التعليقات على كتاب الأدب المفرد 236

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 236، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

دعاء النبي عند هبوب الرياح

كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو عند هبوب الرياح بقوله: «اللهم إني أسألك من خير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شر ما أرسلت به». كان يسأل الله خيرها ويستعيذ من شرها.

حكم سب الريح وأحكام الدعاء عند هبوبها

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سب الريح وأمر بالدعاء عند هبوبها، حيث يمكن أن تحمل الرحمة أو العذاب، فيسأل الله خيرها ويستعيذ من شرها.

النهي عن سب الريح وتفسير ذكرها مفردا أو جمعا

الريح تذكر مفردة في سياق الرحمة وجمعا في سياق العذاب، ونهى النبي عن سبها لأنها مأمورة من الله، فيسأل الله خيرها ويستعيذ من شرها.

  • 24 جمادى الآخرة 1432هـ - 27/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب الدعاء عند الريح: حدثنا خليفة وأم نخياط، قال: حدثنا ابن مهدي، وهو عبد الرحمن، إمام من أئمة الجرح والتعديل، قال: حدثنا المثنى، وهو ابن سعيد، عن قتادة، عن أنس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا هاجت ريح شديدة، قال: «اللهم إني أسألك من خير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شر ما أرسلت به». والحديث صحيح. قال: وحدثنا أحمد، من أبي بكر وابن الحارث، قال: حدثنا مغيرة، من عبد الرحمن، عن يزيد، عن سلمة، قال: كان إذا اشتدت الريح يقول: «اللهم لاقحا لاعقيما». والحديث في هذا السند، أو هذه الرواية، كما نرى، وفي هذه النسخة أنه موقوف، وجاء في نسخة أخرى مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهو صحيح مرفوع، كما أشار إلى ذلك الشيخ الألباني رحمه الله، يعني أنه من قول النبي عليه الصلاة والسلام. ففي الحديث الأول، حديث أنس، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا هاجت ريح شديدة، يعني إذا اشتد هبوب الريح وكانت شديدة، دعا عليه الصلاة والسلام بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك من خير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شر ما أرسلت به». فكان عليه الصلاة والسلام يسأل من الله عز وجل خير ما أرسلت به هذه الريح، ويستعيذ بالله سبحانه وتعالى من شر ما أرسلت به؛ لأن هذه الريح ترسل رحمة وترسل عذابا. فلذلك يسأل العبد ربه سبحانه وتعالى من خير ما أرسلت به، ويستعيذ بالله سبحانه وتعالى من شر ما أرسلت به. وفي حديث سلمة، قال: «كان إذا اشتدت الريح يقول: اللهم لاقحا لاعقيما». لاقحا بمعنى اجعل هذه الريح ريحا لاقحا، أي التي تلقح السحب فتحمل الماء، فيحصل بها الغيث والمطر، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾. فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتدت الريح دعا الله سبحانه وتعالى أن تكون لاقحا لاعقيما، أي لا تكون هذه الريح ريحا عقيمة، وهي التي لا نفع فيها، فلا تلقح السحب، ولا يحصل بها النفع، بل يحصل بها الضر. قال: باب لا تسب الريح. قال: حدثنا ابن أبي شيبة وأبو بكر، قال: حدثنا أسباط وابن محمد القرشي، قال: عن الأعمش، وسليمان المهراني، عن حبيب بن أبي ثابت، وابن دينار الأسدي، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزا، وهو الخزاعي الكوفي، عن أبيه، وهو عبد الرحمن بن أبزا، صحابي صغير، قال: عن أبي أيوب، أو ابن كعب، قال: لا تسب الريح، فإذا رأيتم منها ما تكرهون، فقولوا: «اللهم إنا نسألك خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به». والحديث صحيح، وقد صح أيضا مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وحدثنا مسدد وابن مسرح، أبو الحسن البصري، عن يحيى، وابن سعيد القطان، عن الأوزاعي، وهو عبد الرحمن بن عمرو، إمام أهل الشام، قال: حدثني الزهري، ومحمد بن مسلم، قال: حدثني ثابت الزرقي، وهو ثابت بن قيس، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الريح من روح الله، تأتي بالرحمة والعذاب، فلا تسبوها، ولكن سلوا الله من خيرها، وتعوذوا بالله من شرها». والحديث صحيح. ففي هذين الحديثين النهي عن سب الريح، فلا يجوز للمسلم أن يسب الريح إذا جاءت ريح شديدة وقوية، فلا يسبها؛ لأنها مأمورة، إنما هي تجري بأمر الله سبحانه وتعالى، وهي كما قال عليه الصلاة والسلام: «من روح الله»، يعني من رحمة الله، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾. فالريح من روح الله، تأتي بالرحمة والعذاب، فلا تسبوها، لكن الذي ينبغي أن تسأل الله عز وجل من خيرها، وتستعيذ بالله من شرها. قال: قول: «اللهم إنا نسألك خير هذه الريح»، يعني ذات هذه الريح أن تكون ريحا خيرة، وخير ما فيها يعني من المنافع، وخير ما أرسلت به يعني بخصوص هذا الوقت الذي أرسلت فيه الريح، فهي ترسل رحمة، فيكون فيها منافع عظيمة، منها أنها تنشئ السحاب، وتجمع السحب، ثم تقوم بتلقيحها بالماء، ثم تقوم بأخذ هذه السحب إلى الأماكن التي يريد الله سبحانه وتعالى إنزال المطر فيها. ثم أشار الإمام ابن القيم رحمه الله إلى فائدة، وهو أنه ذكر الله عز وجل الريح في القرآن في عدة مواضع، مفردة ومجموعة. قال: فإذا كانت ريح رحمة، فإنها تذكر مجموعة، يعني بلوظ الجمع، كما في قول عز وجل: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾. وقال ذلك؛ لأن مجيء هذه الرياح إذا كانت رحمة، فإنها تأتي من أكثر من جهة. قال: فإذا استدمت بعضها ببعض، حصل منها الريح التي ينتفع بها الناس. قال: بخلاف ريح العذاب، فإنها تأتي مفردة، تذكر في القرآن مفردة، كما في قول عز وجل: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾. قال: لأنها تأتي دفعة واحدة، فلا تصادمها ريح أخرى، فتخفف من قوتها ومن دفعها، فيحصل بها العذاب ويحصل بها الهلاك. ثم أشار رحمه الله إلى موضع ذكرت فيه الريح مفردة، وهي ريح رحمة، في قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾. قال: هنا أتى بالريح مفردة، مع أنها ريح رحمة. قال: وذلك لأن النفع إنما يحصل بريح واحدة، يعني في حال الجريان في السفن في البحار، فإذا جاءت الريح من جهة واحدة، أعان ذلك على جري السفينة وسلامتها. قال: فإذا كثرت الرياح واضطربت، كان ذلك سببا في حصول الهلاك.