التعليقات على كتاب الأدب المفرد 85

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 85، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل الزيارة والمحبة في الله

يتناول شرح حديثين نبويين حول فضل زيارة الإخوان في الله وإثبات وجود الملائكة وقدرتهم على التشكل، ويبين فضل المحبة في الله تعالى وكيف أنها توجب محبة الله.

إثبات صفة المحبة لله تعالى وفضلها

يبين فضل المحبة في الله تعالى وإثبات صفة المحبة لله عز وجل كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة، ويرد على الجهمية والمعتزلة الذين نفوا أو صرفوا هذه الصفة.

معية الله ومحبة الرسول وجزاء المحبين

يشرح حديث "المرء مع من أحب" ويبين أهمية محبة الله ورسوله والاتبع في نيل المنازل العالية يوم القيامة، ويحذر من محبة الفسقة والفجرة.

التمييز بين الصادق والكاذب

يشير إلى أن هناك موقفا أو اختبارا يتم من خلاله التمييز بين الصادق والكاذب، وأن الله تعالى هو الأعلم بحقيقة الأمور.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، وقفنا في الدرس السابق في كتاب الأدب المفرد للإمام البخاري رحمه الله عند حديث عبد الله بن عمر، عندما وجد عمر حلة استبرق فأتى بها النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: اشتر هذه والبسها عند الجمعة أو حين تقدم عليك الوفود. فقال عليه الصلاة والسلام: «إنما يلبسها من لا خلاق له في الآخرة». وأوتي عليه الصلاة والسلام بحلل، فأرسل إلى عمر بحلة وإلى أسامة بحلة وإلى علي بحلة. فقال عمر: يا رسول الله، أرسلت بها إلي؟ لقد سمعتك تقول فيها ما قلت. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تبيعها أو تقضي بها حاجتك». والحديث قلنا إنه في الصحيحين، ومر الكلام على بعضه. وهنا في إرسال النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الحلل إلى عمر وأسامة وعلي، أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن ينتفعوا بها، أن ينتفعوا بها بغير اللبس. وفي هذا جواز إهداء ما كان محرما استعماله على الرجل، جواز إهداء ما كان محرم استعماله على الرجل، كثوب حرير أو ذهب أو نحو ذلك مما يحرم استعماله على الرجل، ويقدر على الانتفاع به بغير الاستعمال. فثوب الحرير مثلا أو الذهب يجوز أن يهديه لمن يحل له استعماله، أو يبيعه كذلك لمن يحل له استعماله كزوجة أو قريب له، يعطيها هذا اللباس فتلبسه، أو كذلك يبيعه لهذا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تبيعها أو تقضي بها حاجتك». والشاهد من هذا الحديث في ذكره في هذا الباب، وهو من زار قوما فطعم عندهم، أنه كذلك ينبغي التزين، ينبغي التزين عند الزيارة، وذلك في قوله: «اشتر هذه والبسها عند الجمعة أو حين تقدم عليك الوفود». قال رحمه الله: باب فضل الزيارة. قال: حدثنا سليمان بن حرب وموسى بن إسماعيل، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «زار رجل أخا له في قرية، فأرصد الله له ملكا على مدرجته، قال: أين تريد؟ قال: أزور أخا لي في هذه القرية. قال: هل له عليك من نعمة تربها؟ قال: لا، إني أحبه في الله. قال: فإني رسول الله إليك، أن الله أحبك كما أحببته». الحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم. وفيه بيان فضل الزيارة، وأن من زار أخا له في الله سبحانه وتعالى، كان ذلك سببا في محبة الله عز وجل له. فمن أسباب محبة الله الزيارة في الله عز وجل. فهذا الرجل زار أخا له، فأقعد الله جل وعلا له ملكا، فسأله: أين تريد؟ قال: أزور أخا لي في هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ يعني هل لك مصلحة تقصد من هذه الزيارة، عمل تعمله أو تريد مثلا مالا أو غير ذلك؟ فقال: لا، إنما أحبه في الله. يعني أزوره لأجل محبته في الله. فقال: «فإني رسول الله إليك، أن الله أحبك كما أحببته». فأخبر أن الله عز وجل أحبه بسبب هذه الزيارة. فدل ذلك على أن من فضل الزيارة أنها توجب محبة الله عز وجل، توجب محبة الله عز وجل. وإذا أحب الله العبد أعانه وسدده ووفقه. وهكذا أيضا غفر له ذنوبه وأكرمه وأثابه. وفي هذا الحديث، كما سمعنا، فضل الزيارة في الله، وفيه كذلك إثبات الملائكة، وأن الملائكة خلق من خلق الله سبحانه وتعالى، الذين خلقهم الله عز وجل من نور، كما قال عليه الصلاة والسلام: «خلقت الملائكة من نور». وهذا كذا أيضا فيه أنه يمكن أن يرى المؤمن الملائكة، لكن يراهم على غير صورتهم. فالملائكة لهم قدرة على التشكل، كما جاء جبريل النبي عليه الصلاة والسلام بصورة رجل في حديث جبريل المشهور: «اطلع علينا رجل شديد سواد أو بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرف منه أحد». وهو جبريل، جاء على صورة رجل. وهكذا تتمثل الملائكة، فيمكن أن يحصل ذلك للإنسان، ولو كان غير نبي، لكن لا يعلم أنه ملك إلا عن طريق الوحي، لا يعلم أنه ملك إلا عن طريق الوحي. وهكذا أيضا فيه فضل المحبة في الله سبحانه وتعالى، وأنها توجب محبة الله سبحانه وتعالى، كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي: «وجبت محبتي للمتزاورين فيها والمتباذلين فيها والمتحابين فيها». فالمحبة في الله توجب محبة الله سبحانه وتعالى، تكون محبة لله، تحب أخاك المسلم في الله سبحانه وتعالى لطاعته واستقامته وصلاحه، لا تحبه لمصالح ولا لمقاصد تريد أن تنتفع بها من ورائه، فتكون محبة لغير الله، فهذه محبة مذمومة. وفيه كذلك إثبات صفة المحبة لله عز وجل، وأن الله جل وعلا يحب ويحب، كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة. وصفة المحبة كسائر صفات الله عز وجل، صفة تليق به، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، خلافا للجهمية وغيرهم من أهل البدع الذين نفوا صفة المحبة، فقالوا: إن الله لا يحب ولا يبغض. وهؤلاء كما قال ابن القيم رحمه الله: هم قطاع طرق المحبين. والله عز وجل يقول: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ يحبهم ويحبونه، فأخبر عز وجل أنه يحب وأنه كذلك يحبه المؤمنون. ولنا آيات كثيرة في إثبات صفة المحبة. وهكذا أيضا من ذهب من الأشاعرة أو غيرهم من المعتزلة، فيه كذلك صرف صفة المحبة، وقولهم أن المراد بها إرادة الثواب أو الثواب، فهو قول باطل وتعطيل لهذه الصفة. بل نثبت صفة المحبة لله عز وجل، محبة تليق به، ولا يلزم منها ميل المحب إلى المحبوب. بل هذا ما وقعهم فيه إلا لكونهم مثلوا صفات الخالق بالمخلوق، ثم وقعوا في التعطيل. وأشهد من الحديث، كما سمعنا، في فضل الزيارة في الله، وأنها سبب لمحبة الله سبحانه وتعالى. قال: باب الرجل يحب قوما ولما يلحق بهم. قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قلت: يا رسول الله، الرجل يحب القوم ولا يستطيع أن يلحق بعملهم؟ قال: «أنت يا أبا ذر مع من أحببت». قلت: إني أحب الله ورسوله. قال: «أنت مع من أحببت يا أبا ذر». الحديث صحيح. قال: وأحدثنا مسلم بن إبراهيم، وهو الفراهيدي، قال: حدثنا هشام، وهو دستوائي، قال: حدثنا قتادة، عن أنس: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبي الله، متى الساعة؟ قال: «وما أعددت لها؟» قال: ما أعددت لها من كبير عمل، إلا أني أحب الله ورسوله. فقال: «المرء مع من أحب». قال أنس: فما رأيت المسلمين فرحوا بعد الإسلام أشد مما فرحوا يومئذ. والحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وكذا أصل الحديث هذا في الصحيحين. وفي هذين الحديثين بيان أن الرجل قد يصل إلى المنازل العالية، ولو قل عمله، بسبب المحبة، ولو قل عمله بسبب المحبة. قال رجل: يا رسول الله، الرجل يحب القوم ولا يستطيع أن يلحق بعملهم، يعني ما عندهم من الأعمال ما تجعله يلحق بهم، لكونهم عندهم أعمال كثيرة، ولا يستطيع أن يأتي بمثل تلك الأعمال، إما لانشغاله أو لضعفه ونحو ذلك. فقال: «أنت يا أبا ذر مع من أحببت». فقال: إني أحب الله ورسوله. قال: «أنت مع من أحببت يا أبا ذر». فأخبر رضي الله عنه أنه يحب الله ورسوله، ولا يستطيع أن يأتي من الأعمال ما يأتي بها النبي عليه الصلاة والسلام. فقال: «أنت مع من أحببت»، أي أنك تحشر مع من أحببت. فإذا كنت محبا للنبي عليه الصلاة والسلام، فستحشر معه. وهل هذا ينافي ما دلت عليه الأدلة من تفاوت منازل أهل الجنة وأهل الإيمان؟ فالجواب: ليس في ذلك تعارض. فقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أنت مع من أحببت»، فإن حصول هذه المعية تكون بمجرد دخول الجنة، بمجرد دخول الجنة. ولا يلزم أن تكون في نفس المنزلة والدرجة. فبمجرد دخول الجنة تصدق في ذلك هذه المعية «أنت مع من أحببت». وفيه أن الرجل يحشر مع من أحب. فمن أحب أهل الإيمان وأهل الصلاح، وأحب أهل العلم، فإنه يحشر معهم. وهكذا من باب أولى إذا كان حبه للنبي عليه الصلاة والسلام، وكان صادقا في ذلك، ما كانت محبته ادعاء: «أنا أحب النبي عليه الصلاة والسلام»، وأغار على لسان النبي عليه الصلاة والسلام، ثم تجده يخالف النبي صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله، كحال كثير من الناس. ليست هذه المحبة، المحبة بالاتباع، كما قال الله جل وعلا: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾، ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾. فدليل المحبة هو الاتباع، الاتباع للنبي عليه الصلاة والسلام في الظاهر والباطن، في الأقوال والأفعال. فهذا الذي يحب الله ورسوله، وهو الذي إن شاء الله يحشر مع النبي عليه الصلاة والسلام. ومن أحب الفسقة وأحب الفجرة، فهو معهم. الذي يحب المغنيين ويحب الممثلين، وهكذا يحب من كان على شاكلتهم من أمثال هؤلاء من الفسقة، فهو معهم. «أنت مع من أحببت». هل تحب أن تحشر مع أهل الإيمان والصلاح، ومع النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه؟ فكن محبا لهم، واعمل من الأعمال ما تستطيع حتى تصل إلى منازلهم. وإن كنت تحب هؤلاء الفسقة، فإنك ستحشر معهم يوم القيامة. «أنت مع من أحببت». وفي حديث أنس: أن الرجل قال: يا رسول الله، متى الساعة؟ أي متى تقوم الساعة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «وما أعددت لها؟» سأله النبي عليه الصلاة والسلام عما أعد للساعة، وما أجابه عن نفس السؤال. وهذا كما قال أهل العلم: هو من جواب الحكيم، من جواب أو أسلوب الحكيم، أن ينقل السائل إلى ما هو أنفع له وأهم، ينقل السائل إلى ما هو أنفع له وأهم. فليس العبرة أن تعلم متى الساعة، لكن العبرة والشأن هو: ماذا أعددت لها؟ وماذا عملت لها؟ ماذا عملت من أعمال حتى تلقى الله سبحانه وتعالى بها؟ فلهذا قاله النبي عليه الصلاة والسلام: «وما أعددت لها؟» ماذا أعددت لهذه الساعة من أعمال، أطاعات، قربات؟ فقال: ما أعددت لها من كبير عمل، إلا أني أحب الله ورسوله. فقال عليه الصلاة والسلام: «المرء مع من أحب». يعني بمحبة العبد للنبي عليه الصلاة والسلام، ومحبته لله سبحانه وتعالى، ما عمله بقدر ما يستطيع من العمل، فإنه يبلغ المنازل العالية، يبلغ المنازل العالية. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عمر في السنن: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني منزلا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا». انظروا لهذا العمل اليسير، بحسن الخلق، نال هذه المنزلة العالية، كان من أحب الناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك أيضا من أقرب الناس إليه منزلة، مع قلة هذا العمل، بلغ تلك المنزلة العالية. فالمرء مع من أحب. قال أنس: فما رأيت المسلمين فرحوا بعد الإسلام أشد مما فرحوا يومئذ، يعني فرحوا بهذا الحديث، فرحا عظيما. «المرء مع من أحب»، وهم يحبون الله ورسوله، ففرحوا بهذا الحديث. وهذا لحرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم على الخير، وطلبهم وتسابقهم في باب الخير. فلما سمعوا هذا الحديث فرحوا به فرحا عظيما. قال: فما رأيت المسلمين فرحوا بعد الإسلام أشد مما فرحوا يومئذ، أي يوم سمعوا هذا الحديث. «المرء مع من أحب». فينبغي للمسلم أن يحب الله ورسوله، وأن يصدق في هذه المحبة، بأن لا يقدم شيئا على محبة الله ورسوله، لا محبة الأولاد، ولا محبة الأزواج، ولا محبة النفس. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أنس في الصحيحين: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». وفي حديث عمر: «حتى من نفسك». فبهذا تصدق محبة العبد لله ورسوله، أن يقدم محبة الله ورسوله على محبة نفسه وولده، وكذلك أزواجه. إذا تعارضت: هل يقدم محبة الله ورسوله، أو يقدم محبة الأولاد ومحبة الأزواج أو محبة النفس؟ فهنا يعلم الصادق من الكاذب. والله تعالى أعلم.