شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي 10

الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي 10، الدرس العاشر:من(وليس واجب بلا اقتدار *ولا محرم مع اضطرار ...فيأكل من الميتة ونحوها بقدر ما يزيل الضرورة ). ألقاها

مقدمة في القواعد الشرعية للوجوب والتحريم

يناقش الدرس قاعدتين أساسيتين في الشريعة الإسلامية تتعلقان بالوجوب والتحريم مع القدرة والضرورة. يُستدل على هاتين القاعدتين من القرآن الكريم والسنة النبوية.

أثر العجز والضرورة على الأحكام الشرعية

إذا عجز الإنسان عن أداء واجب يسقط عنه الواجب، والضرورة تبيح المحظورات الضرورية لإنقاذ النفس مثل أكل الميتة. يستمر أجر العبد إذا كان يعمل الواجب سابقًا.

ضوابط التعامل مع المحظورات في حالات الاضطرار

لا يجوز ارتكاب المحظورات إلا عند الضرورة وبقدرها، ولا يسقط حق الغير بسبب الاضطرار. يجوز الاجتهاد في الأمور المشتبهة إذا كانت مما تبيحه الضرورة.

تطبيق القواعد على نكاح من اشتبه أمرها من الرضاعة

لا يجوز نكاح من اشتبه أمرها مع من رضع معه لأنها تعتبر أخته، والضرورة لا تبيح نكاح الأخت من الرضاعة.

التفريغ النصي الكامل

قال رحمه الله: وليس واجبًا بلا اقتدار، ولا محرم مع الطرار، فلهذا قلت: وكل محظور مع الضرورة بقدر ما تحتاجه الضرورة. قال في الشرح: هاتان قاعدتان عظيمتان ذكرهما شيخ الإسلام وغيره، واتفقت الأئمة على هاتين القاعدتين. القاعدة الأولى قوله: "وليس واجبًا بلا اقتدار"، ويعبر عنها العلماء بقولهم: "لا واجب بغير استطاعة"، أو "لا وجوب إلا مع القدرة". وقوله: "ولا محرم مع الطرار"، وهو قول العلماء: "الضرورات تبيح المحظورات". وهذه القاعدة متفرعة عن القاعدة الكبرى: "الضرر يزال". دليل القاعدة الأولى "ليس واجبًا بلا اقتدار" قوله جل وعلا: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾، وقوله جل وعلا: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها﴾، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». فالواجبات معلقة بالقدرة. قوله: "ولا محرم مع الطرار" دليله قوله تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾، وقوله جل وعلا: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾. وكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار». قال: فإن الله فرض على عباده فرائض وحرم عليهم محرمات، فإذا عجزوا عما أمرهم به وضعفت قدرتهم عنه، لم يوجب عليهم فعل ما لم يقدر عليه، بل أسقطه عنهم. ومع هذا، إذا كانت لهم أعمال قبل وجود ذلك المانع، فإنه يجري أجرها عليهم تفضلًا منه تعالى. يقول: إذا عجز الإنسان عن الإتيان بما فرض الله سبحانه وتعالى عليه، لم يوجب الله سبحانه وتعالى عليه شيئًا لم يقدر عليه. فلهذا الواجب على الإنسان أن يصلي قائمًا، فإن عجز صلى جالسًا، فإن عجز صلى على جنب. وكذلك في كفارة الأيمان، إذا عجز عن إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، انتقل إلى صيام ثلاثة أيام. وهكذا المريض الذي عنده مرض لا يرجى برؤه، فإنه لا يستطيع الصيام، فيسقط عنه الصيام ويطعم عن كل يوم مسكينًا. ومثل ذلك الجهاد، واجب على من كان عنده استطاعة في بدنه، فإن كان أعمى أو أعرج لم يجب عليه الجهاد. ومن هذه القاعدة أيضًا كل واجب يعجز عنه الإنسان، فإنه يسقط عنه. قال: ومع هذا، إذا كانت لهم أعمال قبل وجود هذا المانع، فإنه يجري أجرها عليهم تفضلًا منه تعالى. يعني من عجز عن الإتيان بما أوجب الله سبحانه وتعالى عليه، فإن كان لمانع كسفر أو مرض، حالة بينه وبين الإتيان بهذا الواجب الذي كان يفعله، فإن الله سبحانه وتعالى يكتب له أجره كاملًا. دليله حديث أبي موسى في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مرض العبد أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا». فيكتب له الأجر وهو في فراشه. قال: وكذلك حرم عليهم أشياء حماية لهم وصيانة، وجعل لهم في المباح فسحة عن المحرم. يعني أن التحريم من الله سبحانه وتعالى لهذه الأشياء التي حرمها ليس بخلا من الله سبحانه وتعالى على عباده، بل هو لمصلحة عظيمة لهم تعود عليهم بالنفع وحماية لهم وصيانة لهم. قالوا: مع هذا، إذا اضطر الإنسان إلى المحرم، جاز له فعله عند الضرورة. قال: فالضرورة تبيح المحظورات، كأكل الميتة إذا اضطر الإنسان إليها، فهنا يجوز له أن يأكلها، بل يجب إذا كان سيهلك إذا لم يأكلها. قال: وشرب الماء النجس عند الضرورة، الماء النجس ما يلزم شربه، ومثله البول، لكن يتضرر الإنسان إلى ذلك، ما عنده شراب وهو في صحراء، فإنه لا بأس، بل يجب أن يشرب هذا الماء النجس حتى يزيل الضرر عن نفسه. قال: وجواز محظورات الحج وغيره عند الضرورة، كذلك محظورات الحج لا يجوز للإنسان أن يرتكب محظورًا في الحج، كحلق الرأس مثلًا، لكن لو كان للضرورة يجوز، إنسان في رأسه مرض أو جروح أو قمل كثيرة تؤذيه، فهنا يجوز له أن يحلق رأسه. قال: ولكن يجب أن لا يأخذ من المحظورات إلا بقدر الضرورة، وهذا معنى قوله: "وكل محظور مع الضرورة بقدر ما تحتاجه الضرورة". يعني أنه لا يأخذ من المحظور إلا بقدر ما تحتاجه الضرورة، لا يزيد على قدر الحاجة. قال: وقد ذهب بعض العلماء إلى أن ابن عباس قال في قول الله جل وعلا: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد﴾، قال: لا يأخذ زيادة على حاجته. وهكذا جاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. وهذا معنى قول العلماء: "الضرورة تقدر بقدرها". قال: ومما ينبه عليه ويقيد به هذه القاعدة هو أن الاضطرار لا يبطل حق الغير. إنسان اضطر إلى أخذ مال لإنسان آخر، فأخذه، هل هذا الفعل يسقط حق صاحب المال؟ لا، ما يسقط حقه، يضمن هذا المال، يعطي صاحب المال إما يأتي له بمثله أو يعطي قيمته. قال: ومسألة أخرى تنبه له مما يتعلق بهذه القاعدة وهي أن ما تبيحه الضرورة يجوز الاجتهاد فيه عند الاشتباه، وما لا تبيحه الضرورة فلا يجوز الاجتهاد فيه عند الاشتباه. هذه قاعدة ذكرها ابن رجب رحمه الله. مثلًا ذبيحة اشتبهت على الإنسان مع أخرى غير مذكاة، وهو مضطر، هل يجوز أن يجتهد في هاتين الذبيحتين؟ الجواب نعم، يجوز. لماذا؟ لأن الضرورة تبيح أكل الميتة، فما تبيحه الضرورة يجوز الاجتهاد فيه عند الاشتباه. وما لا تبيحه الضرورة فلا يجوز الاجتهاد فيه، كنكاح مثلًا رجل من أهل بيت وقد رضع مع إحدى بنات هذا البيت، ثم نسي، هل يجوز له أن يجتهد؟ الجواب لا، لماذا؟ لأن الضرورة لا تبيح له نكاح من رضعت معه، لأنها أخته. إذن فلا يجوز الاجتهاد فيه عند الاشتباه.

شاركنا على