الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 202، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد المقطع على أهمية طلب العلم، مستشهداً بعبد العزيز بن صهيب الأعمى الذي وثقه العلماء. كما يشير إلى حديث نبوي يشجع على العزم في الدعاء.
يشرح المقطع آداب الدعاء، حيث ينبغي على المسلم أن يعزم في الدعاء ويوقن بالإجابة، ويحسن ظنه بالله. كما يشير إلى أن تقصير العبد لا يمنعه من دعاء الله.
ينهى عن تعليق الدعاء بالمشيئة لأن الله سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء. هذا التعليق يدل على سوء أدب مع الله، لذا يُستحب للمسلم أن يعزم في دعائه ويحسن ظنه بالله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد: حدثنا مسدد، وهو من مسرهد، أبو الحسن، وهو كما قال الحافظ رحمه الله ثقة ثبت. قال حدثنا عبد الوارث، وهو ابن سعيد بن ذكوان التميمي، وهو كذلك ثقة، والثقات النساء وأبو زرعة، عن عبد العزيز، وهو عبد العزيز بن صهيب البناني مولاهم البصري، وكان أعمى، ومع ذلك فقد قال فيه الإمام أحمد رحمه الله: ثقة ثقة. وهكذا وثقه النسائي ومن معين وغيرهم. وفي هذا يستفيد المسلم إذا أصيب بعاهة أن هذه العاهة لا تمنعه من طلب العلم، ومن الإقبال والجد والاجتهاد في باب العلم. فكم من ذوي العاهات طلبوا العلم ورفعهم الله سبحانه وتعالى بعلمهم، ذاك أعرج، وذاك أعمى، وذاك أعمش، وغيرهم كثير، طلبوا العلم وتحصلوا عليه، ورفعهم الله سبحانه وتعالى بالعلم. قال عن أنس، وهم نمالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دعوتم الله فاعزموا في الدعاء، ولا يقولن أحدكم: إن شئت فأعطني، فإن الله لا مستكره له». وهذا الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وبهذا الحديث أدب من آداب الدعاء، أنه إذا دعا المسلم ربه سبحانه وتعالى، فينبغي أن يعزم في الدعاء، يعني أن يجد في دعائه، ويدعو الله سبحانه وتعالى وهو يوقن بالإجابة، وهو موقن بالإجابة. وكذلك يحسن ظنه بالله سبحانه وتعالى، وأن الله جل وعلا يستجيب له، وأن الله سبحانه وتعالى يستجيب له، وإن كان عنده تقصير، فإن ذلك لا يكون مانعًا من دعائه لله سبحانه وتعالى، أو من استجابة الله جل وعلا له. وكما قال عبد بن عيينة رحمه الله: لا يمنعنا أحدكم ما يعلم من نفسه أن يدعو الله سبحانه وتعالى، فإن الله جل وعلا قد استجاب لشر خلقه، وهو إبليس، حين قال: ﴿رَبِّ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. ويرغب ذلك رحمه الله أن الإنسان يدعو الله جل وعلا ويعزم في دعائه، وإن كان يعلم من نفسه ما يعلم من تقصيره في حق الله سبحانه وتعالى، فذلك لا يمنعه أن يدعو الله جل وعلا ويجد في دعائه. وقول «ولا يقولن أحدكم: إن شئت فأعطني، فإن الله لا مستكره له»، يعني لا يعلق دعاءه بالمشيئة، فلا يقول: اللهم إن شئت فأعطني، لأن تعليق الدعاء بالمشيئة، كما قال العلماء، إنما يكون ذلك في حق من يكرهه شيء، ويثقله أن يستجيب لدعاء من دعاه، فينبغي أن يستأذن، أو أن يعرض عليه هذا الشيء إذا كان يستطيعه أو لا يستطيعه. وكل ذلك منزه عنه الرب سبحانه وتعالى، لكمال قدرته سبحانه وتعالى. فالله جل وعلا لا يعجزه شيء، كما أخبر سبحانه وتعالى بذلك عن نفسه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَعْجِزُهُ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾. والله جل وعلا على كل شيء قدير، فلا شيء يكون مكرهًا على الله سبحانه وتعالى أن يستجيب فيه لدعاء العبد، فلذلك لا يعلقه بالمشيئة. وإنما هذا في حق الضعيف العاجز، والله سبحانه وتعالى المتصف بكمال القدرة والقوة سبحانه وتعالى. وكذلك يبين هذا المعنى قوله: «فإن الله لا مستكره له»، وفي معناه ما ورد في رواية أخرى: «فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه»، لا شيء على الله سبحانه وتعالى عظيم، بل ربنا سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. فلذلك لا ينبغي للعبد أن يعلق دعاءه بالمشيئة. وقال كذلك بعض أهل العلم: إن في تعليق الدعاء بالمشيئة شيء من الاستغناء عن الطالب والمطلوب، كأنه يقول: إن شئت فأعطني، وإن شئت فلا تعطني، كأنه لا حاجة له في عطاء الله سبحانه وتعالى وفيما دعا. وهذا لا شك أنه سوء أدب مع الله سبحانه وتعالى، لا ينبغي للعبد أن يتلفظ به، أن يكون بين العبد وبين ربه سبحانه وتعالى. فلأجل ذلك فإنه إذا دعا فإنه يعزم في دعائه، ولا يعلقه بالمشيئة، ولا يقول: إن شئت فأعطني. هذا أدب عظيم ينبغي أن يتخلق به المسلم في دعائه، أنه لا يعلق دعاءه بالمشيئة، بل يعزم الدعاء، ويحسن ظنه بالله سبحانه وتعالى، ويجد في دعائه.