شرح كتاب عقيدة الرازيين 12

شرح كتاب عقيدة الرازيين 12

الدرس في شرح كتاب عقيدة الرازيين 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

إثبات وجود الجنة والنار الآن ورد قول المعتزلة

يقرر المؤلف أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن ولا تفنيان، مستدلاً بآيات الإعداد والعرض على النار في البرزخ وأحاديث نظر جبريل إليهما. ويرد على المعتزلة والجهمية الذين يزعمون أن خلقهما الآن عبث.

خلود الجنة والنار وعدم فنائهما عند أهل السنة

يؤكد المؤلف أن الجنة والنار باقيتان أبدياً مستنداً إلى آيات الخلود وحديث ذبح الموت، وهو مذهب أهل السنة. ويناقش أقوال الجهمية والمعتزلة في فنائهما ويبين أن قول ابن القيم الأخير يوافق مذهب أهل السنة.

خروج أهل التوحيد من النار وخلود الكفار

يبيّن النص أن العصاة من الموحدين قد يدخلون النار ثم يخرجون بالشفاعة أو رحمة الله، بينما الكفار والمشركون يخلدون فيها أبداً لا تنفعهم شفاعة. ويستدل بالآيات والأحاديث الدالة على مغفرة الله لمن يشاء من الموحدين.

خاتمة كلام المؤلف حول المستثنين من العذاب

يخلص المؤلف إلى أن المستثنين هم من شملتهم رحمة الله أو شفاعته أو شفاعة الأنبياء والصالحين. ويؤكد أن هذا مجمل كلامه والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال أي أبو حاتم وأبو زرعة: والجنة حق، والنار حق، وهما مخلوقتان لا تفنيان أبدا. فالجنة ثواب لأوليائه، والنار عقاب لأهل معصيته إلا من رحم. هذا أيضا من عقيدة أهل السنة والجماعة، وذكروها العلماء في عقائدهم التي أُلِّفت في ذلك. ففيه تبشير، أو فيه أن الجنة حق، والمراد أي حقيقة موجودة، وأهل الإيمان يؤمنون بها بما أخبر الله عز وجل بها سبحانه وتعالى. وكذلك النار حق، فالجنة بشر الله عز وجل بها، وبشر بها جميع الأنبياء، وبشر الذين آمنوا بأن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار. وقال في الجنة: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾، وتوعد الله عز وجل العصاة النار، كما ذكر في آكل أموال اليتامى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾. وأيضا حذر الله عز وجل من هذه النار وأنذر، كما قال جل وعلا: ﴿ وَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ ﴾ إلى آخر الآيات. فالجنة حق والنار حق، كما جاء أيضا في الحديث الذي في الصحيحين في حديث ابن عباس في دعاء النبي عليه الصلاة والسلام استفتاحه في صلاة الليل، وذكر منه: أن الجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم حق، إلى آخر الحديث. والمسألة الثانية التي حصل فيها الخلاف بين المسلمين: أما المسألة الأولى وجود الجنة والنار وأنهما حق، فهذا ليس اختلافا بين المسلمين، وإنما أنكرها الكفار من الملحدين، وكذلك ممن لا يؤمن بالبعث ولا يؤمن بالنشور، فهو لا يؤمن بجنة ولا نار. وأما أهل الإسلام فلم يختلفوا في هذا، وإنما اختلفوا في هذه المسألة التي ذكرها بعدها، وهي: وهما مخلوقتان أي الآن، لا تفنيان أبدا. فالمسألة الأولى هنا أنهما مخلوقتان موجودتان الآن، فهذا اعتقاد أهل السنة أن الله عز وجل قد خلق الجنة وخلق النار. وأما أهل البدع من المعتزلة وغيرهم فهم ينكرون ذلك. هم يؤمنون بأن الجنة والنار خلقهما الله، والجنة ثواب أوليائه، والنار عقاب أهل معصيته ومخالفته وأعدائه، هؤلاء لا ينكرون، لكن ينكرون هذه المسألة: الخوارج، المعتزلة، والجهمية ينكرون أن الجنة والنار قد خلقهما الله عز وجل الآن، وإنما يقولون: أن الله إنما يخلقهما يوم القيامة، وقالوا: خلقهما الآن عبث. هكذا تجرؤوا. خاص المعتزلة يقولون: خلق الجنة والنار عبث الآن، وإنما يكون يوم القيامة، ويقولون: أنه لا يدخلها أحد إلا بعد البعث. لكن هذا كله مخالف للأدلة التي جاءت في القرآن، وأنهما موجودتان، والآيات التي تدل على ذلك كثيرة. منها قوله جل وعلا: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾. فأعدها الله عز وجل للمتقين، ومعنى أعدت للمتقين: أي هيأها والتهيئة تكون قبل الدخول وقبل الوقت الموعود. فالله عز وجل يهيئ هذه الجنة لعباده الصالحين، يهيئ هذه الجنة لعباده الصالحين. فأمر الله عز وجل بالمسارعة في الخيرات والمسارعة إلى هذه الجنة التي وصفها بأن عرضها السماوات والأرض، فقال: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾. ووصف النار كذلك، فقال: ﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾. فالنار أعدت للكافرين كما أن الجنة أعدت للمتقين، فهذا دليل على أن الجنة قد خلقها الله جل وعلا. فإعداد الله عز وجل للمتقين الجنة، وللكافرين النار، فهذا يدل على أنه قد خلقها. أيضا مما يدل على هذا قوله سبحانه وتعالى، يدل على أن الجنة موجودة مخلوقة الآن. قال الله عز وجل عن قوم فرعون: ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾. فهذه الآية تنص على هلاك فرعون وعلى هلاك قومه، وأنهم يعرضون على النار غدوا وعشية. معنى ذلك: أن النار موجودة، فهم يعرضون عليها، وإلا فأي نار هذه التي يعرضون عليها؟ ولهذا جاء في الحديث كما سيأتي: أن العبد في القبر، إن كان من أهل الجنة عرض عليه مقعده من الجنة، وجاء في الحديث الآخر: يرى مقعده من النار، وأن الله عز وجل أبدلك من هذا المقعد مقعدا في الجنة. وقال الله عز وجل عن قوم نوح: ﴿ مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا ﴾. فالفاء تفيد الترتيب والتعقيب، معنى ذلك: أنه أدخلهم النار بعد هلاكهم، بعد هلاكهم. ولهذا كما ذكرنا: أن العبد إذا مات يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي، كما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر: إذا مات أحدكم فإنه يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي، فإن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار. وأيضا من الأدلة الصريحة التي تدل على وجود النار، وأنهما مخلوقتان: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال كما في الصحيحين حديث أبي هريرة: «اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب أكل بعضي بعضا، فجعل لها نفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فشدة ما تجدونه من البرد والزمهرير، وشدة ما تجدونه من الحر من سمومها». فهذا أيضا مما بينه الله عز وجل أو النبي عليه الصلاة والسلام: أن النار اشتكت، كيف تشتكي وهي لم تخلق؟ فهذا لا يكون. كيف تشتكي وهي لم تخلق؟ أيضا بين النبي عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل جعل لها نفسين: نفس في الشتاء فهو أشد ما تجدون من البرد والزمهرير، ونفس في الصيف فهو أشد ما تجدون من الحر. نتلتمسونه، بمعنى أن النار موجودة الآن، فنفسها هو الذي يشتد به البرد في الشتاء، ونفسها الآخر في الصيف يشتد بها الحر. وأيضا كذلك من الأدلة على وجود النار، وأن الله عز وجل خلقها: ما جاء عند أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله لما خلق الجنة، قال لجبريل: اذهب وانظر إليها. فذهب جبريل ونظر إليها، ورأى من حسنها وعظيم ما جعل الله عز وجل فيها، فقال: يا رب، والله لا يسمع بها أحد إلا طمع أن يدخلها. قال: ثم حفتها بالمكاره، فقال له: ارجع فانظر إليها. فلما نظر إليها قال: يا رب، خشيت أن لا يدخلها أحد، أنا فيها طريقها صعبة جدا. طريق تصعبت، حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات. قال: ثم لما خلق الله عز وجل النار، قال لجبريل: اذهب فانظر إليها. قال: فلما نظر إليها جبريل قال: وعزتك يا رب، لا يسمع بها أحد إلا طمع أن لا يدخلها، أنا حرص على أن لا أدخل هذه النار. ثم حفت بالشهوات، وضع في طريقها الشهوات والأشياء التي تحبها النفس. فقال لجبريل: اذهب فانظر إليها. فلما نظر جبريل قال: وعزتك يا رب، خشيت أن لا يدخلها أحد، خشيت أن لا يدخلها أحد من شدة الشهوات، الشهوات والملذات التي تلذ بها النفس. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ فَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ ﴾. إذا حبس نفسه وصبر على المكاره، وصبر على الطاعة، وصبر عن ترك المعاصي المحبوبة للنفس، فلا شك أن جزاءه الجنة». فهذه الأدلة المتكاثرة وغيرها كثير تدل على أن جنة الله جل وعلا موجودة، وأن النار كذلك موجودة. لهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: وهما مخلوقتان، لا تفنيان. لا تفنيان أيضا هذه المسألة الأخرى: وهي هل الجنة والنار يفنيان، يذهبان، تدرسان، أن تذهب هذه الجنة وأيضا النار؟ فهنا المؤلف قال: لا تفنيان، أي لا تذهبان أبدا، معنى باقية: الجنة باقية، والنار باقية. وهذه المسألة: أهل السنة يقولون بأن الجنة والنار لا تفنيان، بل باقية، بل باقية، بل باقية. أن الجنة باقية لأن الله عز وجل قد ذكر خلودهم فيها، وذكر النار وذكر خلودهم فيها، لهذا فهي فيها يخلد الناس، ومادام أنهم خالدون فيها، أي أنهم لا يخرجون منها ولا يبغون عنها حولا. لهذا فجنة الله جل وعلا لا تفنى، وكذلك ناره، فهي أعدها الله عز وجل للمتقين، فهي باقية بقاء سرمدي، وهذا النعيم باق. لأن الموت يذبح أول ما يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، يؤتى بالموت بينهما على أنه كبش فيذبح بين الجنة والنار، فينظر أهل الجنة فيشرئبون، والله عز وجل يعرّفهم بأنه الموت، فينادى فيهم: يا أهل الجنة خلود فلا موت، خلود فلا موت. ويقال لأهل النار: يا أهل النار، فيشرئبون أن ينظرون يتطلعون إلى هذا النداء، فيقال لهم: يا أهل النار خلود فلا موت. خلاص ما في موت، خالدين فيها أبدا. سواء إن كانوا من أهل الجنة فهم خالدون، كانوا من أهل النار فهم أيضا يخلدون في هذه النار، لا موت ولا تخفيف، فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون. لهذا دلت الأدلة على أن الجنة لا تفنى، وقد عددها، وقد عددت العبادية الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقرؤوا إن شئتم: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. فهذا مذهب أهل السنة في هذه المسألة: أن الجنة والنار لا تفنيان، وهما باقيتان لا فناء لهما. وأما أهل البدع فمنهم من قال: أن الجنة والنار تفنيان، إنهما تفنيان، وهذا قول الجهمية ومن تابعهم على قولهم. قالوا: الجنة والنار تفنى، ويفنى كل ما فيها. وهذا تكذيب بالآيات وتكذيب بالأحاديث. معنى ذلك: أنهم يقولون: أنه يأتي على الناس زمان يفنى كل شيء، يفنى كل شيء. وهذا قالوه بسبب عندهم أصل خبيث وأصل مهلك، ضلوا وأوحى لهم الشيطان به، وهو أنه: لا تسلسل، لا في الماضي ولا في الحاضر، لا أقصد لا في الماضي ولا في المستقبل، ما في اسمه تسلسل حوادث، بل الحوادث تنتهي، سواء كان في أولها فلها مبدأ، وكذلك في آخرها لها منتهى. أنهم يقولون: الحوادث لها مبدأ ولها منتهى، تبدأ بشيء وتنتهي أيضا، هذه الحوادث كلها. فهم يقولون: أن الكون كان لا شيء، ما في شيء أبدا، وليس هناك حوادث، وأن الله عز وجل معطل عن الفعل، هذا معنى قولهم. ثم بعد ذلك خلق وأوجد السماوات وأوجد الأرض. وكذلك أيضا ليس هناك تسلسل في الحوادث في المستقبل، بل لا تسلسل، ينتهي هناك انتهاء، ينتهي كل شيء. وهذا قول باطل، قول باطل من هؤلاء، وخاصة من المعتزلة الذين تأثروا بالجهمية. أبو الهذيل العلاف هذا يقول: إيش يقول؟ أن الجنة والنار لا تفنيان لكن تفنى الحركات فيها. خلاص ما في حركة، سكون، ما في جنة فيها لكن ما في حركة، في الجنة والنار ما في حركة أيضا في النار، تفنى الحركات فيها. وهذا قول، أوحى الله، أوحى إليه إبليس بهذا القول: أن الجنة تفنى حركاتها، معنا الناس فيها يتجمدون، خلاص ما يتحرك أحد، والنار أيضا يتجمدون فيها، ما يتحرك فيها أحد. وهذا قول أيضا باطل. وهناك من الناس من يقول: أن النار تفنى، وأما الجنة فهي باقية. ونسب هذا إلى ابن القيم، بل قاله ابن القيم، لكن ونسب ذلك إلى شيخ الإسلام. وقد ألف الصنعاني رسالة في الرد على ابن القيم وشيخ الإسلام. لكن الموجود في كتب شيخ الإسلام أنه يقول بقول أهل السنة: أن الجنة والنار لا تفنيان أبدا. وابن القيم في شفاء العليل وفي حادي الأرواح ذكر أن النار تفنى، واستدل بأدلة من القرآن ومن السنة، وذكر ذلك عن شيخ الإسلام أنها تفنى، هذه النار. لأن الله عز وجل قال: ﴿ لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ﴾، والأحقاب: الحقب قيل أنه ثمانون سنة. ﴿ لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ﴾، لكن هذا ليس فيها دليل، لأن قوله جل وعلا: ﴿ لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ﴾، أي حقب بعد حقب، ما ينتهي، وإنما يتنوع عليهم العذاب، يتنوع عليهم العذاب. وأيضا كذلك استدلوا بحديث، لكنه لا يصح: يأتي يوم على النار وهي كضيض من الزحام، ليس فيها أحد، أن أبوابها تصفق، أبوابها تصفق، ليس فيها أحد. لكن هذا الحديث لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. استدلوا بأشياء، لكن يقول ابن القيم في الوابل الصيب وفي غيره من الكتب، وأما في الشافية الكافية فهو قال مثل قول أهل السنة: على أن الجنة والنار لا تفنيان. لكن في القول في الوابل الصيب ذكر أن النار التي تفنى هي نار العاصين، أن النار التي تفنى هي نار العاصين، وليست النار التي يخلد فيها الكفار، وإنما نار العاصين. لكن هذا إذا ثبت أن للعاصين نارا غير النار التي يدخلها الكفار، لكن ليس هناك ما يدل على هذا، أن نار العاصين غير نار الكفار. لكن حمل قول الإمام ابن القيم في الشفاء العليل وغيره على هذا، على ما قاله في الوابل الصيب: أن النار المقصود بها نار العاصين، أو أنه أخذ بهذا القول ثم رأى أنه خطأ فترك. لهذا كما قلنا: صرح في الشافية الكافية، وهي آخر مؤلفاته، وآخر ما قرع عليه في مرض موته هي الشافية الكافية، النونية، نونية ابن القيم، وفيها صرح بأن الجنة والنار لا تفنيان أبدا. وهذا كما قلنا مذهب أهل السنة، وأهل السنة يدورون مع الدليل حيث دار، ما ينظرون إلى الرجال. لهذا فأعلم الناس بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية هو ابن القيم، وعرف بكتبه وبكلامه ورسائله، فنسب بعضهم هذا القول إلى شيخ الإسلام بسبب أن ابن القيم نسبه إليه، وإلا في كتبه ليس هناك ما يدل على ذلك أبدا. وظاهر كلام شيخ الإسلام الذي ذكره ابن القيم، وكذلك كلامه، ظاهره أن المراد الذي يفنى هو النعيم والعذاب، وليس الجنة والنار، يعني النار موجودة لكن يفنى عذابها، يفنى عذابها. وهذا لا دليل عليه أيضا، لا دليل عليه. بل الصحيح والذي عليه أهل السنة جميعا: أن الجنة والنار لا تفنيان أبدا. فقال المؤلف: والجنة حق، والنار حق، وهما مخلوقتان لا تفنيان أبدا، فالجنة ثواب لأوليائه، والنار عقاب لأهل معصيته إلا من رحم. فأي من رحمه الله عز وجل وأخرج بالشفاعة. فقوله: والنار عقاب لأهل معصيته، معنا هذا عام، هذا كلامه عام في كل أهل المعاصي، من أدخله الله عز وجل النار، ومن رحمه وأخرجه ولم يدخله الجنة، إما بالشفاعة الشافعين، أو بشفاعة أرحم الراحمين جل وعلا. فأهل المعاصي هنا أراد كل من خالف ربه جل وعلا واستمر في ذلك ولم يتب إلى الله، يعني يدخل في هذا أهل الفسق من أهل الإسلام، وكذلك أهل الكفر جميعا بأصنافهم: بالمنافقين والكافرين والملحدين والمشركين، كلهم يدخلون في هذا الباب. لكن هنا قال: إلا من رحم، يقصد بهم أهل الإسلام، لأن الكفار والمنافقون، لأن الكفار والمنافقين والمشركين لا يخرجون من النار أبدا، لا يخرجون أبدا من النار، وهم أهل النار، ولا تنفعهم الشفاعة، لا تنفعهم شفاعة الشافعين، ما في ينفعهم أبدا من خروج النار، بل هم خالدون في النار. وهذا الذي عليه جاء أهل السنة قاطبة. لأن قالت الأشاعرة: قالت قولا باطلا، فقالوا: أن الله عز وجل قد يدخل الجنة أفجر الفاجرين وأكفر الكافرين، يدخله الجنة، وقد يدخل النار أتقى أتقياء. هذا كلام باطل، هذا كلام باطل مخالف الأدلة، وهذا لتخليطهم بين الوعد والوعيد، ما فرقوا بين الوعد والوعيد. وأيضا كذلك لأصلهم الفاسد: أن أفعال الله عز وجل ليس فيها تعليل ولا حكمة، ومن علل يقولون: من علل أفعال الله عز وجل فهو مشرك. وهذا قول باطل، وقول منكوس، وفهم معكوس. أن يقال: أفجر الفجار وأكفر الكفار يدخل الجنة، أين هذا من الأدلة؟ والله عز وجل قد ذكر أنهم لا يخرجون من النار، هذا خبر، والخبر إنما يحتمل الصدق والكذب، فكيف يأتون بمثل هذا الهراء: أنه قد يدخل النار أو الجنة من هو أكفر الكفار؟ هذا كلام لا يليق، وفيه تكذيب للأدلة. فالله عز وجل قد ذكر أنهم لا يخرجون من النار، وما هم بخارجين من النار، فكيف يدخلهم الجنة؟ لهذا فهذا كلام باطل. فأهل السنة يرون أن أهل المخالفات يدخلون النار، لكن يخرج أهل التوحيد، يخرج أهل التوحيد. وهؤلاء أهل التوحيد منهم من يدخل النار ثم يخرج، ومنهم من لا يدخل النار مع أنه استحقها. الله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ﴾. فالذين لا يشركون بالله شيئا، هؤلاء منهم من يدخله الله عز وجل النار بسبب معاصيه التي لم يتب منها، ومنهم من لا يدخله الله عز وجل النار، بل ينجيه من النار، إما بسبب شفاعة الشافعين، أو شفاعة أرحم الراحمين، يغفر الله عز وجل له ولا يدخله النار. أحيانا يغفر الله عز وجل للعبد بسبب عمل من الأعمال يعملها، يغفر الله عز وجل كل ما عمل، مثل ما جاء في تلك المرأة التي سقت كلبا، هي امرأة زانية، بغية من بغايا بني إسرائيل، كانت عطشى، فدخلت بئرا وأخرجت موقها، الموق هو النعل الكبير من جلد، فشربت من هذا الماء، فلما خرجت رأت كلبا قد كاد يهلك، يأكل الثرى من العطش، فأخذت موقها وأخرجت الماء من البئر وسقته ذلك الكلب، فشكر الله لها سقي كلبا، فغفر الله عز وجل زناها وأدخلها الجنة. وأيضا ذاك الرجل الذي كان يبايع الناس ويداينهم ويتجاوز عن دينهم، مع أنه كما جاء في بعض الروايات في البخاري: قال: كان رجلا ممن كان قبلكم، لم يعمل خيرا قط، أنا لا أعرف بالخير، لا يعرف بالخير، لكنه كان يتجاوز عن الناس، يتجاوز عن المعسر، وأنظر المعسر. فغفر الله عز وجل له فأدخله الجنة. بل أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: لما صعدت روحه شم منها رائحة زكية، حتى أن الملائكة قالت: لمن هذه الروح؟ فقالوا: لفلان بن فلان. انظروا: ألا عمل يسير أغفر الله عز وجل له؟ وأحيانا أيضا تعظيم الله عز وجل والخوف من الله قد يدخل العبد الجنة، مع أنه ليس له أعمال تدخله الجنة، مثل ما جاء في الصحيحين لأبي هريرة في ذاك الرجل، رجل بني إسرائيل أيضا، لم يعمل خيرا قط، لم يعمل خيرا قط. الصحيح أن المراد بها: أي أنه ما عرف بالخير، ما يعرف عند الناس بالخير، رجل شريط أعمال أكثرها باطلة، معنى ما يعرف أنه رجل خير، رجل من أهل الخير. فلما حضره الموت جمع أولاده وقال: يا أبناء، ماذا كنت لكم؟ قالوا: كنت خير أب لنا. وهذا لا يمنع أن يكون الرجل شريط، لكنه يوجد أنه يحفو على أولاده، وأيضا يحبهم ويعطيهم ما أرادوا، بل بعضهم الذي أدخله في السرقة بسبب حبه لأولاده، ليعجل أن ينعمهم. فقال: فأي أب لكم؟ قالوا: خير أب. فقال لهم: قد علمتم أنه قد حضرني الموت، وإني قد طارفت كل شيء، لم أترك بابا من المخالفات إلا ودخلت فيه. فإذا مت فأحرقوني بالنار، ثم ذروا نصفي في اليم في البحر، أنا بعدما تحرقون جسدي خذوا نصف الجسد والقوا في البحر، والجسد النصف الآخر ذروه في الريح، خلوا الريح تأخذه. قال: إن قدر الله عز وجل علينا يعذبني عذابا شديدا. فلما مات وفعل أولاده مثل ما أمر، أمر الله عز وجل بجسده أن يتجمع، فقام بين يدي الله العظيم، فقال: يا عبدي، ما الذي جعلك تفعل هذا؟ مع أنه شك في قدرة الله، لكن بجهل، الجهل الذي أوصله إلى هذا، والخوف من الله والخوف من عذاب الله. فقال له الرب جل وعلا: ما الذي جعلك تفعل هذا؟ قال: مخافتك يا رب، أنا خوفك وخوف عذابك هو الذي جعلني أفعل هذا. فقال: قد غفرت لك وأدخلتك الجنة. غفر الله عز وجل له وأدخله الجنة. لهذا كما قلنا: أن الله عز وجل يغفر لمن يشاء، لكن ليس مشركا. إذا أشرك بالله حبطت أعماله، ليست له أعمال أصلا، وكذلك هو من أهل النار، خلدا فيها. ﴿ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴾. كيف يقول الله عز وجل: حرم عليه الجنة، ثم يدخله الجنة؟ هذا كلامباطل، عن الكلام الذي قاله الأشاعرة. فالمهم أن هذا الذي ذكره المؤلف: إلا من رحم الله، إلا من رحم، يريد بهم من يريد، من استثناهم الله عز وجل، أو أخرجهم بشفاعته، أو بمغفرته سبحانه وتعالى، أو بشفاعة الشافعين من الأنبياء والصالحين. فهذا خلاصة ما يذكر في كلام المؤلف. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.