الدرس في شرح رسالة فضل علم السلف على علم الخلف 9، ألقاها
يناقش المقطع نهي ابن عباس لميمون بن مهران عن النظر في النجوم والخوض في القدر، ويبين أن الخوض في القدر بالأقيسة العقلية محرم ويؤدي إلى الزندقة. كما يشير إلى أن الجدال في القرآن والمراء فيه منهي عنه وقد يؤدي إلى الكفر.
يناقش المقطع معتقدات المعتزلة والقدرية الذين ينفون قدرة الله على أفعال العباد، ويعتبرون أن العباد يخلقون أفعالهم بأنفسهم. يبين المقطع خطأ هذا الاعتقاد ويؤكد أن أفعال العباد مخلوقة لله.
يناقش المقطع آراء الجبرية والقدرية حول أفعال العباد، ويبين أن كلا الطرفين قد غلا في رأيه. يظهر المقطع أن الإسلام يقر بأن للعبد مشيئة واختيارًا، وأن أفعاله مخلوقة لله.
الإيمان بالقضاء والقدر يعني التسليم بأن كل شيء يحدث بقضاء الله وقدره، دون أن يتعارض ذلك مع عمل الإنسان للأعمال الصالحة. يشرح المقطع مراتب القدر الأربع التي يجب على العبد الإيمان بها.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام بن رجب رحمه الله: وروي عن ابن عباسٍ أنه قال لميمون بن مهران: «إياك والنظر في النجوم؛ فإنها تدعو إلى الكهانة، وإياك والقدر؛ فإنه يدعو إلى الزندقة، وإياك وشتم أحدٍ من أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم؛ فيكبك الله في النار على وجهك». وأشار المحقق إلى أن الإمام الذهبي رحمه الله ذكر هذا الأثر في السير، والشاهد قوله: «وإياك والقدر؛ فإنه يدعو إلى الزندقة»، يعني يحذره من الخوض في القدر، وإدخال العقل فيه، والاعتراض على قدر الله سبحانه وتعالى وعلى أفعال الله؛ فإن ذلك يوقع صاحبه في الزندقة، عياذًا بالله. قال: وخرجه أبو نعيم مرفوعًا، ولا يصح رفعه. قال: والنهي عن الخوض في القدر يكون على وجوه؛ منها ضرب كتاب الله بعضه ببعض، فينتزع المثبت للقدر بآية، والنافي له بأخرى، ويقع التجادل في ذلك. وهذا قد روي أنه وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه غضب من ذلك ونهى عنه. ومن ذلك ما ذكره المخرج أنه ذكر ابن جرير في تفسيره عن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على الناس وهم يتنازعون في القرآن، فغضب غضبًا شديدًا حتى كأنما صب على وجهه الخل، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؛ فإنه ما ضل قوم قط إلا أوتوا الجدل»، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون﴾. قال: وهذا من جملة الاختلاف في القرآن والمراء فيه، وقد نهي عن ذلك؛ أي نهي عن المراء والجدال في القرآن. وجاء عند أبي داود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «المراء في القرآن كفر»، يعني التجادل في القرآن، وضرب الآيات بعضها ببعض، ونحو ذلك؛ فهذا من الكفر. والواجب هو التسليم لكتاب الله، والإيمان بما أخبر الله سبحانه وتعالى به. قال: ومنها الخوض في القدر إثباتًا ونفيًا بالأقيسة العقلية؛ كقول القدرية: لو قدر وقضى ثم عذب كان ظالمًا. وقول من خالفهم: إن الله جبر العباد على أفعالهم. ونحو ذلك. كذلك أيضًا من أنواع الخوض في القدر المحرم الخوض فيه نفيًا وإثباتًا بالأقيسة العقلية؛ يعني بالعقول. فالعقل يثبت إثباتًا كذا، والعقل ينفي حصول كذا؛ فيدخل الإنسان عقله في باب القدر فيضل ويزيغ، كحال القدرية والجبرية؛ القدرية الذين هم المعتزلة؛ فإن من أصول المعتزلة العدل، وهو نفي القدر، ويريدون بذلك أنه ليس لله عز وجل مشيئة ولا خلق لأفعال العباد، وإنما العباد هم الذين يخلقون أفعالهم. ولهذا جاءت الآثار بتسميتهم بمجوس هذه الأمة. كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «القدرية مجوس هذه الأمة؛ إذا مرضوا فلا تعودوهم، وإذا ماتوا فلا تتبعوهم». والحديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله بمجموع طرقه. وسموا مجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس يثبتون إلهين؛ يثبتون إلهين: خالق الشر وخالق الخير؛ فيقولون: النور خالق الخير، والظلمة خالق الشر. وهؤلاء القدرية أثبتوا خالقين مع الله؛ ليس خالقًا أو خالقين؛ أثبتوا خالقين؛ لأنهم يقولون بأن كل عبد يخلق فعل نفسه؛ هو الذي يخلق أفعاله. قالوا: ولو قلنا أن الله عز وجل يخلق أفعالًا؛ فالعبد يفعل المعاصي والذنوب والمحرمات؛ فإذا كان الله عز وجل خلقها؛ فكيف يعذبه عليها؟ هذه شبهتهم الباطلة، وكذلك فكرهم الفاسد الذي جعلهم يضلون في هذا الباب. ولو علموا أنه لا يخرج شيء عن أفعال الله جل وعلا وعن خلقه؛ لا يخرج شيء عن خلق الله؛ فكل شيء فهو مخلوق لله. والله عز وجل يقول: ﴿الله خالق كل شيء﴾، ويدخل في ذلك أفعال العباد. ويقول جل وعلا: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾؛ ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾؛ إذا كانت «ما» مصدرية - وهو الأفصح في مثل هذا الموضع - فيكون المعنى: والله خلقكم وعملكم؛ يعني أن أعمال العباد كذلك مخلوقة لله؛ فالله عز وجل خالق كل شيء. ولا يتم إيمان العبد بمرتبة القدر حتى يؤمن بمراتب القدر الأربع؛ وهي العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. يؤمن أن الله عز وجل علم كل شيء، ولا يخرج شيء عن علمه؛ ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾، ﴿وكان الله عليما حكيما﴾. كذلك يؤمن بأن الله عز وجل كتب كل شيء؛ كما أخبر سبحانه. وهكذا أيضًا أن الله شاء كل شيء، وأن الله عز وجل خالق كل شيء؛ ومنها أفعال العباد؛ فهي مخلوقة لله. ومع كونها من خلق الله عز وجل؛ فالذي يفعلها هو العبد؛ الذي يفعل الأفعال هو العبد؛ يفعلها بنفسه. والله جل وعلا جعل للعبد اختيارًا ومشيئة، وبين له طرق الهدى من الضلال؛ قال جل وعلا: ﴿وهديناه النجدين﴾؛ أي طريق الحق وطريق الضلال؛ ﴿إن هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾؛ فالعبد هو الذي يفعل المعاصي والذنوب باختياره؛ يفعلها باختياره وبإرادته. وكون الله عز وجل خلق أفعال هذا؛ لا ينافي أنه يؤاخذ بما فعله؛ لأنه يفعله بنفسه واختياره؛ فلا تنافي بين كون الله عز وجل خلق أفعال العباد، وبين فعل العبد لما يفعله من المعاصي والمحرمات. كذلك أيضًا في مقابل القدرية الجبرية الجهمية؛ الذين ظلوا أيضًا في هذا الباب؛ فغلوا في إثبات القدر لله حتى نفوه عن المخلوق؛ وقالوا: إن المخلوق مجبور على أفعاله؛ ليس له أي إرادة ولا مشيئة؛ فما حال الإنسان إلا كحال الورقة التي تلعب بها الرياح؛ ليس له أي مشيئة ولا اختيار؛ فهو مجبور على أفعاله؛ كل ما يفعله يفعله جبرًا؛ ليس له أي اختيار فيه؛ ففعله للمعاصي، وفعله للمحرمات، وارتكابه للفواحش؛ يفعلها وهو مجبور. وهذا قول باطل؛ كذلك واضح البطلان؛ لأن معناه إبطال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ كذلك أيضًا حصول الفساد وحصول الشر بين العباد من غير نكير؛ إذا كل الإنسان يسرق أو يزني أو يرتكب الفواحش وهو مجبور؛ إذا لا يؤاخذ على فعله، ولا ينكر عليه. ولا شك أن هذا قول باطل؛ واضح البطلان. بل العبد له مشيئة؛ فالله عز وجل أثبت للعبد مشيئة؛ وهي تابعة لمشيئة الله؛ ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾؛ ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾؛ فهذه الآية ترد على الجبرية الذين يقولون بأنه لا مشيئة للعبد؛ بل العبد له مشيئة واختيار؛ فهو يفعل الشيء باختياره، ويفعله بمشيئته. وكما قال بعض أهل العلم: لو جاء شخص إلى أحد الجبرية فضربه ولطمه؛ فاعترض عليه؛ يقول: لماذا لطمتني؟ فيقول: أنا مجبور؛ أنا مجبور على لطمك؛ هل سيقبل هذا منه؟ أو جاء وأخذ ماله أو اعتدى على حريمه؛ هل يقبل هذا منه ويقول: أنا مجبور؟ ما يقبل منه؛ لأن هذا القول باطل؛ لا يقبله شرع ولا عقل. وصحيح أن أفعال العباد مخلوقة، وأن فعل الإنسان لما يفعله فهو يفعله باختياره ومشيئته؛ يفعله باختياره ومشيئته. قال: ومنها الخوض في سر القدر؛ وقد ورد النهي عن علي وغيره من السلف؛ فإن العباد لا يطلعون على حقيقة ذلك. يعني أن باب القدر من الأبواب الغيبية والأبواب الخفية التي لم يطلع الله عز وجل عليها ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا؛ اختص الله جل وعلا بها. لا يدخل العبد عقله في باب القدر؛ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون؛ ما يقول العبد: لماذا فعل الله كذا؟ ولماذا لم يفعل كذا؟ هذا يعني اعتراضًا على أفعال الله؛ لا يجوز للمسلم أن يقول مثل ذلك أو يعتقد مثل ذلك؛ بل الواجب أن يسلم لقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره؛ فهو يعني باب خفي لا يطلع عليه أحد إلا الله سبحانه وتعالى. ومن مراتب الإيمان - كما سمعنا - وأركان الإيمان؛ الإيمان بالقضاء والقدر؛ أن تؤمن أن كل شيء بقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره. وهذا لا يتنافى أن الإنسان يعمل؛ يعني الأعمال الصالحة، ويسلك سبيل الهدى وسبيل النجاة، ويترك سبل الغواية والضلال، ويقدر الله سبحانه وتعالى له ما قدره سبحانه وتعالى؛ من غير أن يدخل عقله في باب القدر. صلى الله وسلم على أبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.