التعليقات على كتاب الأدب المفرد 268

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 268، ألقاها

خطاب الصغار واهتمام الشريعة بهم

يتناول المقطع الأول شرح حديث الإمام البخاري حول خطاب الصغار بـ 'يا بني' لمن فقدوا آباءهم أو لم يدركوا إسلامهم، ويبين رحمة الشريعة واهتمامها بالصغار. كما يستشهد بفعل عمر بن الخطاب وحديث أنس بن مالك مع النبي صلى الله عليه وسلم.

آداب اللفظ في الإسلام وتجنب الألفاظ السيئة

يناقش المقطع الثاني آداب اللفظ في الإسلام من خلال شرح حديث نبوي يحث على تجنب الألفاظ السيئة واستخدام ألفاظ حسنة، ويبين أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قول 'خبثت نفسي' وأمر بقول 'لقست نفسي' بدلاً منها.

الفرق بين لفظي لقست وخبثت في وصف النفس وتوضيح سبب كراهة الأخير

يشرح المقطع الثالث الفرق بين لفظي 'لقست نفسي' و'خبثت نفسي' في وصف الحالة النفسية أو الجسدية، ويبين سبب كراهة النبي صلى الله عليه وسلم لاستخدام لفظ 'خبثت' لما يحمله من معاني سيئة إضافية. كما يوضح عدم التعارض بين حديثين نبويين يتعلقان بهذا الموضوع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب قول الرجل يا بني لمن أبوه لم يدرك الإسلام. قال حدثنا بشر بن الحكم، قال حدثنا محبوب بن محرز الكوفي، قال حدثنا الصعب بن حكيم عن أبيه عن جده، قال: أتيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فجعل يقول: يا ابن أخي، ثم سألني فانتسبت له، فعرف أن أبي لم يدرك الإسلام، فجعل يقول: يا بني، يا بني. ترجم الإمام البخاري رحمه الله هذه الترجمة باب قول الرجل يا بني لمن أبوه لم يدرك الإسلام، يعني أن يخاطب الصبي وينادى بهذا النداء يا بني، لمن أبوه لم يدرك الإسلام أو لمن فقد أباه كاليتيم، فإن هذا من الأدب واللطف في التعامل والإحسان إلى الصغار، ومن باب كذلك الرحمة بهم والشفقة أن يخاطب بمثل هذا الخطاب، وخاصة كما قلنا من لم يدرك أباه كمن مات أبوه وهو صغير، فإنه من حسن الخطاب ومن الرحمة والشفقة عليه أن يخاطب بمثل هذا الخطاب، ويقال له يا بني، لأن هذه الكلمة ربما يفقدها ولا يجد من يخاطبه بها، وربما يسمع بعض الصبيان الذين ينادون بمثل هذا النداء يا ابني أو يا بني فيتحسر ويتألم أن لا يجد من يخاطبه بهذا الخطاب. فكان من عظم هذه الشريعة العظيمة أن يخاطب من كان حاله كذلك، فيقال له يا بني من باب الرحمة. وذكر أثر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه خاطب حكيم بقوله يا ابن أخي، ثم سأله فانتسب له، يعني لم ينتسب إلى أبيه لأنه لم يدرك الإسلام، قال فجعل يقول: يا بني، يا بني، جعل يخاطبه ويناديه بهذا النداء. وهذا الأثر لا يصح، فالصعب بن حكيم وأبوه مجهولان، لكن معناه صحيح، ويدل على ذلك آثار وأحاديث أخرى صحيحة، سيذكر منها المؤلف بعضا. قال حدثنا محمد، قال حدثنا عبد الله، قال أخبرنا جرير بن حازم عن سلمة العلوي، قال: سمعت أنسا يقول: كنت خادما للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: فكنت أدخل بغير استئذان، فجئت يوما فقال: كما أنت يا بني، فإنه قد حدث بعدك أمر لا تدخلن إلا بإذن. وهذا الحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله، وأصله قد ثبت بالصحيحين في سبب نزول آية الحجاب، وهو المراد بقول عليه الصلاة والسلام: قد حدث بعدك أمر، أي نزل آية الحجاب ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي﴾ إلى آخر الآية ﴿إلا يؤذن لكم﴾ إلى قوله ﴿ولكن إذا دعيتم فادخلوا﴾ الآية. فكان أنس رضي الله عنه يدخل على النبي عليه الصلاة والسلام من غير استئذان حتى نزلت هذه الآيات، وكان نزولها حين تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها، فلما دعا النبي صلى الله عليه وسلم الناس الوليمة فطعموا، ثم خرجوا وبقي ثلاثة يتحدثون، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى نسائه يسلم عليهن ويبارك لهن، ثم لما رجع وقد خرجوا دخل، فأراد أنس رضي الله تعالى عنه أن يدخل، فألقى النبي صلى الله عليه وسلم عليه الحجاب ونزلت بعد ذلك آية الحجاب، فكان رضي الله تعالى عنه لا يدخل إلا باستئذان. وأشادنا قوله فقال: كما أنت يا بني، قاله النبي عليه الصلاة والسلام، كما أنت يا بني، فنادى وخاطبه بهذا الخطاب. قال وحدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثني عبد العزيز بن أبي سلمة عن ابن أبي صاصعة، وهو عبد الله بن عبد الرحمن عن أبيه، أن أبا سعيد الخدري قال له: يا بني. وهذا الأثر صحيح الإسناد كما قال علام الألباني رحمه الله، وشاهد أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه خاطبه بقوله يا بني. فدلت هذه الآثار على جواز نداء الصبي بمثل هذا النداء يا بني، من باب الترحم والشفقة عليه، وخاصة كما قلنا إذا فقد أباه أو كان أبوه كافر، فإنه يخاطب بمثل هذا الخطاب. قال باب لا يقول خبثت نفسي، قال حدثنا محمد بن يوسف، قال حدثنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه وعروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يقولن أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل لقست نفسي. والحديث صحيح في الصحيحين. قال وحدثنا عبد الله، قال حدثني الليث، قال حدثني يونس عن ابن شهاب عن أبي أمامة عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يقولن أحدكم خبثت نفسي، وليقل لقست نفسي. قال محمد: أسنده عقيل. والمراد قال محمد يعني المصنف البخاري قال أسنده عقيل بمعنى وصله. وأشار شيخ الألباني رحمه الله أن العبارة الصحيحة تابعه، لأن المراد أن عقيل تابع يونس في رواية هذا الحديث عن ابن شهاب عن أبي أمامة عن أبيه. وهذا الباب باب لا يقول خبثت نفسي في بيان ما ينبغي أن يراعيه المسلم في ألفاظه، وأنه ينبغي أن يحذر من الألفاظ التي تحمل معاني سيئة ومعاني لا تليق بالمسلم إلى الألفاظ الحسنة والطيبة. ومنها هذا الحديث أو ما جاء في هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: لا يقولن أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل لقست نفسي. ومعنى لقست يعني إذا فسد مزاج النفس أصابه غثيان أو سوء هضم أو ما كان بمعنى ذلك، فيقول لقست نفسي. وخبثت نفسي لفظ الخبث قد يؤدي هذا المعنى، يعني هي قد تكون بمعنى لقست، لكن كره النبي صلى الله عليه وسلم التلفظ بها والتعبير بها لأنها تحمل معنى زائد على معنى لقست، فهي قد تؤدي هذا المعنى وزيادة، فإن لفظ الخبث فيه معنى و معاني فاسدة، فقولك خبثت نفسي الخبث يطلق على فساد الاعتقاد وفساد الأقوال وفساد الأعمال، فيقال نفس خبيثة نفس شريرة يقال لها نفس خبيثة. فلأجل ذلك كره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتلفظ المسلم بهذا اللفظ وأن يصف نفسه بهذا اللفظ، فلا يقول خبثت نفسي، ولكن يأتي باللفظ الذي يبين المعنى المراد مع سلامة هذا اللفظ من المعاني السيئة، وهي لقست، فإنه معنى ولفظ خاص بما يصيب الإنسان في بطنه أو في نفسه، بخلاف خبثت فيتحمل معاني أخرى. لأجل ذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التلفظ بها والتعبير بها. وفي هذا أيضا إشارة إلى أنه ينبغي إذا نهي الإنسان عن شيء مما لا ينبغي أن يقوله أو يفعله، فإنه يرشد إلى البديل الذي هو أحسن منه مما دل عليه الشرع. فلهذا النبي صلى الله عليه وسلم هنا قال: لا يقول خبثت نفسي، ثم أتى باللفظ الذي ينبغي أن يعبر به، وليقل لقست نفسي. وهل هذا يعارض ما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيح حين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان يضرب على الإنسان ثلاث عقد إذا نام، قال: فإذا استيقظ وذكر الله إن حلت عقده، فإذا توضأ إن حلت عقده، فإذا صلى إن حلت عقده، فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيثا نفسا كسلان. ففي هذا الحديث قال هنا وصف النبي صلى الله عليه وسلم النفس بهذا اللفظ بلفظ الخبث، قال: وإلا أصبح خبيثا نفسا كسلان. وهنا يقول عليه الصلاة والسلام: لا يقول أحدكم خبثت نفسي. قال أهل العلم: لا تعارض بين الحديثين، فهذا الحديث حديث عائشة رضي الله عنها فيه أنه لا ينبغي أن يصف نفسه بهذا الوصف ويقول خبثت نفسي، وفي حديث أبي هريرة فيه الإخبار بأن من كان حاله كذلك فإنه يصبح خبيثا نفسا، وهذا من باب الإخبار بحال من لا يقوم للصلاة والعبادة فيتمكن منه الشيطان فيكون حاله أنه على نفس خبيثة. وهنا لم يصف نفسه بهذا الوصف، وإنما وصف لحال من كان حاله كذلك، وهو في معرض الذم، لا في معرض المدح، فلا تعارض حينئذ بين الحديثين. وإلى هنا والله تعالى أعلم.

شاركنا على