الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 107، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المقطع يشرح كيفية الجمع بين الأحاديث المتعارضة حول قبول هدية المشركين، كما يفسر حديث النبي حول سباب المسلم ووصفه بالفسوق وقتاله بالكفر. يناقش آراء المرجئة والخوارج في تكفير فاعل المعصية.
يناقش المقطع مفهوم الكفر وحدود تكفير المسلم، ويوضح الفرق بين الكفر الأكبر والأصغر. ينتقد الخوارج لعدم تفريقهم بين نوعي الكفر وتكفيرهم المسلمين بفعل الكبائر.
يناقش المقطع خطورة تكفير المسلمين وانتساب الشخص لغير أبيه أو قبيلته وسبهم بدون وجه حق، ويحذر من هذه الأفعال ويبين عواقبها. يشير إلى أن التكفير ليس بالأمر الهين وأنه يترتب عليه أحكام خطيرة.
بسم الله الرحمن الرحيم ذكرنا بالأمس حديث عياض في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إني أكره زبد المشركين»، وأن النبي عليه الصلاة والسلام رد هديته لأنه مشرك. وذكرنا كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض هدايا المشركين، فكيف الجمع بين الأحاديث التي فيها المنع من قبول هدية المشركين والأحاديث التي فيها الجواز؟ لماذا يجمع بينها؟ نعم، إذا كان في قبولها مصلحة فإنها تقبل، كدعوة عن الإسلام، ترغيبه فيه. وإن كان في قبولها مفسدة فإنها ترد. وبهذا يجمع بين الأحاديث. قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الأدب المفرد: «حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا شعبة، عن زبيد، قال: سمعت أبا وائل، وهو شقيق، عن عبد الله -ابن مسعود- عن النبي صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وفي هذا الحديث بيان من النبي عليه الصلاة والسلام أن سباب المسلم فسوق، أي: من فعل الفسق، اعتداء المسلم على أخيه المسلم بسبه وشتمه، فهذا من الفسق. سباب المسلم فسوق، فسباب الذي يسب غيره من المسلمين فهو فاسق، يعتبر فاسقا. هذا إذا كان مسلما من المسلمين، من عامة أهل الإسلام. فكيف إذا كان ينتسب إلى العلم؟ إذا كان ينتسب إلى العلم، وهو سباب شتام، فإنه كذلك يعتبر فاسقا. سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر. قتال المسلم كفر؛ لأن قتاله معصية، وكبيرة من كبائر الذنوب. والله جل وعلا توعد بالعذاب العظيم لمن قتل مؤمنا متعمدا. «ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم، خالدا فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعد له عذابا عظيما». وقوله: «قتاله كفر»، هل معنى كفر أنه إذا قاتله يكفر، ويخرج من دين الإسلام؟ الجواب: لا. فقال بعض أهل العلم: «قتاله كفر»، حمله بعضهم على المستحل، أي: إذا استحل قتاله فإنه يكفر. وهذا فيه نظر؛ لأن مستحل الحرام يكفر، وإن لم يفعله. فقال بعض العلم: «قتاله كفر»، أي: أنه يتشبه بفعل الكافرين؛ لأن الذي يقاتل المسلم هو الكافر، فكان فعل هذا المسلم كفعل أولئك الكفار، فيكون وصفه بالكفر أعظم في الزجر والمنع منه. يكون وصفه بالكفر مبالغة في التحذير والزجر من فعله، حتى يبتعد منه السامع، فلا يفعله. ففي هذا الحديث بيان أن سباب المسلم فسوق، وأن قتاله كفر. وفي هذا الحديث رد على المرجئة الذين يقولون: «لا يضر مع الإيمان ذنب»، يقولون: «لا يضر مع الإيمان ذنب، كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة». إذا حصل الإيمان فإنه لا يضره المعاصي، مهما فعل من المعاصي، فإيمانه كامل، وإيمانه لا ينقص. وهذا قول باطل، ومن أدل على بطلانه أدلة كثيرة، من هذا الحديث. فإن النبي عليه الصلاة والسلام وصف ساب المسلم بالفسوق، وهذا يدل على ضعف إيمانه. وأن قتاله كفر، وهذا يدل على أن المعاصي تؤثر في الإيمان. وهذا الحديث استدل به الخوارج على التكفير بفعل المعصية والكبيرة. فإن من عقيدة الخوارج أنهم يكفرون بالمعاصي، وأن فاعل الكبيرة يعتبر كافرا. واستدلوا ببعض الأدلة التي في ظاهرها الكفر، في ظاهرها إطلاق لفظ الكفر، ولم ينظروا إلى بقية الأدلة، فغلبوا جانب الأدلة التي فيها ذكر الوعيد، وأهملوا أدلة الوعد. والمرجئة على عكس الخوارج، فالمرجئة غلبوا جانب أدلة الوعد، وأهملوا أدلة الوعيد. والحق ما عليه أهل السنة والجماعة، من النظر في جميع الأدلة، أدلة الوعيد وأدلة الوعد. ففاعل الكبيرة هو فاعل لمعصية، يعتبر عاصيا، يعتبر مؤمنا عاصيا، فهو مؤمن بإيمانه، عاص بمعصيته، وفاسق بمعصيته، ولا يكفر بمجرد فعل المعصية، وارتكاب الكبيرة. فحديث قول النبي عليه الصلاة والسلام: «قتاله كفر»، ليس معنى أنه يخرج من دائرة الإسلام، ويعتبر كافرا، كما فهم ذلك الخوارج. فإن الله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه قتال أهل الإيمان، وأطلق عليهم لفظ الإيمان: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما»، قال: «وإن طائفتان من المؤمنين»، أطلق عليهم لفظ الإيمان مع وقوع القتال بينهما. ثم قال في آخر الآيات: «إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم»، وأطلق عليهم لفظ الأخوة. وهكذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». إذا التقى المسلمان فأطلق عليهما لفظ الإسلام مع حصول القتال. إذن فليس في هذا الحديث دليل على ما ذهب إليه الخوارج من التكفير بالكبيرة. إذن فما المراد بقوله: «قتاله كفر»؟ المراد بالكفر هنا هو الكفر الأصغر. المراد به الكفر الأصغر؛ لأن الكفر ينقسم إلى قسمين: كفر أكبر مخرج من الملة، وكفر أصغر غير مخرج من الملة. فالكفر الأكبر هو ما أطلق عليه الشرع لفظ الكفر، ودل الدليل على أنه يخرج صاحبه من دائرة الإسلام، كالكفر بالله سبحانه وتعالى، أو بملائكته، أو بكتبه، أو رسله، أو جحد شيء مما أمر الله سبحانه وتعالى به، أو رسوله، إلى آخر ذلك من أمور الكفر. والكفر الأصغر هو ما أطلق عليه الشرع لفظ الكفر، ودل الدليل على أن صاحبه لا يخرج من دائرة الإسلام، كما في هذا الحديث: «قتاله كفر»، كما في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «تكاثرنا اللعنة، وتكفرنا العشير»، تكفر العشير: يعني تجحدنا عشرة الزوج، ليس مراد به الكفر المخرج من الملة. وهكذا: «من ادعى لغير أبيه وهو يعلم إلا كفر». وهكذا: «كفر النعمة»، إلى آخر ذلك من الأدلة الكثيرة التي وردت، وثبت فيها ذكر لفظ الكفر، والمراد به الكفر الأصغر. لكن الخوارج لما لم يفرقوا بين النوعين وقعوا في هذه البدعة والضلالة؛ لأنهم جعلوا الكفر شيئا واحدا، جعلوا الكفر قسما واحدا. فكل شيء ورد في الشرع ذكر لفظ الكفر فيه جعلوه من الكفر الأكبر، وكفروا فاعله. وهذا ضلال، وكذلك أيضا زيغ وانحراف عن منهج السلف رحمهم الله تعالى. قال: «حدثنا أبو معمر، قال: حدثنا عبد الوارث، عن الحسين -وهو ابن ذكوان- عن عبد الله بن بريدة، قال: حدثنا يحيى بن يعمر: أن أبا الأسود الدؤلي حدثه، أنه سمع أبا ذر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يرمي رجل رجلا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك». الحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام البخاري رحمه الله. وفي هذا الحديث الوعيد وخطر رمي المسلم لأخيه بالفسق أو بالكفر. «لا يرمي رجل رجلا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه»، يعني: إلا رجعت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك. يعني: إذا قال رجل: يا فاسق، وهو ليس بفاسق، فهو لا يستحق هذه الكلمة، فإنها ترجع إلى قائلها، فيكون هو أحق بالفسق. فكأنه فسق نفسه، وقال: أنا فاسق. أو هكذا إذا رمى غيره بالكفر، وقال: يا كافر، فإن لم يكن صاحبه كذلك، أي: لم يكن مستحقا لكلمة الكفر، فإنها ترجع إلى قائلها. «إلا ارتدت عليه»، أي: إلا رجعت عليه. بل قال بعض أهل العلم: «إلا ارتدت عليه»، يعني: إلا وقع قائلها في الكفر، إذا كفر غيره، فإن الأمر يرجع إليه بأن يرتكب ما يوقعه في الكفر. فهذا أمر خطير، ينبغي للمسلم أن يحذر منه، أن لا يرمي غيره بالفسوق ما لم يكن مستحقا لذلك، ولا كذلك يرمي غيره بالكفر. بل ينبغي أن يحذر من تكفير المسلمين، وأن يعلم أن أمر التكفير أمر عظيم، ليس بالأمر الهين. فإن حكمك على الشخص بأنه كافر معناه: أنه حلال الدم والمال، وأنه من أهل النار، وأنه لا يصلى عليه إذا مات، ولا يغسل، ولا يكفن، وأنه لا يورث، إلى آخر ذلك من الأحكام التي تترتب على الكافرين. فحكم الكفر ليس بالحكم الهين. وما يفعله بعض المسلمين ممن غلوا في هذا الجانب، هو جانب التكفير، الذين ينتسبون إلى بعض الفرق الضالة -فرق التكفير والهجرة أو الجهاد- الذين يكفرون المسلمين، ويستحلون دماءهم وأموالهم بغير حق، بسبب بعض الشبه التي تقع في قلوبهم، فتجدهم يعتدون على المسلمين، ويكفرونهم، ويستحلون دماءهم وأموالهم وأعراضهم، ويستبيحون نساءهم، كل ذلك بسبب حكمهم عليهم بالتكفير، وهم براء من ذلك. فينبغي مثل هذه الأمور أن ترجع إلى العلماء، فهم الذين يحكمون على من يستحق الكفر، وليس لمن هب ودب أن يأتي ويكفر المسلمين، ويعتدي عليهم. قال: «حدثنا أبو معمر...» إلى أن قال: «عن أبي ذر، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من ادعى لغير أبيه وهو يعلم فقد كفر، ومن ادعى قوما ليس هو منهم فليتبوأ مقعده من النار، ومن دعا رجلا بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك، إلا حارت عليه». الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وفيه تحذير النبي عليه الصلاة والسلام من الادعاء لغير الأب. «من ادعى لغير أبيه وهو يعلم فقد كفر»، يعني: ينتسب إلى غير أبيه متعمدا، قاصدا لذلك، وهو يعلم أنه غير أبيه، فهذا من الكفر، أي: من الكفر الأصغر، ومعناه أنه كبيرة من كبائر الذنوب. لا يجوز للمسلم أن ينتسب لغير أبيه، فيقول: محمد مثلا ابن علي، وأبوه ليس علي، إنما علي هذا رجل آخر، فيأتي وينتسب إليه من أجل عمل أو وظيفة أو مصلحة من مصالح الدنيا، فهذا لا يجوز. «من ادعى لغير أبيه وهو يعلم فقد كفر». وكانوا في الجاهلية ينتسب الرجل إلى غير أبيه عن طريق التبني، كان الرجل يتبنى الولد فينسبه إليه، حتى أنزل الله سبحانه وتعالى قوله: «ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله»، فأمر الله سبحانه وتعالى أن يدعوا بأسماء آبائهم، وينتسبوا إلى آبائهم. فنهى ربنا سبحانه وتعالى عن ذلك. وهكذا بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أن ذلك من كبائر الذنوب. «من ادعى لغير أبيه وهو يعلم فقد كفر». وقوله: «وهو يعلم» يخرج إذا كان لا يعلم، إذا كان ما يعلم أن هذا ليس بأبيه فلا يضر. «ومن ادعى قوما ليس هو منهم فليتبوأ مقعده من النار»، كذلك الذي ينتسب إلى أقوام ينتسب إلى قبيلة أو إلى عشيرة، وهو ليس منهم، فكذلك توعده النبي عليه الصلاة والسلام بالنار. «فليتبوأ مقعده من النار». وهذا الأمر قد يفعله بعض المسلمين، كما ذكرنا، من أجل شيء من متاع الدنيا، يريد أن يسافر إلى بلد من بلاد الخارج، فيأتي وينتسب إلى قبيلة من القبائل -قحطان أو همدان أو غير ذلك من القبائل- ينتسب إليهم وليس منهم، من أجل الوظيفة والعمل، فهذا لا يجوز. «ومن دعا رجلا بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك، إلا حارت عليه»، يعني: إلا رجعت عليه. وهذا كما مر يدل على خطر تكفير المسلمين، وكذلك أيضا سبهم، وأن ذلك يرجع على قائله. فينبغي للمسلم أن يحذر، وأن يحفظ لسانه من ذلك. والله تعالى أعلم.