التعليقات على كتاب الأدب المفرد 99

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 99، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التحذير من الجدال والمزاح المذموم والإخلاف بالمواعيد

يشرح الحديث النبوي التحذير من الجدال المذموم والمزاح المحرم والإخلاف بالمواعيد، ويبين أن هذه الأمور تسبب الضلال والزيغ. المزاح المباح هو الذي لا يخالف الشرع.

صفات أهل الجاهلية وانتشارها بين المسلمين

النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن أمته لا تترك النياحة والطعن في الأنساب، وهما من صفات أهل الجاهلية. النياحة كبيرة من كبائر الذنوب وتعتبر من بقايا الجاهلية.

تحريم الطعن في الأنساب والافتخار بالأحساب والعصبية الجاهلية

النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الطعن في الأنساب والافتخار بالأحساب، وأمر بنصر الحق وعدم مساعدة قومه على الباطل والظلم. العصبية الجاهلية مذمومة وتعتبر ظلماً.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب لا تعِد أخاك شيئًا فتخلفه. قال حدثنا عبد الله بن سعيد، قال حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن ليث -وهو ابن أبي سليم- عن عبد الملك عن إكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تمارِ أخاك، ولا تمازح، ولا تعده موعدًا فتخلفه». الحديث ضعفه شيخ الألباني رحمه الله، وكذلك أيضًا أشار إلى ضعفه الإمام الترمذي رحمه الله بعد أن أخرجه، قال: «هذا حديث غريب، وعلته ليث بن أبي سليم، وهو مختلط». ومعنى الحديث صحيح، وهو في نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن المراء والجدال. «لا تمارِ أخاك» أي لا تجادله، والمراد بالمراء والجدال المذموم الجدال المذموم الذي يراد منه الانتصار للنفس والتعالي على الآخرين نحو ذلك، فهذا ينبغي للمسلم أن يتركه ولو كان هو صاحب الحق، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث آخر «أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقًا»، ولو كان محقًا. وأما إذا كان المراء على الباطل والجدال على الباطل فهذا لا يجوز، وهو سبب للضلال والزيغ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث آخر أيضًا في السنن «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل»، ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، فهذا يجادل في الحق ويعارض الحق بالجدال، فهذا قد وقع في الضلال ووقع في الانحراف والزيغ، فينبغي للمسلم أن لا يجادل في الحق بل عليه أن يقبله وأن يأخذه ولا يجادل فيه، وهو يعرف أن هذا حق، وأن الذي يجادل فيه باطل، لكن الهوى يجعله يجادل في الباطل، فهذا سبب في ضلاله وزيغه وانحرافه. «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل»، وكما قال الله جل وعلا ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ يجادلون في الحق بعد ظهوره أو وضوحه وبيانه، لكن الأجل هو يعرف أن هذا حق، وأن هذا الأمر دل عليه أدلة الكتاب والسنة، ثم يأتي يجادل فيه ويعارضه بعقله، وهكذا يعرف أن هذا الأمر اتفق فيه العلماء واجتمعت عليه كلمتهم أن هذا حق، وأن ذاك باطل، ثم يجادل ويماري، فذلك سبب في زيغه وظلاله، فينبغي للمسلم أن يحذر من ذلك. قال «ولا تمازح» والمراد بالمزاح هنا ما يوقع في محرم، هذا المزاح يوقع في محرم وفي شيء يخالف الشرع، كطعن في الأعراض أو نحو ذلك مما نهى عنه الشرع، فهذا لا يجوز ومذموم، كذلك ما كان فيه مخالفة شرعية، كان يمازحه مثلًا فيكذب، فهذا لا يجوز ولو كان من باب المزاح، ولو كان من باب المزاح. وهكذا أيضًا يمازح مثلًا فيأخذ شيء من متاعه من باب المزاح، يأخذ منه قلم أو كتاب أو مال فيخبئه مزاحًا، هذا لا يجوز، بقول النبي عليه الصلاة والسلام «لا تأخذ متاع أخيك جادًا ولا مازحًا إلا عن طيب نفس منه»، فلا يجوز المزاح في الأموال والحقوق. وهكذا أيضًا كذلك ما يكون من المزاح بإخافته وترهيبه، كان مثلًا يأتيه فجأة فيخوفه أو يرمي عليه شيء يجعله يخاف أو نحو ذلك من مثل هذه الأشياء، فهذا كذلك لا يجوز، لقول النبي عليه الصلاة والسلام «لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا»، لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا، يعني أن يخيفه. وهذا الحديث الذي قبله ذكره الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الجامع، فكل هذا من المزاح المنهي عنه، هذا من المزاح المنهي عنه. وأما إذا كان مزاحًا في شيء لا يخالف الشرع، هذا لا بأس به، وقد مر معنا في أبواب سبقت ذكر شيء من ذلك، إذا كان المزاح ليس فيه كذب وليس فيه مخالفة شرعية فلا بأس، أما إذا كان فيه مخالفة شرعية فلا، وهو الذي يراد في هذا الحديث، وإن كان ضعيفًا، لكن كما قلنا معناه صحيح، تدل عليه عموم الأدلة ومنها ما ذكرنا. قال «ولا تعده موعدًا فتخلفه»، كذلك لا تعده موعدًا فتخلفه، يعني تخلف ذلك الموعد، تقول له سأتيك للساعة الفلانية ثم لا تأتيه، أو سأعطيك الشيء الفلاني ثم لا تعطيه، هذا لا يجوز ولا ينبغي. وإذا قصد ذلك، إذا قصد ذلك بأنه وعده وهو في نيته أنه سيخلف، فهذه صفة من صفات أهل النفاق، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام «وإذا وعد أخلف»، وإذا وعد أخلف، يعد وفي نيته أنه يخلف هذا الوعد ولا يفي به، هذا من صفات أهل النفاق. أما إذا أوعده أو وعده بشيء ثم جاءه مانع أو نسي أو نحو ذلك، فهذا لا شيء عليه، ولا يكون واقعًا في صفة من صفات المنافقين، وإنما المراد بذلك إذا كان قاصدًا للإخلاف، إذا كان قاصدًا للإخلاف يعد وهو قاصد وناوي أن يخلف وأن لا يفي بهذا الوعد، هذا الذي لا يجوز ويكون صفة من صفات أهل النفاق. وهذه اللفظة هي الشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب «لا تعِد أخاك شيئًا فتخلفه»، بل واجب على المسلم إذا وعد أخاه أن يفي بوعده، أن يفي بوعده، إلا إذا حصل له عذر، إذا حصل له عذر فإنه يعذر. قال باب الطعن في الأنساب، قال حدثنا أبو عاصم عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «شعبتان لا تتركهما أمتي: النياحة والطعن في الأنساب». الحديث صححه شيخ الألباني رحمه الله، وأصله في مسلم، أصله في مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياح على الميت»، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بهاتين الشعبتين، والمراد بهما الخصلتين، الشعبتان أي صفتان أو خصلتان لا تتركهما أمتي، يعني لا تتركهما هذه الأمة، وهي من صفات أهل الجاهلية، من صفات أهل الجاهلية. كما جاء في حديث آخر عند مالك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال «ثلاث -أو أربع- من أمور الجاهلية لا تتركها أمتي: النياح على الميت، والاستسقاء بالنجوم، والطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب»، فهذه الأربع أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمة لا تتركها، بل تبقى عاملة بها كما كان يعمل بها أهل الجاهلية. ومنها ما جاء في هذا الحديث: النياحة والطعن في الأنساب. النياحة يعني على الميت، برفع الصوت بالبكاء أو الصياح وذكر محاسن هذا الميت ونحو ذلك مما فيه تضجر، وكذلك أيضًا اعتراض على قدر الله سبحانه وتعالى وتسخط، فهذا لا يجوز، وهو كبير من كبائر الذنوب، كبيرًا من كبائر الذنوب. وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن النياحة، وأخبر أن الميت يعذب في قبره بما نيح عليه، كما جاء في الصحيحين من حديث المغيرة، حديث عمر، وغيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم «الميت يعذب في قبره بما نيح عليه». وحمله أهل العلم على أوجه عديدة، ومنها أنه إذا أوصى بذلك، إذا أوصى بالنياح عليه. ومنها إذا كان يعلم أنهم سينوحون ثم لا ينهاهم عن ذلك، فإنه يعذب، فإنه يعذب بذلك. وهكذا أيضًا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام -أو نهى عن النياحة- في كثير من الأحاديث، ومنها حديث أم عطية حين بايعت، أن بايعه النساء، وكان مما أخذ عليهم «أن لا ينحن»، أن لا تنوح امرأة على ميت. وأخبر عليه الصلاة والسلام أن النائحة إذا لم تتب أقيمت يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب، السربال يعني قميص، بسبب هذا الذنب وبسبب النياحة، بسبب النياحة. وكما قلنا النياحة رفع الصوت بالبكاء والصياح وشق الجيوب وضرب الوجوه ونثر الشعر وغير ذلك مما فيه معنى استسخط. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوة الجاهلية»، دعا بدعوة الجاهلية. ومنها ربما يقوله بعض الناس إذا مات ميت، تجده يقول لماذا يا رب لماذا؟ أو فلان ما يستحق، ويذكر محاسنه نحو ذلك، هذا من النياحة، هذا من النياحة. بل واجب أن يصبر وأن يقول «إن لله وإن إليه راجعون»، كما قال الله سبحانه وتعالى ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. فلا يجوز لمسلم أن ينوح، لا رجل ولا امرأة. ومع ذلك فهذا الأمر واقع، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمة لا تتركه «شعبتان لا تتركهما أمتي: النياحة»، والنياحة البكاء على الميت. الجواب لا، إذا كان بكاء يسير من غير صياح ولا رفع صوت، فهذا من الرحمة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام حين بكى على سعد بن أبي وقاص، أو سعد بن معاذ، ودمعت عينه عليه الصلاة والسلام، فقال له «ما هذا؟» قال «هذه رحمة جعلها الله عز وجل في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء». وهكذا بكى على ابن إبراهيم وقال «إن العين تدمع وإن القلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون». فمجرد البكاء لا يكون من النياحة، بل هذا من الرحمة، من الرحمة أن تبكي، تدمع العين ويحزن القلب، لكن الزيادة على ذلك هذا الذي لا يجوز. قال «والطعن في الأنساب»، هذه كذلك خصلة من الخصال، ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمة لا تتركها، الطعن في الأنساب، وهو إدخال العيب في الأنساب، الناس تحقيرًا لآبائهم وتفضيلًا لآباء أنفسهم، تجد كثير من الناس من ربما يطعن في أنساب الآخرين، فيقول فلان هذا من الزراع، وذاك من العمال، وذاك من العبيد، وأما نحن من السادة أو نحن قبائل، فيفتخر بآبائه وأجداده ويطعن في أنساب الآخرين ويحتقرهم، هذا من أمر الجاهلية، هذا من أمر الجاهلية، وهو واقع كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، ما زال، ما زال في هذه الأمة، بل ربما وقع فيه بعض من يظن فيه الصلاح، من يظن فيه الصلاح والاستقامة، ربما وجد فيه هذه النزعة الجاهلية، وهو الافتخار بالأحساب والطعن في الأنساب، يفتخر بما معه من نسب فيطعن في أنساب الآخرين، وهذا لا يجوز، لا يجوز أن يستحقر أحد، ولا كذلك أيضًا أن يطعن في نسب أحد، يعني فلان ينتمي إلى القبيلة الفلانية، فيقول لا، ويطعن في نسبه، لا يجوز، إلا إذا كان عنده بينة فنعم، أما يرمي ويطعن في نسبه بغير بينة ولا برهان، فهذا لا يجوز. والمسلمون كما أخبر الله سبحانه وتعالى أنهم سواسية، وأن أفضلهم من كان متقيًا لله سبحانه وتعالى، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ فأكرم الناس عند الله سبحانه وتعالى أتقاهم. صلى النبي عليه الصلاة والسلام من أكرم الناس؟ قال «أتقاهم لله»، ذكر عليه الصلاة والسلام أن أكرمهم من كان تقيًا، ما ذكر أصحاب الأنساب، ولا من كان ذا نسب وشرف، بل ذكر التقوى. وهكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس سواسية، لا فرق بين عربي ولا عجمي، ولا أسود ولا أبيض إلا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب. فالطعن في الأنساب هذا من فعل أهل الجاهلية، ومثل أيضًا الافتخار بالأحساب، فهذا أيضًا من أمر الجاهلية. ولهذا لما حصل ما حصل بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم من المهاجرين والأنصار، فقال المهاجر «يا للمهاجرين»، وقال الأنصار «يا للأنصار»، فأنكر عليهم النبي عليه الصلاة والسلام وقال «بدعوة الجاهلية، وأنا بين أظهركم، دعوها فإنها منتنة»، دعوها فإنها منتنة. وهكذا أيضًا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتحقير من كان يتعزى بعزاء الجاهلية، كما جاء في السنن، أو في الصحيح المسند من حديث أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من سمعتموه أو رأيتموه يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا»، فيعضوه بهن أبيه، يعني يقول له «أمصص ذكر أبيك»، هذا إهانة له، إهانة له، تحقير من هذه الدعوة الذي يتعزى بها. بل واجب على المسلم أن يدعو بدعوة الإسلام، أو بالإسم الذي سماه الله عز وجل به المسلمون. قال باب حب الرجل قومه، قال حدثنا زكريا، قال حدثنا الحكم بن المبارك، قال حدثنا زياد بن الربيع، قال حدثني عباد الرملي، قال حدثتني امرأة يقال لها فسيلة، قاهرة، قال سمعت أبي يقول: قلت يا رسول الله، أمن العصبية أن يعين الرجل قومه على الظلم؟ قال «نعم». الحديث ضعيف، ضعفه شيخ الألباني رحمه الله. وفسيلة هذه مجهولة، وعباد الرملي قال الحافظ -أو البخاري- فيه نظر، قال البخاري «فيه نظر». وهذا من الجرح الشديد عند الإمام البخاري رحمه الله. ومع ذلك فمعنى الحديث صحيح، معنى الحديث صحيح. أن إعانة الرجل قومه على الظلم هذا من العصبية، من عصبية الجاهلية، تعرف أن قومك على باطل، أنهم في هذه المسألة أو في هذا الأمر على باطل، فتأتي وتعينهم؛ لأنهم أصحابك ولأنهم قومك، هذه عصبية مذمومة، وهو كذلك أيضًا يعتبر من الظلم. والواجب على المسلم أن ينصر الحق، سواء كان مع قومه أو عليهم، سواء كان الحق معهم أو كان مع غيرهم، فالواجب هو نصرة الحق، وأن لا يعين قومه على باطل وعلى ظلم، ويعلم أنهم على باطل وعلى غير حق، فيأتي ويعينهم، هذا من الظلم، العصبية التي ينبغي على المسلم أن يتنزه عنها وأن يحذر منها.