العلم من صحيح البخاري 1

الدرس في كتاب العلم من صحيح البخاري 1، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

مقدمة كتاب العلم وفضل البخاري

افتتح المحاضر المجلس بشرح مكانة صحيح البخاري وترتيب كتبه، وتعريف مصطلحي الكتاب والعلم، ثم استهل باب فضل العلم كأول أبواب كتاب العلم.

باب فضل العلم وأدلة رفعة العالم

استعرض الباب أدلة القرآن والسنة على رفعة أهل العلم، وقصة عمر في تقديم العالم، ودعاء النبي بطلب الزيادة في العلم، مع ذكر سند حديث آداب الإجابة ومناقشة أحوال رواته.

آداب التعليم والتعلم وعلامة ضياع الأمانة

روى حديث الأعرابي السائل عن الساعة وإجابة النبي بعد فراغه بعلامة ضياع الأمانة بإسناد الأمر لغير أهله، مبيناً رحمة المعلم وأدب المتعلم في عدم المقاطعة.

علامات الساعة برفع العلم وظهور الجهل

أشار المقطع إلى حديث أنس عن قيام الساعة برفع العلم وانتشار الجهل، وأن تسليم الأمور لغير أهلها من أشراط الساعة، مختتماً بالدعاء والتسبيح.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تابعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها الأحبة في الله، هذا هو المجلس الأول من المجالس العلمية التي نتذاكر فيها كتاب العلم من صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى. ولا يخفى على الجميع ما لهذا الكتاب، أعني صحيح البخاري، من مكانة عظيمة عند أهل الإسلام. فصحيح البخاري قد تلقته الأمة بالقبول، عدا أحاديث يسيرة انتقدها بعض الحفاظ كالدارقطني وغيره، وإلا فصحيح البخاري هو أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل. وبمعنى آخر يقال: هو أصح الكتب المصنفة، أي المؤلفة، ثم يليه كتاب تلميذه مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري رحمة الله عليه. وكتاب البخاري أصح من كتاب مسلم، وإنما فاق مسلم شيخه البخاري في حسن الترتيب والتنسيق. وهذا الذي قدم به صحيح مسلم على صحيح البخاري، كان الاختيار لكتاب العلم من صحيح البخاري، وهو في الترتيب ثالث الكتب، يأتي كتاب بدء الوحي من صحيح البخاري، ثم بعده كتاب الإيمان، ثم كتاب العلم. وكتاب العلم يا إخوان مليء بالفوائد والدرر التي يحتاجها المسلمون عموماً، وطلاب العلم على وجه الخصوص، فما أحوجنا إلى أن نستفيد مما جمعه الإمام البخاري رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب العلم. أكذا جاء في بعض النسخ: قدم البسملة على كتاب العلم، وفي بعض النسخ قدم كتاب العلم ثم أتي بعد ذلك ببسملة. والبدء بالبسملة هذا فيه اقتداء بكتاب الله عز وجل، فأول ما نزل من القرآن هو قوله سبحانه: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾، وهكذا سور القرآن كلها تستفتح بالبسملة ما خلا سورة واحدة، فما هي يا أبا الفاروق؟ سورة التوبة، ويقال سورة براءة، فلم تفتتح بالبسملة. وهكذا أيضاً تأسياً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يستفتح كتبه ورسائله إلى الملوك والأمراء وغيرهم بالبسملة، كما في حديث ابن عباس حين أن أرسل عليه الصلاة والسلام كتاباً إلى هرقل عظيم الروم، فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين، يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم» الآية. وهكذا في قصة صلح الحديبية كما في حديث المسور بن مخرمة، أمر النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب أن يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فاعترض سهيل بن عمرو وقال: اكتب كما كنت تكتب: باسمك اللهم، الحديث. واستقر عمل المؤلفين كما ذكر الحافظ ابن حجر وغيره أن تبتدئ الكتب والرسائل بالبسملة. قال: كتاب العلم. كتاب العلم، وقوله: كتاب، أي هذا مكتوب في بيان أحاديث وآثار وأبواب تتعلق بالعلم. ومادة "كتب" هذه عند أهل العربية تأتي بمعنى الجمع، تأتي بمعنى الجمع، وسمي الكتاب كتاباً قالوا لجمعه الحروف والكلمات والجمل. والكتاب في اصطلاح العلماء قالوا: ما خط في القرطاس لإبلاغ الغير، كتب إليه كتاباً، كتب إليه كتاباً، ما خط في القرطاس لإبلاغ الغير، وقيل: هو ما خط لحفظه عن النسيان، لحفظه عن النسيان. والعلماء يستخدمون في مصنفاتهم اصطلاح "الكتاب" فيما يجمع شيئاً من الأبواب والأصول. وهنا يقول: كتاب العلم. والعلم عرف بتعاريف عدة، منها ما ذكره بعضهم أنه إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً، فإن لم يكن جازماً فهنا يسمى شكاً وظناً، أما العلم فأن يدرك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً. قال رحمه الله تعالى: قال: باب فضل العلم. باب فضل العلم، الأصل في الباب، الأصل في الباب أنه ما يدخل منه ويخرج، هذا هو الأصل، وهنا شبه الدخول لمذاكرة أحاديث وآثار تتعلق بفضل العلم شبهه بالدخول إلى الأشياء المحسوسة، فأثبت له الباب، فأثبت له الباب. قال: باب فضل العلم، وقول الله تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾، ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾، وقوله عز وجل: ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾. أورد رحمه الله تعالى في هذا الباب هاتين الآيتين: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾، قيل في تفسيرها: يرفع الله المؤمن العالم على المؤمن الذي هو ليس بعالم درجات، والدرجات جمع درجة، والدرجات تدل على الفضل، باب فضل العلم تدل على الفضل لأن المراد بها كثرة الثواب، وبكثرة الثواب يا إخوان ترتفع الدرجات، بكثرة الثواب ترتفع الدرجات، ويشمل ها هنا الرفعة الحسية والرفعة المعنوية. الرفعة المعنوية في الدنيا تكون بعلو المنزلة وحسن الصيت، هذه رفعة معنوية، يرفع الله عز وجل شأن وذكر صاحب العلم، صاحب العلم. وأما الرفعة الحسية فهذه تكون في الآخرة، رفعة الدرجات في الجنة، رفعة الدرجات في الجنة. وجاء في صحيح مسلم في قصة عمر مع عامله على مكة نافع بن عبد الحارث، لقيه بعسفان فسأله عمر: من استخلفت على أهل الوادي؟ أي على أهل مكة. قال: ابن أبزى. قال عمر: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا. فتعجب عمر وقال متعجباً: استخلفت عليهم مولى من الموالي؟ يعني ما وجدت غيره. قال: يا أمير المؤمنين، إنه قارئ، وفي بعضها: حافظ لكتاب الله، عالم بالفرائض. هنا قال الإمام العادل والخليفة الراشد الفاروق عمر رضي الله عنه: سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين، ويضع به آخرين». قال: وقوله عز وجل: ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾، ودلالته واضحة كما ذكر الحافظ وغيره، أن الله تبارك وتعالى لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يطلب الزيادة من شيء إلا من العلم، لو كان هناك ما هو أفضل من العلم كالمال والجاه والمنصب والسلطان وغيرها، لأمره أن يطلب الزيادة منه. والمراد بالعلم هو العلم الشرعي، هو العلم الشرعي. قال رحمه الله تعالى: قال: باب من سئل علماً وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا محمد بن سنان، وهو الباهلي أبو بكر البصري، قالوا فيه: ثقة ثبت. قال: حدثنا فليح، وفليح هذا هو ابن سليمان بن المغيرة الخزاعي، ويقال: الأسلمي، أبو يحيى المدني. قيل: فليح لقب، واسمه عبد الملك. وقيل فيه: صدوق كثير الخطأ، وعيب على الإمام البخاري أن يخرج لأمثال هؤلاء، فليح بن سليمان الخزاعي. لكن اعتذر العلماء للبخاري أنه لم يخرج لفليح ومن كان مثله ممن في حفظه شيء، لم يخرج لهم في الأحكام إلا ما توبعوا عليه، أي تابعه عليه غيرهم، تابعه عليه غيرهم، وإنما أخرج لهم في المواعظ والآداب. وقيل: أن البخاري انتقى من حديث فليح، ولم يخرج له على الإطلاق، يعني مطلقاً. قال: حدثنا فليح، حاء، وحاء، حين أن تراها في الأسانيد فالصحيح فيها أنها تحويل السند، المصنف يحول إلى سند آخر أو طريق أخرى فيبدأ من أولها. قال: حاء، وحدثني إبراهيم بن المنذر، وهو الأسدي الخزاعي، قالوا فيه: صدوق، تكلم فيه الإمام أحمد لأجل القرآن، أي لأجل الخوض في فتنة خلق القرآن. قال: حدثنا محمد بن فليح، ومحمد بن فليح قيل فيه: صدوق يهم. قال: حدثني أبي، وهو فليح بن سليمان الذي تقدم ذكره آنفاً. قال: حدثني هلال بن علي، هلال بن علي، وهلال هذا ثقة، هلال هذا ثقة، يقال: هلال بن علي، ويقال: هلال بن أبي هلال، ويقال: هلال بن ميمونة، هما واحد، أو هم واحد، ومن ليس عنده دراية بهذا يظن أنهم ثلاثة. قال رحمه الله تعالى: قال: عن عطاء بن يسار، أحد أعلام التابعين، أبو محمد الهلالي المدني، مولى ميمونة زوج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان ثقة فاضلاً، قال فيه: صاحب مواعظ وعبادة. قال: عن أبي هريرة، ما اسمه؟ ما اسمه أبي هريرة؟ نعم، عبد الرحمن بن صخر الدوسي اليماني، هذا هو المشهور يا إخوان، وإلا فالعلماء ذكروا في الخلاف في اسم أبي هريرة واسم أبيه أقوالاً كثيرة، أوصلها الإمام الحاكم في كتابه "المعرفة"، أي معرفة علوم الحديث، إلى ثلاثين قولاً، أقربها وأشهرها: عبد الرحمن بن صخر. كان يلقب بحافظ الصحابة، كما قال الذهبي رحمه الله: والحفاظ درجات، ذروتهم أبو هريرة، أبو هريرة. قال: عن أبي هريرة قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم، جاءه أعرابي، من هو الأعرابي؟ يا أبا زيد، من هو الأعرابي؟ أحسن: من يسكن البادية، ويغلب على سكان البوادي الجفاء والشدة والغلظة. قال: جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ متى الساعة؟ أي يسأل عن وقت قيامها، متى تقوم القيامة؟ قال: فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، لم يلتفت إليه، مضى واستمر في حديثه، فقال بعض القوم: أي من الحاضرين، سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع. قال: حتى قضى حديثه، قال: أين السائل عن الساعة؟ بعدما أكمل الحديث، ماذا؟ سأل: أين السائل؟ فقال: ها أنا يا رسول الله. ماذا سيفعل به؟ هل سيعنف عليه؟ أنت ما عندك أدب ولا عندك احترام، تأدب مرة أخرى؟ لا يا إخوان، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾، وهكذا قال تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾. فأدب من آداب المعلمين التلطف والرحمة بالمتعلمين، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ها أنا يا رسول الله، قال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة». إذا ضيعت الأمانة، فهذا علامة تدل على قرب الساعة. لماذا لم يخبره بوقتها؟ قل له مثلاً: بعد عشرين سنة، مئة سنة، ألف سنة، ستقوم الساعة. لماذا لم يخبره بذلك؟ نعم، لأنه لا يعلم عليه الصلاة والسلام ذلك، ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ لِمَن يَخْشَاهَا ﴾، ولما سأل جبريل عليه السلام نبينا صلى الله عليه وسلم: أخبرني عن الساعة، قال: «ما المسؤول عنها بأعلم بها من السائل، من السائل»، لكن أخبره عن إماراتها، أي علاماتها التي تدل على قرب وقوعها. قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها؟ فيه الاستفصال يا إخوان، أما لا يفهم أو لم يفهم من المعلم. قال: وكيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر»، أي أسند الأمر، أعطي الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة، أي إلى من لا يحسن القيام به. وهذا يا إخوان فيه التنبيه على بعض آداب العالم والمتعلم، العالم يكون رفيقاً، يبذل وسعه في نشر العلم والخير وتعليم المسلمين، والعناية بالإجابة عن أسئلتهم وتوضيحها إلى غير ذلك. أما المتعلم فينبغي على المتعلم أن لا يقاطع المعلم، معلم يتكلم، هو يرفع يده، ينتظر حتى يكمل المعلم حديثه، وأقبح منه أن يرفع صوته فيقطع الحديث أو الدرس. فهذا هذا فيه ماذا؟ أن المتعلم لا يسأل العالم وهو مشتغل بغيره، وهو مشتغل بغيره. وهنا يا إخوان لفتة يسيرة حول مناسبة إيراد هذا الحديث في باب العلم أو كتاب العلم، وهو أن إسناد الأمر إلى غير أهله متى يكون؟ عند غلبة الجهل، عند غلبة الجهل ورفع العلم، وذلك من جملة أشراط الساعة، من جملة أشراط الساعة. ومفهوم ذلك أن العلم ما دام ظاهراً، ما دام ظاهراً، فهنا في الأمر فسحة، وكأن المصنف كما أشار الحافظ رحمه الله يشير إلى أن العلم إنما يؤخذ عن الأكابر، إنما يؤخذ عن الأكابر، تلميحاً لما روي عن أبي أمية الجمحي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر». وهكذا في حديث أنس: «لا تقوم الساعة حتى يرفع العلم ويظهر الجهل، ويظهر الجهل». هنا يا إخوان تعطى المهام لمن لا يحسن القيام بها، إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة. فهذا بعض ما يذكر حول ما يتعلق بهذه أو بهذين البابين، وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.