الدرس في شرح كتاب الطهارة 16، ألقاها
الوضوء هو استعمال الماء في الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة للتعبد لله تعالى، وهو واجب على من أراد الصلاة وهو على حدث أصغر. استدل المؤلف على وجوبه بالآية الكريمة وحديث "لا يقبل الله صلاة بغير طهور".
يشترط لوجوب الوضوء الإسلام والبلوغ والعقل، ولصحته النية واستخدام الماء الطهور وإزالة ما يمنع وصول الماء والموالاة والترتيب. يجب غسل جميع الأعضاء الواجب غسلها.
ترك عضو من الأعضاء التي يجب غسلها يبطل الوضوء، ويشترط للوضوء كذلك الاستجمار أو الاستنجاء عند وجود سببهما. النية تكون في القلب ولا يشرع التلفظ بها.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -وفقه الله-: الباب الخامس في الوضوء، وفيه مسائل. المسألة الأولى: تعريفه وحكمه. قال المؤلف: لغة، مشتق من الوضاءة، وهي الحسن والنظافة، وهو الحسن والنظافة. ولهذا يقال: الغلام الذي فيه جمال وضيء، ويقال للمرأة كذلك، والجارية التي فيها شيء من الجمال وضيئة، بمعنى حسنة الوجه. قال: وشرعًا، استعمال الماء في الأعضاء الأربعة، وهي الوجه واليدان والرأس والرجلان، على صفة مخصوصة في الشرع، على وجه التعبد لله تعالى. وأسهل من هذا أن يقال: التعبد لله بغسل الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة. فهذا معنى الوضوء: أن تغسل الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة، كما وردت في الكتاب والسنة، تعبدًا لله. فإذا غسلها الإنسان على غير جهة التعبد لم يكن هذا وضوءًا شرعيًا، يعني لو فعل ذلك لقصد النظافة أو التبرد أو نحو ذلك، لم يكن هذا وضوءًا شرعيًا، إلا إذا كان لقصد التعبد لله. أو كذلك غسل غير هذه الأعضاء، أو غسلها على غير ما هي الأصفة المخصوصة في الوضوء، فلا يكون هذا وضوءًا شرعيًا. قال: وحكمه أنه واجب على المحدث إذا أراد الصلاة وما في حكمها، كالطواف ومس المصحف. واجب على المحدث إذا أراد الصلاة، إذا أراد أن يصلي وهو على حدث، سواء كان أصغر -وهو المراد هنا- لأنه إن كان عليه حدث أكبر، واجب عليه الغسل. فالمراد بالحدث هنا الحدث الأصغر الذي يرتفع بالوضوء. إذا أراد أن يصلي أو ما في حكم الصلاة مما يجب له الوضوء، واجب عليه أن يتوضأ. وأما إن كان على وضوء، إن كان على وضوء وأراد أن يصلي، فيستحب له الوضوء إذا كان يعني في صلاة جديدة، فيستحب له الوضوء ولا يجب. يعني مثلًا صلى صلاة الظهر وبقي على طهارة حتى جاءت صلاة العصر وأراد أن يصلي العصر، هل يجب عليه أن يتوضأ وهو على وضوء سابق؟ الجواب: لا، هذا في حقه ليس بواجب، ولكن يستحب له الوضوء لاستحباب تجديد الوضوء والوضوء لكل صلاة. قال: المسألة الثانية: الدليل على وجوبه، وعلى من يجب، ومتى يجب. قال: أما الدليل على وجوبه، فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6]. فالله جل وعلا أمر في هذه الآية من أراد القيام إلى الصلاة أن يتوضأ. ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى آخر الآية. وهذا على تقدير أنه على حدث، على تقدير أنه على حدث، فيكون هذا الأمر موجهًا إليه على سبيل الوجوب. وأما كما قلنا: إن لم يكن على حدث، فهو على سبيل الاستحباب. والأصل في الأمر أنه للوجوب، فيدل الآية على وجوب الوضوء على من أراد أن يصلي وهو على حدث. قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول». والحديث رواه مسلم. لا يقبل الله صلاة بغير طهور، إذا صلى الإنسان بغير طهارة، فصلاته مردودة وغير مقبولة، هذا يدل على وجوب الوضوء والطهارة لمن أراد أن يصلي، وأن الطهارة شرط في صحتها. ولا صدقة من غلول، الغلول: ما يأخذ من الغنيمة قبل القسمة، لو أراد إنسان أن يتصدق بشيء من المال الغلول الذي أخذه من الغنيمة قبل القسمة، ما قبل منه. قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ». وهذا الحديث كذلك في صحيح الإمام مسلم. «لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ». والمراد بعدم القبول هنا عدم الصحة، المراد به عدم الصحة. من صلى وهو على حدث، فصلاته غير صحيحة ومردودة حتى يتوضأ. حتى يتوضأ، فدل على وجوب الوضوء. قال: ولم ينقل عن أحد من المسلمين في ذلك خلاف، يعني في وجوب الوضوء، فثبتت بذلك مشروعية الوضوء بالكتاب والسنة والإجماع. قال: وأما على من يجب، فيجب على المسلم البالغ العاقل إذا أراد الصلاة وما في حكمها. يجب الوضوء على المسلم البالغ العاقل إذا أراد الصلاة. فقوله: المسلم، يخرج بذلك الكافر، فالكافر لا يجب عليه الوضوء؛ لأنه غير مقبول من بسبب كفره، والكفر مانع من قبول العبادة. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 54]. وهكذا قول الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: 17]. فالكافر ما تقبل منه العبادات والطاعات، ولا تجب عليه. ومع ذلك فإنه يعذب ويعاقب على تركها، كالوضوء والصلاة والصيام والحج وغيرها من العبادات، لقول الله جل وعلا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: 42 - 47]. فأخبر الله جل وعلا أنهم يعذبون ويعاقبون بسبب تركهم للصلاة والزكاة وغيرها من الواجبات. قال: البالغ، يجب على المسلم البالغ، فالصغير من كان دون البلوغ لا يجب عليه الوضوء، لا يجب عليه الوضوء. لكن إذا أراد أن يصلي، فإن وليه يأمره بالوضوء ويعلمه الوضوء، يعني من كان بسن التمييز وكان غلامًا لم يبلغ بعد، هذا ما يجب عليه الوضوء، لكن إذا أراد أن يصلي فإنه يجب على وليه أن يأمره بالوضوء وأن يعلمه الوضوء؛ لأنه شرط لصحة الصلاة. فالعبادة تصح من الصبي وإن كان دون البلوغ، لكن من حيث الوجوب لا يجب عليه؛ لأنه غير مكلف. وهكذا العقل، يجب الوضوء على من كان مسلمًا بالغًا عاقلًا، فإذا كان مسلمًا وكان بالغًا لكنه غير عاقل، مجنون، فهذا لا يجب عليه الوضوء، كما أنه لا يجب عليه سائر الواجبات. قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة: النائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق». قال: وأما متى يجب، فإذا دخل وقت الصلاة، أو أراد الإنسان الفعل الذي يشترط له الوضوء وإن لم يكن ذلك متعلقًا بوقت، كالطواف ومس المصحف. أما اشتراط الوضوء للطواف ومس المصحف سيأتي هذا إن شاء الله في موضعه. والكلام هنا على متى يجب الوضوء. قال: يجب إذا دخل وقت الصلاة وأراد الإنسان الفعل الذي يشترط له الوضوء. أراد الإنسان أن يصلي صلاة العشاء، دخل وقت صلاة العشاء وهو على حدث وأراد أن يصلي، وجب عليه هنا أن يتوضأ. وهكذا أيضًا ما يشترط له الوضوء، فإنه كذلك ينبغي أن يتوضأ قبل فعله. قال: المسألة الثالثة: في شروطه. قال: ويشترط لصحة الوضوء ما يأتي: أولًا: الإسلام والعقل والتمييز، فلا يصح من الكافر، ولا المجنون، ولا يكون معتبرًا من الصغير الذي دون سن التمييز. وهذا شرط في صحة سائر العبادات: الإسلام والعقل والتمييز. فمن كان كافرًا لم تصح منه العبادة، أو كان صبيًا أو كان مجنونًا، كذلك لم تصح منه العبادة. ومن كان دون سن التمييز، كذلك لا تصح منه العبادة. وسن التمييز قيل: سبع سنين، إذا بلغ الصبي سبع سنين صار مميزًا، هذا في الغالب، وإلا فقد يميز الصبي قبل السبع، وربما يتأخر وربما يتأخر بعد السبع. لهذا قال بعضهم: المعتبر في سن التمييز إذا فهم الخطاب ورد الجواب، إذا فهم الخطاب ورد الجواب صار مميزًا، سواء كان في السن السابع أو قبل السن السابع. قال: النية، لحديث: «إنما الأعمال بالنيات». ولا يشرع التلفظ بها لعدم ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم. أن يشرط للوضوء النية، وهي القصد لفعل هذه العبادة والطاعة. لابد أن يكون عنده نية الفعل والقصد حتى تصح منه. والنية لها جهتان: النية لها جهتان، لها جهة من حيث تعيين وتمييز العمل، من حيث تعيين وتمييز العمل، فينوي مثلًا بالصلاة أنها صلاة الظهر أو أنها صلاة العصر، فيميز الصلاة عن غيرها من الصلوات. كيف تميز أن هذه الصلاة أو هذا العمل لصلاة الظهر أو العصر؟ يميز ذلك بالنية. هذا من حيث تعيين العمل وتمييزه. وهذا ليتكلم فيه الفقهاء عندما يذكرون النية يريدون نية التمييز بين الأعمال. ولها جهة أخرى وهي نية قصد المعمول له، لمن تقصد هذا العمل ومن تريد به؟ وهو بمعنى الإخلاص في العمل. وهذا الذي يتكلم فيه أهل التوحيد والعقيدة. فالنية شرط لصحة سائر العبادات، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات»، يعني إنما صحة الأعمال بالنيات. فلا يصح العمل إلا بالنية. قال: ولا يشرع التلفظ بها لعدم ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم. ما يشرع أن يتلفظ الإنسان بالنية، يأتي ويقول: نويت أن أصلي صلاة الظهر مؤتمًا بالإمام الفلاني في الوقت الفلاني، هذا ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام ولا فعله الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فهو أمر محدث. التلفظ بالنية من الأمور المحدثة التي لم يفعلها النبي عليه الصلاة والسلام ولا فعلها الصحابة. ولأن النية محلها القلب، والله عز وجل يعلم ما في نية الإنسان، فلا يحتاج أن يتلفظ به. قال: الماء الطهور، أيضًا مما يشترط لصحة الوضوء. الماء الطهور: أن يتوضأ بماء طاهر. قال: لما تقدم في المياه. أما الماء النجس فلا يصح الوضوء به، يعني لو جاء إنسان وتوضأ بماء نجس، توضأ وغسل أعضائه الأربعة بهذا الماء النجس، هل يصح وضوءه؟ الجواب: لا، وضوء هذا كعدمه. إذن لابد من أن يكون الماء طاهرًا. قال: إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة من شمع أو عجين ونحوهما، كطلاء الأظافر الذي يعرف بين النساء اليوم. يعني يشترط صحة الوضوء أن يزيل الإنسان أي شيء يمنع وصول الماء، أي شيء يمنع وصول الماء مما يكون له غلاف وقشرة تحجز وصول الماء إلى البشرة، فهذا لا بد من إزالته وإلا ما صح الوضوء. كالطلاء -البوية- البوية تمنع وصول الماء، فلا بد للإنسان إذا أراد أن يصلي أن يزيلها بأي شيء من المزيلات، كالبترول أو الديزل أو نحوها مما يزيلها. وهكذا أيضًا ما تفعله النساء في الأظافر، ما يسمى بالمناكير، رغم تضعها بعض النساء في أصابعها، فهذه تمنع وصول الماء، فإذا أرادت أن تصلي لابد من إزالتها وإلا ما صح وضوءها. قال: الاستجمار أو الاستنجاء عند وجود سببهما، لما تقدم يعني في الكلام على الاستجمار أو الاستنجاء. قال: والموالاة والترتيب، وسيأتي الكلام عليهما بعد قليل. وهكذا غسل جميع الأعضاء الواجب غسلها، يعني اشترط لصحة الوضوء غسل جميع الأعضاء التي يجب غسلها. فإذا ترك عضوًا من هذه الأعضاء ما صح وضوءه. لو أن الإنسان توضأ وترك غسل الوجه، وغسل يديه، ومسح رأسه، وغسل قدميه، ما صح وضوءه. أو غسل وجهه وترك يدًا من يديه، ترك اليد اليمنى مثلًا، وغسل اليسرى، وأتى ببقية الأعضاء، ما صح وضوءه. لابد من غسل جميع الأعضاء التي يجب غسلها. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.