المحاضرة بعنوان مزايا في حفظ العلم، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة بمدينة الشحر يوم الجمعة 6 رجب 1447هـ الموافق 26 ديسمبر 2025م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المحاضر أن حفظ العلم الشرعي المستمد من الكتاب والسنة هو أساس بقاء الدين وانتشاره، مميزاً بين العلم النافع والضار، ومستدلاً بالوحي على وجوب الحفظ والتبليغ والعمل بالعلم، محذراً من ذهاب العلم بذهاب حملته.
يوضح المقطع أن حفظ النصوص يقوي حجة العالم في المحاجة والرد على أهل البدع، مستشهداً بمواقف الزهري وإبراهيم عليه السلام والإمام أحمد وابن تيمية، ومبيناً أن انتشار العلم يجلب النور والخير بينما انتشار الجهل يجلب الفساد.
يحذر المحاضر من الاعتماد على الكتب المكتوبة عرضة للتلف والحرق والسرقة، مؤكداً أن العالم الحق هو من يحفظ العلم في صدره فيجيب فوراً، مستشهداً بقول ابن حزم عند احتراق كتبه وبحال الصحابة والسلف في الحفظ القوي.
يختتم الدرس ببيان ثمرة الحفظ العملية؛ حيث يرفع مكانة الحافظ فيحتاج إليه الناس ويستفيدون منه في دينهم ودنياهم، ضارباً المثل باستدعاء الخليفة هشام بن عبد الملك للإمام الزهري لعلمه بقضاء عمر بن الخطاب فنفع الله به الأمة.
إن الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، أيها الإخوة الكرام، حفظكم الله تعالى. نسأل الله جل وعلا أن يعيننا وأن يسدد أقوالنا وأفعالنا، فنسأله سبحانه وتعالى ونستعين به سبحانه جل وعلا، فنحمد الله جل وعلا أن جمعنا في هذا المسجد المبارك، هذه الدار الطيبة، على إخر دورة علمية لمدة أسبوع. فلذلك اخترنا أن نتكلم في هذا الموضوع المهم، وهي مزايا أو المزايا في حفظ العلم. يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. فهذه الآية يخبر الله عز وجل أنه أرسل رسوله بالهدى وهو العلم النافع، ودين الحق وهو العمل الصالح. أرسل الله عز وجل رسوله وأنبياءه بالعلم والعمل، فالعلم المقصود به هو الهدى، وهذا هو العلم النافع الذي يهدي إلى سبيل الله جل وعلا وإلى الصراط المستقيم. ولهذا فالمراد بالعلم هنا وحفظ العلم هو علم الكتاب والسنة، حفظ الكتاب والقرآن وحفظ السنة المطهرة وما تفرع منها، فهذا هو العلم الذي ينتفع به العبد. ولهذا قال العلماء: إن العلم النافع على قسمين: علم أصله نافع، وهو الكتاب والسنة، وهذا مقابل للعلوم الأخرى التي ليس لها صلة بالكتاب والسنة، وليس فيها أيضًا نفع للخلق، وإنما قد يكون فيه مضرة. فالعلم الذي ليس فيه نفع للخلق فليس هو المقصود بهذا العلم الذي يثنى عليه، وإنما العلم النافع هو العلم الذي ينتفع به الإنسان في دينه ودنياه. ولا شك أن في مقدمة هذا العلم النافع هو علم الكتاب والسنة، وكذلك أيضًا يدخل في هذا بعض علوم الدنيا التي ينتفع بها الناس كعلم الطب وعلم الهندسة وغير ذلك. وأما العلوم الضارة فهي لا شك أنها محرمة، علوم ضارة تضر الدين أو تضر الدنيا، مثل علم السحر وعلم النجوم، هذه علوم حرمها الله، حرمها الشرع، أو يكون هذا العلم ليس فيه نفع أيضًا، حرمه كثير من أهل العلم لأنه ضياع للوقت، أنه يتعلم شيئًا ليس فيه نفع بل فيه مضرة، أو قد لا يكون فيه مضرة لكن لا ينتفع به العبد فيضيع وقته على شيء ليس فيه نفع لا في الآخرة ولا في الدنيا. وغالب هذه العلوم التي لا نفع فيها في الدين ولا في الدنيا غالب تكون مضرة، فلهذا فالعلم النافع إما أن يكون نافعًا في نفسه في أصله، فهذا القسم الأول. القسم الثاني من العلم النافع الذي ينتفع به العبد ينتفع به العبد ولو كان من علوم غير علوم الكتاب والسنة، أنا لو مثلًا ينتفع بعلم من هذه علوم الدنيا يدله على الله، ينتفع به مثلًا علوم الهيئة النظر في الكواكب وكذا، فإن كثيرًا من الكفار بل بعضهم من المسلمين أيضًا انتفع بهذا العلم، ومن الكفار من تاب إلى الله وغير ذلك، فهذا يعتبر انتفع بهذا العلم. أيضًا كذلك كل علم ينتفع به فهو علم نافع معنا، ينفعه في دينه خاصة. ولهذا علم الكتاب والسنة لو أخذه الإنسان ولم ينتفع به كان وبالًا عليه، ولم ينتفع به كان وبالًا عليه. لهذا سمى الله عز وجل اليهود أو وصفهم الله عز وجل بالقالين، لماذا؟ لأنهم أخذوا العلم لكنهم لم ينتفعوا بهذا العلم. وقال الله عز وجل: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. أن هؤلاء الذين أخذوا العلم ويتبجحون بأنهم عندهم علم ويفرحون بما عندهم من العلم ويتكبرون، يفرحون هنا يتكبرون بهذا العلم، هذا العلم لم ينفعهم، وجود هذه التوراة كما سيأتي إن شاء الله معنا لم ينتفعوا به لأنهم لم يعملوا به، لم يعملوا به، فهذا علم من علم الله لكنه لم ينفعهم لأنهم تركوه. وكذلك أيضًا النصارى لم يأخذوا بما أتاهم الله عز وجل من العلم، ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، فنسوا حظًا مما ذكروا به، أنا نسوا العلم ونسوا التذكير، فلهذا حصل لهم ما حصل، حصلت بينهم العداوة والبغضاء كما ذكر الله عز وجل: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. فلهذا أيها الإخوة الكرام، فالعلم النافع وهو القسم الثاني هو ما ينتفع به الشخص من ذلك العلم. حديثنا أيها الإخوة الكرام على حفظ العلم النافع الذي هو أصله نافع وهو علم الكتاب والسنة وما تفرع وما تفرع عنها من العلوم النافعة، وكذلك من علوم الدنيا التي ينتفع بها المسلمون. فهذا العلم لكن كما هو معلوم أن من حفظ علوم الدنيا ولم يحفظ علوم الآخرة فهو قد يدخل في قوله جل وعلا: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾. أن الذي لم ينتفع بعلوم الآخرة وانتفع بعلوم الدنيا فإنه أيضًا يذم، يذم بسبب أنه غفل عن علوم الآخرة، صار جاهلًا في دين الله. فلهذا في هذا المقام إن شاء الله وتعالى نذكر مزايا حفظ علم الكتاب والسنة. الحفظ، أيها الإخوة الكرام، حفظ العلم لا شك أن له أهمية عظيمة جدًا في ديننا، بل لا يكون هذا الدين إلا بالحفظ. ولهذا الله عز وجل لما ذكر القرآن قال: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾. فهو هذا العلم الذي حفظه العلماء، فالحفظ هو بقاء العلم، حفظه، فلهذا له أهمية عظيمة، وحث الشرع عليه، الشرع حث على حفظ العلم. وقد جاءت كما قلنا هذه الثناء على من حفظ كتاب الله جل وعلا وسماه الله عز وجل عالمًا: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾. ونبينا عليه الصلاة والسلام كان يقول كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء، وجاء أيضًا من حديث ابن عمر وغيره من الصحابة، حتى أن بعض العلماء يقول أنه حديث متواتر. فهذا الحديث أخرجه أحمد وأهل السنن عن عدة من الصحابة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ». وفي حديث أبي الدرداء: «سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ». فهذا الذي يتلقى العلم دعوة أن له النبي عليه الصلاة والسلام بالنضارة، نظر الله مرئا سمع منا حديثا فأداه كما سمع، وهذا ما سيؤديه إلا إذا حفظ، حفظ هذا العلم ثم أداه. والنبي عليه الصلاة والسلام بين أن أيضًا كذلك تبليغ العلم لابد من حفظ، لما جاء وفد عبد القيس، أهل نجران، جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أنا أقصد أهل البحرين كانوا تسمى نجران وهي البحرين الآن، جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وسألوه عن الدين وعن العلم، ولأنهم كانوا في ذلك المكان وهم من ربيعة، وكان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم قبيلة مضر، وكان بينهم حروب، فلهذا قالوا: ما نستطيع أن نأتيك إلا في الأشهر الحرم، فعلمنا شيئًا نبلغهم من وراءنا. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ»، وذكر لهم الإيمان بالله كذا، ثم في آخر الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «احْفَظُوهَا وَبَلِّغُوا بِهَا قَوْمَكُمْ». احفظوا هذه الأشياء التي ذكرتها لكم وبلغوا قومكم، لأنه لا يكون إلا بالحفظ. ولهذا كان الله عز وجل يأمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن لا يستعجل عندما يأتيه جبريل ويقرئه القرآن ويأخذ عنه القرآن، لا يستعجل في القراءة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك حتى لا ينسى شيئًا مما يلقيه عليه جبريل، فقد تكفل الله عز وجل بعد ذلك لنبيه عليه الصلاة والسلام أنه سيجعله في قلبه، وقال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾، ﴿لَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾، وقال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، ﴿إِنَّا عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، أنا إذا قرأ عليك استمع، فتكفل الله عز وجل نبيه أنه يجمعه في صدره، فبعدما ينتهي الوحي اقرأه أنت حتى تحفظه. فلهذا فلهذا كما قلنا أهمية العلم والحث عليه جاء له أدلة كثيرة، والآن هذه المزايا التي نسمعها هي أكثرها في أهمية هذا العلم وفي حفظه، أقصد في حفظه العلم. هذه المزايا تدل على أهمية حفظ العلم، أهمية حفظ العلم. فمن هذه المزايا العظيمة في حفظه علم الكتاب والسنة وما تفرع عليها من العلوم النافعة، وكذلك غيرها مما ينتفع به أهل الإسلام، فإن أولًا: حفظ العلم هو قوام الدين وإقامة هذا الدين، فإن العلم إذا لم يحفظ فإنه يذهب ويندرس. ولهذا تجد أن قوام هذا الدين بحفظه، ببقاء أوعية هذا العلم، إذا بقي أوعية العلم وحفظت العلم بقي هذا الدين العظيم. معنى بقاء من يحفظ لا المحفوظ، بقاء من يحفظ لا المحفوظ، معنى قد يوجد المحفوظ في الكتب لكن ليس هذا المقصود، وإنما بقاء وإنما بقاء من يحفظ هذا العلم وليس ما يكون مكتوبًا في الكتب. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: «هَذَا أَوَانُ أَنْ يُدْرَسَ الْعِلْمُ»، وجاء في رواية: «يَنْسَلِخُ الْعِلْمُ». فقال رجل من الأنصار يا رسول الله، قال له: «لُبَيْدٌ»، قال: يا رسول الله كيف ينسلخ العلم وقد قرأنا كتاب الله وعلمناه أبناءنا ونساءنا؟ كيف يذهب هذا العلم ونحن قد حفظنا كتاب الله وعلمناه أبناءنا ونساءنا؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ثَكِلَتْ أُمُّكَ يَا لُبَيْدُ، إِنْ كُنْتَ لَأَظُنُّكَ أَفْقَهَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ». عندهم علمهم موجود لكن موجود أين؟ في الكتب، قال: «فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ». ولهذا جاء في حديث أبي أمامة أنه قال: «ذَهَابُ الْعِلْمِ ذَهَابُ أَوْعِيَتِهِ». إن كان في سنده ضعف لكن تدل عليه هذه، تشهد له هذه الأحاديث: ذهاب العلم ذهاب أوعيته، إذا ذهب أوعية العلم ذهب العلم، إذا ذهب أوعية العلم ذهب الدين، لم يبق دين الله عز وجل. ومما يدل على هذا ما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْتَزِعُ هَذَا الْعِلْمَ انْتِزَاعًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ، وَلَكِنْ يَذْهَبُ بِهِ فِي ذَهَابِ الْعُلَمَاءِ، يَذْهَبُ بِهِ فِي ذَهَابِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا». انظر إذا ذهب حفظة حفظة العلم الذين يحفظون هذا العلم، يحفظون الكتاب والسنة، جاء من يلخبط في ذلك الباب ويحفظ من هنا وهناك ما يحفظ الدين الذي أراده الله، فيفتي الناس بغير علم فيضل نفسه ويضل غيره. ولهذا لعظم هذا الحديث لما سمعه عروة بن الزبير من عبد الله بن عمر أخبر به خالته عائشة، فتعجبت تلك المرأة الفقيهة رضي الله تعالى عنها من هذا الحديث، كيف أن العلم يذهب إذا ذهب العلماء. أكيد هناك من يحفظ قرآن، من تعلم بعض العلوم علمه هؤلاء العلماء، لكن لماذا يذهب هذا العلم ويظهر الجهل؟ فيرفع العلم ويظهر الجهل كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. فلهذا لما جاء الموسم الآخر قالت عائشة لعروة: يا عروة، إني قد سمعت أن عبد الله بن عمر سيحج هذا العام، فاذهب إليه واسأله عن ذلك الحديث الذي حدثك بالعام. قال عروة: فذهبت وسألته، وجدته في مكة فسأله، فسأله عن هذا الحديث، حدثني مثل ما حدثني بالعام، أنا عندهم حفظ شديد ما يغير في الألفاظ ولا شيء، قال: فحدثني مثل ما حدثني، أنا ما زاد ولا نقص. فلهذا فإن بقاء الحفظة، حفظة العلم، بقاء دين الله جل وعلا. أيضًا من المزايا العظيمة أن حفظ العلم هو من الأسباب العظيمة في نشره، في نشره بين المسلمين وبين غيرهم. معنى أن المراد أن العالم يدعو إلى الله جل وعلا وينشر دين الله سبحانه وتعالى. معنى أن حفظ العلم ينتشر به الدين، يبقى وينتشر، في الأولى أنه يبقى وهنا أنه ينتشر. فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام بيّن أن تبليغ العلم يعتبر تبليغًا لدين الله جل وعلا، تبليغ العلم يعتبر تبليغًا لدين الله، فالذي يحفظ حتى ولو كانت آية حفظها وبلغها فهو بلغ علمًا من علم الله. بهذا جاء في حديث عبد الله بن عمر في البخاري قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً». هذا أمر عظيم. وكذلك أيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَأَدَّاهُ كَمَا سَمِعَهُ». وقال النبي عليه الصلاة والسلام كما في البخاري: «تَسْمَعُونَ مِنِّي وَيَسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنِّي ثُمَّ يَسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِمَّنْ سَمِعَ مِنِّي». معنى الناس ينتشر دين الله بحفظ هذا الدين وبحفظ هذا العلم وإسماعه للناس ونشره بين الناس، ويحظى المجتمع بالعلم ويتنور بهذا النور العظيم الذي أنزله الله عز وجل فينتشر بين الناس الخير. ولهذا كلما انتشر العلم في منطقة من المناطق زاد الخير، زاد الخير، وإن كان هناك الأعداء يركزون على هذه المناطق التي يكون فيها العلم فاشد، والعلم منتشر فيركزون على هذه المناطق لأجل أن يغزوها، لكن إذا ثبت أهل العلم وحملة العلم فإنهم لا يستطيعوا هؤلاء أن ينشروا شرهم. فإن انتشر الشر جاء الخير وأبعده. فلهذا تجد وهذا واقعًا أن من نشر علم الكتاب والسنة في شيء من المناطق تجد النور فيها والعلم والخير أكثر من غيره، وأما إذا انتشر الجهل ولو كان علمًا عند بعض الناس لكنه علم غير علم الكتاب والسنة، انتشار مثلًا عقيدة الروافض وعلمهم، عقيدة صوفية وعلمهم، تجد أيضًا الشر ينتشر كثيرًا في مثل هذه المناطق. معلوم أن في حضرموت وأكثرها في حضرموت الداخل، لما كان التصوف منتشرًا جدًا انتشر معهم السحر، انتشر السحر انتشارًا عظيمًا حتى تجد كثرة السحرة، بل هم الذين يعلمون الدين سحرة، ينتشر بينهم السحر لأنهم لم يأتوا، لم يحفظوا دين الله عز وجل الذي أراده الله سبحانه وتعالى، فانتشر الجهل وانتشرت عبادة القبور، مع أن أهل حضرموت كانوا على عقيدة السنة معنا على السنة، حتى جاء هؤلاء الذين يعظمون أنفسهم ويبثون في الناس الجهل والتعظيم لغير الله، وانتشر هذا المذهب كثيرًا حتى ضلت الناس، وما عرف في وقت من الأوقات إلا هذا المذهب، فعرف الدين عندهم أنك تأتي القبر وتدعو صاحب القبر وتتخشع عند القبر وتأخذ من ترابه وتتمسح به وتتقرب إليه بالقربان، فهذا كله حصل بسبب انتشار الجهل والعلم الذي لا ينفع. أيضًا أيها الإخوة الكرام، من المزايا في حفظ العلم أن حافظ العلم تقوى حجته تكون قوية، الذي يحفظ العلم حجته تكون قوية، لماذا؟ لأن عنده الدليل. لهذا كان الإمام الشافعي رحمه الله يقول كما في الحلية لأبي نعيم وغيره، كان يقول رحمه الله: «مَنْ حَفِظَ الْحَدِيثَ قَوِيَتْ حُجَّتُهُ». من حفظ الحديث قوية حجته، أنا يحفظ العلم لأن حفظ الحديث معناه حفظ العلم، الذي يحفظ هذا العلم تقوى حجته، استدل بهذا العلم، يكون علمه معه أينما كان، يكون علمه معه أينما كان، إذا وقعت المسألة وهو موجود استدل لها في العلم، استدل بها العلم، ولهذا تقوى حجته. وهذا تجده كثيرًا جدًا عند الأئمة، فتجد يحتجون بالعلم على المسائل وعلى غيرها. أذكر حادثة مما يدلك على قوة علم أهل الحديث وثباتهم حتى عند الملوك وعند غيرهم. ذكر الذهبي في السير وهو أيضًا مأخوذ من كتاب الإمام ابن أبي حاتم الجرح والتعديل في مقدمة الجرح والتعديل، وكذلك ذكره الخطيب البغدادي وابن عساكر وغيرهم من أهل التاريخ، أن رجلًا من أهل العلم دخل على الوليد بن عبد الملك، دخل على الوليد بن عبد الملك، وتعلمون أن بني أمية كان بينهم وبين بني هاشم شيئًا. فقال الوليد لهذا الفقيه، جاء في رواية أنه محمد بن إسحاق أو غير، فقال له: من الذي تولى كبر الإفك، حادثة الإفك؟ من الذي تولى كبره؟ والذي تولى كبره له عذاب عظيم. قال: فقال: عبد الله بن عبي. قال: كذبت. أن يقول له الوليد بن عبد الملك: كذبت. فالرجل ابن عبي قال: فهذا الرجل لما كان ليس بقوي حجة قال: الخليفة أعلم. ثم دخل الزهري، محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري، فقال: يا أبا بكر، من الذي تولى كبره؟ قال: عبد الله بن أبي بن سلول. قال: كذبت، إنما هو علي بن طالب. قال: أنا أكذب، أنا أكذب على الله، هو الذي نفسي بيده، لو أخّر من السماء، وجاء في رواية أنه قال: لو نادى منادٍ من السماء أن الكذب حلال ما كذبت، حدثني عروة بن الزبير عن عائشة أن الذي تولى كبره هو عبد الله بن أبي بن سلول. وغضب حتى استحى الوليد بن عبد الملك وقال: لعلنا أغضبنا الشيخ. انظر إلى الحجة هنا، لما كانت حجته قوية لم يستطع أن يدفعها. أيضًا كذلك أعظم من هذا ما ذكره الله عز وجل عن نبي الله إبراهيم، ما ذكره الله عز وجل عن نبي الله إبراهيم لما قال له ذلك الطاغية، لما قال إبراهيم: إن الله يحيي ويميت، قال: أنا أحيي وأميت، قال: أحيي الرجل وأميت الرجل، قال: أنا أحيي وأميت، فقال إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾، ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾. أنا عنده حجة عظيمة يحاج بها قومه، حاج قومه لما كانوا يعبدون الشمس والقمر والكواكب. وهكذا أنبياء الله جل وعلا، نبي الله شعيب الذي كان يسمى بخطيب الأنبياء، كلما جاء أصحابه بشبهة ردها وأعطاهم ما هو أعظم، وقال: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾. وكذلك أنبياء الله جل وعلا مع أممهم لأنهم كانت معهم الحجة فأقاموها على أقوامهم، عندهم حفظ. فأيضًا كذلك نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام، كم من موقف من المواقف التي حصلت له عليه الصلاة والسلام مع اليهود ومع غيرهم فكبتهم وأرداهم بالحجة. ولهذا من هذه المزايا العظيمة في هذا العلم وفي حفظه أن صاحبه تقوى حجته، تقوى حجته. ولهذا كم من عالم من علماء المسلمين حاج أهل الباطل فحجهم بحجته القوية. وعلى سبيل المثال أيضًا الإمام أحمد في فتنة خلق القرآن كان ثابتًا ويأتي لهم بالآيات والأحاديث، كلما جاءوا لهم بشبهة ردها ويأتي لهم بأدلة من الكتاب والسنة تضحض ما هم عليه حتى نصره الله جل وعلا. كذلك أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، كم كم حاج النصارى وحاج أيضًا كثير من أهل البدع من الجهمية والأشاعرة وغيرهم، كانوا ما يقوون على مناظرته لشدة حجته. ولما ناظر الأشاعرة في الأسماء والصفات وفي تأويلها قال لهم وقد اجتمع الأشاعرة من المالكية والشافعية والحنابلة والحنفية: قال لهم: أعطيكم ثلاثة أيام، هاتوا لي رجل من السلف أول آية من القرآن على غير تأويلها، معنى جاء بخلاف الظاهر في صفة من صفات الله جل وعلا، قال: أعطيكم ثلاثة أيام. وهذا كانت مناظرته عند بعض الملوك، ظاهر أنه المستنصر بالله أو الظاهر، فلم يستطيعوا أن يحجوا ويأتوا بحجة على ما هم عليه من الباطل من هذه التحريفات لكتاب الله جل وعلا، لم يستطيعوا أن يأتوا عن أحد من السلف أنه حرف آية مثل ما كانوا يفعلون هم، يستدلون ببعض المتأخرين كالغزالي والجويني وغيرهم، وظنوا أن هذا ينفعهم، فقال لهم شيخ الإسلام: هاتوا رجلًا من القرون المفضلة، من الثلاثة القرون المفضلة، من عصر الصحابة، عصر التابعين، عصر أتباع التابعين، هاتوا لرجل من السلف من أهل القرون المفضلة حرف آية من هذه الآيات، فلم يجدوا شيئًا، فلم يجدوا شيئًا مع اجتماعهم. فلهذا صاحب العلم وحافظ العلم يكون عنده حجة عظيمة. ولهذا من نوادر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه كان حفظه قويًا جدًا حتى أنه كان يحفظ أقوال الناس، بل يحفظ أقوال أهل المذاهب أفضل من علمائهم، فكان يحاج أهل المنطق بمنطقهم، ويحاج أيضًا أهل البدع بما هم عليه من الأصول، ويحاج أيضًا أهل المذاهب بأصولهم التي أصلها أصحابهم. وكما قال شيخ الإسلام أو قال شيخ الإمام ابن دقيق العيد لما سئل عن شيخ الإسلام قال وهو قد لقيه: «رَأَيْتُ رَجُلًا كَأَنَّ الْعُلُومَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَأْخُذُ مِنْهَا مَا شَاءَ وَيَدَعُ مَا شَاءَ»، أنا كأن العلوم ظاهرة بين يديه يأخذ ما أراده. أيضًا أيها الإخوة الكرام، من مزايا حفظ العلم أن العالم يكون أميز وأفضل من غيره بحفظه أكثر من غيره، فكلما كان أحفظ للعلم كان أكثر علمًا وكان أفضل من غيره في العلم. لهذا جاء في حديث أبي سعيد، وجاء أيضًا من حديث ابن عمر وغيره، لكن هذه العبارة جاءت في صحيح مسلم، لما خطب النبي عليه الصلاة والسلام الناس، خطبهم بعد صلاة الظهر، بعد العصر، وبعد المغرب، وبعد العشاء، قال: «أَحْدَثَنَا مُنْذُ ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ»، قال: «وَكَانَ أَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا». وكان أعلمنا أحفظنا. ولهذا أيضًا الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقيسون علم الرجل بحفظه، فكان يتنون على أبي هريرة لحفظه وهو أكثر الصحابة حديثًا، وقد كان رضي الله عنه مع حفظه هذا الحفظ إلا أنه كان يقول: ما أرى أحدًا أكثر مني من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب. كان عبد الله بن عمرو يكتب لكن لم يكن من حفظة الحديث، لم يكن من حفظة الحديث، فعن أقصد من من زاد حديثه على الألف وهم الستة الصحابة أو السبعة، ولم يذكر عبد الله بن عمرو مع أنه كان يكتب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي البخاري أن عبد الله بن عمرو اشتكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن بعض أهل قريش عيروه فقالوا: تكتب كلام رسول الله وهو بشر، فشكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم لذلك فقال: «اكْتُبْ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَخْرُجُ مِنِّي إِلَّا حَقٌّ». مع كتابته رضي الله عنه إلا أنه لم يأتِ بمثل ما جاء هؤلاء الحفظة الذين كانوا يحفظون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كأبي هريرة وأنس وعائشة وابن عباس وغيرهم. ولا شك أيها الإخوة الكرام أن حفظ الصدر ليس كحفظ الكتب، حفظ الصدر غالبًا هو المقصود لأن حفظ الصدر هو العلم أصلًا، وأما المحفوظ في الكتب يحتاج إلى بحث. ولهذا العالم الذي يجيبك عن سؤالك وعن ما تريد، وأما الذي مثلًا يذهب ويبحث وينظر في الكتب فهو باحث ليس عالم، يعني العالم هو الذي يجيبك، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، إذا سألته أجابك بعلمه، وأما إذا ذهب إلى الكتب وبحث فهو باحث، كما هو معلوم. أيضًا كذلك أن علم أو حفظ الصدر أعظم من حفظ الكتاب لأن حفظ الكتاب له آفاءات كثيرة، أولًا أنه لا يكون معك في كل مكان، خلاف حفظ الصدر يكون معك. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، العلم الحقيقي هو الذي يكون في صدرك تحفظه. ولهذا يقول عبد الرزاق بن همام الصنعاني رحمه الله: «الْعِلْمُ الَّذِي لَا يَدْخُلُ مَعَكَ الْحَمَّامَ فَلَيْسَ بِعِلْمٍ»، العلم الذي لا يدخل معك الحمام فليس بعلم، لماذا؟ لأنك إذا أردت تقول هذا العلم تستفيد عندك شيء عبادة تريد تعبد الله، عندك أشياء مثلًا في الخلاء في غير، ولم تحفظ هذا العلم، فما سيفيدك أنه مثلًا موجود في دفتر؟ أنا بعض طلبة العلم عنده دفاتر فقط، كل علم في دفاتره، كلما أراد شيء ذهب إلى الكراس ولا يحفظ إلا شيء يسير، هذا خطأ، حتى هذا الذي في الكراس يحتاج أنك تراجعه، لابد لابد أن تراجعه. مثل القرآن، القرآن الله عز وجل سهله وسهله حفظه، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: «تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الْمَخَاضِ فِي عُقُلِهَا»، وجاء في رواية: «فِي عُقُلِهَا»، سرعة يتفلت إذا أهملت وابتعدت عنه. فلهذا يحتاج إلى تعاهد حتى تحفظه في صدره. أيضًا كذلك أن حفظ الكتب كما قلنا له آفات كثير، فكما قيل: «أَنَّ عِلْمَ الْكُتُبِ يَغْرَقُ فِي الْمَاءِ وَيَحْتَرِقُ بِالنَّارِ وَيَخْرِقُهُ الْفَأْرُ وَاللِّصُّ يَسْرِقُهُ»، أو قال: «وَالْفَأْرُ يَخْرِقُهُ وَاللِّصُّ يَسْرِقُهُ». هنا أربعة أشياء تذهب بالكتب: إما أنه يغرق في الماء، خلاص انطمس ما في الكتاب، وكم من كتب أغرقت في الماء، هذا نهر دجلة والفرات أغرقها التتار بالكتب، لما دخل التتار العراق أخذوا الكتب التي ألفت، كتب أهل الإسلام، وألقوها في النهر وألقوها في النهر. وكذلك أيضًا لما جاء بعض من الدول الغربية الذين استعمروا بلاد المسلمين أخذوا هذه الكتب، لكن الله عز وجل جعلهم يحفظونها في مكتبات في بلادهم، ولهذا الآن تجد النسخ الصحيحة أو نسخًا جيدة قد يكون أيضًا كتبها مؤلفوها تجدها في مكتبة برلين أو مكتبة كذا في أماكن في أوروبا، حفظ الله عز وجل هذه الكتب من الذهب، لكن قد ذهبت كتب كثيرة غرقت في الماء، كذلك أو النار تحرقها، الماء يغرقها والنار تحرقها، تحرق هذه الكتب تذهب، تأتي نار وتذهب، كم من عالم كان يعتمد على كتبه فحرقت هذه الكتب. وأكثر ممن اشتهر بهذا عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي، فإنه كانت له كتب كتبها ثم احترقت عليه، احترقت عليه هذه الكتب، لم ينتفع بها. أيضًا كذلك قال: «وَالْفَأْرُ يَخْرِقُهَا»، فأتي الفأر أو يأتي القارضة وتأكل هذه الكتب، تخرقها وتمزقها، تذهب الفأر. ثم قال: «وَاللِّصُّ يَسْرِقُهَا»، يأتي السارق ويأخذ هذه الكتب. لكن الذي في الصدر ما يتحرك. ابن حزم رحمه الله عقبه بعض الملحدين فأحرقوا كتبه، أنا كتب كثيرة كتبها أحرقوها كلها عليه، فقال: «إِنْ تُحْرِقُوا مَا فِي الْقِرْطَاسِ فَهُوَ فِي صَدْرِي»، حتى لو حرقتموه العلم موجود، كل هذا الذي كتبته موجود في صدره، فكتب الكتب مرة أخرى، كتب كتبه مرة أخرى بسبب أنه كان يحفظ هذه الكتب، فأفاده أنه أثبت هذا الحفظ، وأيضًا كتب تلك الكتب التي قد أحرقت عليه. فلهذا بقي حفظ الصدر عظيم، والمقصود كما قلنا هو حفظ الصدر. أيضًا من المزايا أيها الإخوة أن الحافظ يعبد الله عز وجل على بصيرة، يعبد الله عز وجل على بصيرة، لا يعبد الله على جهل. ولهذا كما ذكرنا أن الله عز وجل أيضًا عاتب النصارى وجعلهم من الضالين، لماذا؟ لأنهم عبدوا الله بغير علم، عبدوا الله بغير علم، فالذي يعبد الله عز وجل بغير علم يفسد أكثر مما يصلح. فلهذا دم الله عز وجل صار فالعالم والحافظ يعبد الله وهو عنده علم بهذا العبادة، وأن هذه العبادة كذا، إن لم يعلم يسأل من هو أعلم منه حتى يعبد الله عز وجل على بصيرة. فحفظ العلم مزايا أنه أن العبد يتعبد على ثبات وعلى بصيرة، يعبد الله جل وعلا، لا يعبد الله بجهل. أيضًا كذلك من هذه المزايا أن صاحب العلم وحافظ وحافظ العلم يكون أيضًا كذلك معظَّمًا عند الناس وينتفع به الناس أكثر من غيره، يعني من ناحية نفع حافظ العلم والعالم أكثر من غيره من الناس، ينتفع به الناس كثيرًا لأنهم ينتفعون به في دينهم، ينتفعون به في دينهم. ولهذا الملوك يحتاجون إلى هؤلاء، الرؤساء يحتاجون إلى هؤلاء، العلم يحتاجون إلى من يعلمهم هذا العلم أو لمن يدلهم على العلم. ومما يدل معنى من القصص التي من النوادر التي تدل على أن من حفظ العلم يحتاج له الناس ما جاء في ترجمة الإمام الزهري أيضًا، أن الزهري لما أصابته الديون وهو كان في المدينة، خرج إلى الشام يريد أن يسدد ديون الناس، يعني يذهب يعمل أو كذا، فذهب إلى الشام وجلس في حلقة قبيصة بن ذؤيب رضي الله عنه وصحابي صغير، فكان يجلس في حلقة قبيصة. فذات مرة هشام بن عبد الملك أراد أن يقضي في قضية، سمع فيها أن فيها قضاء عمر، أن عمر قد قضى في هذه القضية، فأرسل إلى قبيصة بن ذؤيب وسأله عن هذه القضية، وأرسل إلى علماء وصحابة كبار التابعين ممن كان عنده فلم يفده أحد، فقال لقبيصة: انظر من عنده حفظ لهذه القضية، من من كان عندك في الحلقة؟ فقال قبيصة لما جاء إلى حلقته، الحديث قال: عرضت على الملك قضية أو على الخليفة قضية، سمعنا فيها قضاء لعمر، فمن يحفظ قضاء عمر في هذه القضية؟ وذكر، وكان الزهري موجودًا، فقال: أنا، أنا عندي هذا القضاء. قال: ما دام عندك قم معي نذهب إلى الخليفة. فدخل، فدخل على هشام، فقال له قبيصة: أن هذا عنده علم بقضاء عمر. فقال له: من أنت؟ قال: أنا محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري. قال: وما تعلم ما فعل أبوك؟ أنا كان مع ابن الزبير، فقال: اعفوا عنه يا يا أمير المؤمنين. ثم سأله عن تلك القضية فأجابه، قال: حدثني سعيد بن المسيب، وذكر قضيات عن عمر. ففرح هشام بالزهري وجعله عنده، عندما رأى هذا الحفظ العظيم، حفظ للعلم، ولي أيضًا علم الصحابة وقضايا عمر، كان زهري يحفظ قضايا عمر، أخذها من سعيد بن المسيب، فلهذا أفاد الملك وأفاد الناس. فلهذا فالحافظ ينتفع به الناس. أيضًا أيضًا في قضية حصلت في عهد عمر ر