الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 25، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل شرح حديثين نبويين حول محبة الوالدين لأولادهم وتأثيرها على سلوكهم، مشيراً إلى أن الأولاد سبب في حمل أبويهم على البخل والجبن. كما يبين أن محبة الوالد لولده أعظم من محبته لغيره.
هذا الفصل يروي قصة رجل تمنى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم، حيث غضب المقداد بن الأسود وحذره من تمني حضور مشهد غيبه الله عنه، لأنه لا يدري كيف يكون فيه. كما يشير إلى أن بعض الناس رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمنوا به فدخلوا النار.
يفسر هذا الفصل حديثا نبويا يصف حال الناس قبل الإسلام وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين أن الناس كانوا في جاهلية مطلقة قبل الإسلام. ثم يوضح أن الدعوة إلى الإسلام تسببت في فرقة بين الناس، وهذا التفريق محمود إذا كان بسبب الدعوة إلى الحق.
يشير هذا الفصل إلى أهمية الولد في جلب السعادة والراحة النفسية، حيث يبرز الدعاء لكثرة المال والولد كجزء من التبريكات بين الأصحاب. كما يبين أن الولد قرة العين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، أبينا محمد، والصحب أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب الولد مبخلة مجبنة، يعني سبب في حمل أبويه على البخل والجبن. قال حدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثني الليث، قال كتب إلي هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال أبو بكر رضي الله عنه يوما: «والله ما على الأرض رجل أحب إلي من عمر»، فلما خرج رجع، فقال: «كيف حلفت أي بنية؟» فقلت له، فقال: «أعز علي والولد الوطي»، يعني أعلق بالقلب وألصق. وحسن هذا الحديث. شغل الباني رحمه الله، وأشهد منه قوله: «والولد الوطي»، يعني ألصق بالقلب، فمحبة الوالد لولده أعظم من محبته لغيره. قد يحب بعض الأصحاب والأصدقاء، فأبو بكر رضي الله تعالى عنه كان يحب عمر، ومع ذلك فمحبته لأولاده أعظم، ومحبة الأولاد أعلق بالقلب من غيرهم. قال حدثنا موسى، قال حدثنا مهدي بن ميمون، قال حدثنا ابن أبي عيينة، عن ابن أبي نعم، قال: كنت شاهدا لابن عمر إذ سأله رجل عن دم البعوضة، فقال: «ممن أنت؟» قال: من أهل العراق، فقال: «انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوضة وقد قتلوا ابن النبي صلى الله عليه وسلم»، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «هما ريحاني من الدنيا». والحديث صحيح، وأصله في البخاري. وفي أن هذا رجل الذي سأل ابن عمر رضي الله تعالى عنه عن دم البعوضة، وفي بعض الروايات أنه سأله في المحرم يصيبه دم البعوضة، فتعجب ابن عمر رضي الله تعالى عنه من هذا السؤال، وقال: «ممن أنت؟» قال: من أهل العراق. وقالوا: العراق هم الذين قتلوا الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما، قتله الشيعة الرافضة الذين خذلوه رضي الله تعالى عنه، وعدوه وعاهدوه، فلما خرج إليهم غدروا به وقتلوه شر قتلة. فقال: «انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوضة وقد قتلوا ابن النبي صلى الله عليه وسلم». وهذا شيء يتعجب منه، كيف يتورعون من دم بعوضة ولم يتورعوا من دم الحسين بن علي، وهو من أحب الصبيان إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «هما ريحاني من الدنيا»، يعني الحسن والحسين، هما ريحاني من الدنيا. وشبههم بالريحان لأنه يشم، وهكذا الصبيان فإنهم يشمون ويقبلون، فلهذا شبههم النبي عليه الصلاة والسلام بالريحان. والشاهد من هذين الحديثين هو أن الولد أحب إلى الإنسان من غيره، وألصق محبته في القلب من غيره، فربما كانت محبة الأولاد سببا لوقوع الشحيح في البخل، أو كذلك وقوعه في الجبن من أجل أولاده، فلهذا بوب رحمه الله باب الولد مبخلة مجبنة. قال باب حمل الصبي على العاتق. قال حدثنا أبو الوليد، قال حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، قال سمعت البراء يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم والحسن صلوات الله عليه على عاتقه، وهو يقول: «اللهم إني أحبه فأحبه». والحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وفي إخبار البراء رضي الله تعالى عنه أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام وهو يحمل الحسن على عاتقه، يعني وضعه على العاتق، ومحل الكتف أو قريب من رقبته. وهذه صفة من يحمل الصبي إذا حمله وضعه على كتفه فيقع على عاتقه، وهو يقول: «اللهم إني أحبه فأحبه»، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يحب الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما. فقبح الله الرافضة الذين سفكوا دمه، ثم بعد ذلك ينوحون ويبكون عليه، وقد قتلوا ابن النبي عليه الصلاة والسلام. قال باب الولد قرة العين. قال حدثنا بشر بن محمد، قال أخبرنا عبد الله، قال أخبرنا صفوان بن عمر، قال حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوما، فمر به رجل، فقال: «طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم»، والله لو وددنا أنا رأينا ما رأيت وشهدنا ما شهدت، يعني ما رآه. قال: «طوبى لهاتين العينين»، يعني هنيئا لهاتين العينين اللتين رأتا النبي عليه الصلاة والسلام، ثم تمنى أنه لو رأى ما رأى، يعني لو أنه شاهد النبي عليه الصلاة والسلام ورآه بعينيه، وشهد ما شهد، يعني في القتال مع النبي عليه الصلاة والسلام وتحمل الأذى معه. قال: فاستغضب، فجعلت أعجب ما قال إلا خير، يعني غضب المقداد بن الأسود لما سمع هذا الكلام، فعجب من ذلك، قال: وما قال إلا خير. قال: ثم أقبل عليه، فقال: «ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضرا غيبه الله عنه؟ لا يدري لو شهده كيف يكون فيه؟» والله لقد حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقواما كبهم الله على مناخرهم في جهنم، لم يجيبوه ولم يصدقوه. ألا تحمدون الله عز وجل إذ أخرجكم لا تعرفون إلا ربكم، فتصدقون بما جاء به نبيكم صلى الله عليه وسلم؟ قد كفيتم البلاء بغيركم. والله لقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم على أشد حال بعث عليها نبي قط، في فترة وجاهلية، ما يرون أن دينا أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل، وفرق به بين الوالد وولده، حتى إن كان الرجل ليرى والده أو ولده أو أخاه كافرا، وقد فتح الله قفل قلبه بالإيمان، ويعلم أنه إن هلك دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار. وأنزل الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾. والحديث صحيح، وقد صححه شيخ الألباني رحمه الله، وأيضا شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله. وفيه كما مر أنه لما تمنى هذا الرجل أن يكون شهد ما شهده المقداد رضي الله تعالى عنه، وأنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام، فغضب رضي الله تعالى عنه من ذلك، ثم أخبر أنه ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضرا غيبه الله عنه، يعني أن يتمنى مشهدا وغيبه الله سبحانه وتعالى عنه، لا يدري لو شهده كيف يكون فيه؟ هو يتمنى أن يكون رأى النبي عليه الصلاة والسلام وشاهده، لكن لا يعرف كيف يكون حاله لو شاهده ورآه، هل يؤمن به أو يكفر به؟ لهذا أخبره أن أناسا حضروا النبي عليه الصلاة والسلام فأكبهم الله على مناخرهم في جهنم، رأوه بأعينهم وسمعوا كلامه، ومع ذلك لم يؤمنوا به، فلم يجيبوا ولم يصدقوا، فكان ذلك سببا في دخولهم النار. ثم قال: «ألا تحمدون الله عز وجل إذ أخرجكم لا تعرفون إلا ربكم»، يعني أنكم ولدتم على الفطرة وعلى الإسلام، لا تعرفون إلا الله سبحانه وتعالى. قال: «فتصدقون بما جاء به نبيكم صلى الله عليه وسلم، قد كفيتم البلاء بغيركم»، يعني قد كفاكم الله سبحانه وتعالى هذا البلاء الذي ابتلي به أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «والله لقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم على أشد حال بعث عليها نبي قط، في فترة وجاهلية»، يعني بعث النبي عليه الصلاة والسلام في فترة انقطع فيها الرسل، وانتشر فيها الجهل حتى سميت الجاهلية بهذا الاسم، سمي ما قبل الإسلام بالجاهلية لكثرة الجهل الذي انتشر. وهذه الجاهلية المطلقة انتفت بظهور الإسلام، فلا توجد الآن جاهلية مطلقة، ولا يجوز أن يقول شخص إننا نعيش في جاهلية القرن العشرين كما يقول بعض دعاة التكفير، وهذه المقالة فيها تكفير، القول بوجود الجاهلية المطلقة هو قول بالتكفير المطلق، وهذا باطل. لكن يوجد بعض الجاهلية المقيدة، توجد جاهلية في بعض الأفعال أو في بعض الأقوال، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «أربع في أمتي من أمور الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم». فهذه بعض أعمال الجاهلية، فهي جاهلية مقيدة. فكانوا يعبدون الأوثان، ومتفرقون في عباداتهم، منهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد الشمس والقمر، ومنهم من يعبد الصالحين، فبعث فيهم النبي عليه الصلاة والسلام، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل، وفرق به بين الوالد وولده. وهذه فتنة عظيمة أن يبعث في زمن انتشر فيه الجهل وعم فيه الكفر، فالإيمان به في مثل تلك الحال من الأمور التي فيها مشقة وابتلاء عظيم. قال: «فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل، وفرق بين الوالد وولده». وهذا فيه بيان أن التفريق أو الفرقة ليست مذمومة مطلقا، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام وصف بذلك، كما جاء في البخاري: «أن محمدا فرق بين الناس»، أي فرق بين الحق والباطل، فهذا الوصف قد يكون محمودا إذا كان التفريق بحق، إذا كان التفريق بسبب الدعوة إلى الكتاب والسنة، فإن الدعوة إليه لا بد أن يكون فيها حصول فرقة، ومن حصول تمزق وانتشار الأعداء الذين يعادون من دعا إلى الكتاب والسنة، فهذه سنة الله سبحانه وتعالى. فمن الجهل أن يزهد في دعوة إلى الكتاب والسنة بزعم أنها تفرق الناس، كما يقول بذلك كثير من الفرق الضالة الذين يزاهدون في دعوة الحق، الدعوة إلى الكتاب والسنة بأنها دعوة مفرقة، وهم يريدون أن يجمع الناس على الخليط، على البدع والمعاصي، ودعوة أهل السنة تدعو إلى الكتاب والسنة، تدعو إلى الحق الذي أنزله الله سبحانه وتعالى، فلا بد أن تكون دعوة مفرقة، لا بد أن تفرق بين الحق والباطل، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾. قال: «حتى إن كان الرجل ليرى والده أو ولده أو أخاه كافرا، وقد فتح الله قفل قلبه بالإيمان، ويعلم أنه إن هلك دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار». ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾. وهذا هو الشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب، باب الولد قرة العين، أن الولد مما تقر به العين، لذا ذكر رحمه الله هذا الحديث في هذا الباب. قال باب من دعا لصاحبه أن يكثر ماله وولده. قال حدثنا موسى... نكتفي بهذا، ولكم إن شاء الله درس آخر. والله تعالى أعلم. اشتركوا في القناة.