الدرس في كتاب الحدود 9، ألقاها
الردة هي الكفر بعد الإسلام طوعًا وتشترط فيها العقل والتمييز والاختيار، ويستتاب المرتد ثلاث أيام فإن تاب وإلا قتل.
لا يقتل الصبي المميز حتى يبلغ، والمرتد يحبط عمله ويكون من أهل النار، والردة تحصل بارتكاب ما يوجبها جدًا أو هزلًا أو استهزاء.
الردة تحصل بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام مثل مظاهرة المشركين وتحكيم القوانين الوضعية، وتنقسم نواقض الإسلام إلى أربعة أقسام: القول والفعل والاعتقاد والشك.
أنهى الشيخ بحثه معتبرا أن الوقت قد انتهى، وختم كلامه بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مؤلفه الله: الباب الثامن في الردة، وفيه مسائل. المسألة الأولى: تعريفها وشروطها وحكم المرتد. قال: تعريف الردة: الردة في اللغة الرجوع عن الشيء، ومنه الرجوع عن الإسلام، ارتد بمعنى رجع. قال: وفي الاصطلاح: الكفر بعد الإسلام طوعًا، بنطق أو اعتقاد أو شك أو فعل. الكفر بعد الإسلام طوعًا يعني باختيار، كما سيأتي معنا في شروط الردة أنه لا بد أن تكون على جهة الاختيار، تكون إما بنطق يعني باللسان، أو اعتقاد بالقلب، أو شك كذلك أيضًا في القلب، أو فعل في الجوارح. هذه هي أصول الردة: النطق أو الاعتقاد أو الشك أو الفعل. وسأتي ذكر بعض الأمثلة على ذلك. قال: شروطها: أما شروطها فالعقل والتمييز والاختيار، فلا بد في وقوع الإنسان في حكم الردة أن يكون عاقلًا. فإن كان مجنونًا فإنه لا يقع أو يحكم عليه بالردة؛ لأنه لا عقل له. إذا وقع المجنون ونطق بشيء مما يوجب الردة أو فعله فإنه لا يعتبر مرتدًا أو يقام عليه حكم المرتد؛ لأنه لا عقل له. ومثله من زال عقله، مثله من زال عقله بنوم أو إغماء أو سكر أو نحو ذلك، فإنه كذلك لا يقام عليه حد الردة لعدم العقل. وهكذا أيضًا يشترط التمييز، فإن كان صبيًا دون التمييز وفعل فعلًا يوجب الردة أو قال قولًا يوجب الردة لم يحكم عليه بها؛ لأنه غير مكلف ولا يعقل ما يتكلم به أو يفعل. وأما المميز -يعني صبي لكنه مميز لم يبلغ بعد- لكنه يميز ويعرف أحكامًا أو كثيرًا من أمور الإسلام: أن هذا من فعل المسلمين، وهذا من فعل الكافرين، وأنه إن فعل كذا فهو كافر، ففعل أو نطق بشيء مما يوجب الردة فإنه يحكم عليه بالردة، وإن كان فيه خلاف -يعني في حكم الردة بالنسبة للصغير- من أهل العلم من قال: لا تقع ردته ولو كان مميزًا؛ لأنه غير مكلف. ومنهم من قال: تقع ردته إذا كان مميزًا، إذا كان مميزًا فإنه ردته معتبرة، لكن لا يدعى إلى الإسلام إلا بعد البلوغ. يدعى إلى الإسلام بعد البلوغ، فيستتاب بعد ذلك، فإن تاب وإلا قتل. وهذا هو مذهب الحنفية. وهناك قول ثالث: أن ردته معتبرة، ويدعى إلى الإسلام، فإن تاب وإلا قتل -يعني قبل البلوغ- يدعى إلى الإسلام، فإن تاب وإلا قتله في تلك اللحظة. وبعض أهل العلم يرجح أن ردته غير معتبرة لعدم التكليف، وغير مكلف، فكما أن الصلاة لا تجب عليه وسائر الفرائض الواجبات، فكذلك إذا حصل منه شيء مما يوجب الردة فإنه صدر منه وهو في غير سن التكليف، فلا يعتبر. لكن يعزر ويؤدب عن قول أو فعل ما يوجب الكفر. قال: فلا يحكم على مجنون أو صبي غير مميز أو مكره بالردة إذا وقعت منهم. قال: والتمييز والاختيار: التمييز والاختيار الاختيار؛ لأن مؤاخذة الإنسان بما يفعل أو يقول لا يكون ذلك إلا إذا صدر عن جهة القصد والعمد. إذا صدر عن جهة القصد والعمد. والله عز وجل يقول: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. وهكذا أيضًا قال ربنا جل وعلا مبينًا عذر من وقع في الكفر على جهة الإكراه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾. فوقوع الكفر من الإنسان على جهة الاختيار هذا مما يوقع في الردة، إذا قال قول الكفر أو فعل فعل الكفر باختياره ورضاه وتعمده، فهو حينئذ وقع في الكفر، وترتب عليه أحكام الردة. لكن إذا حصل على جهة الإكراه -أكره على قول الكفر أو فعل الكفر- فهذا يعذر إذا صدر منه هذا الكفر مع اطمئنان قلبه بالإيمان، مع اطمئنان قلبه بالإيمان، فهذا لا يضره؛ لقول الله جل وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾. لكن إذا قال كلمة الكفر أو فعل الكفر وقلبه مطمئن به -أي بالكفر- فهو كافر، فهو كافر. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. إذا صدر منه الكفر مع اطمئنان قلبه بالكفر فهو كافر، فهو كافر. لكن إن صدر منه في الظاهر مع اطمئنان قلبه بالإيمان فإنه لا يضره، فإنه لا يضره. قال: ثالثًا: حكم المرتد. قال: أما حكمه في الدنيا فهو القتل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه»، رواه البخاري من حديث ابن عباس: «من بدل دينه فاقتلوه» -يعني اختار دينًا غير دين الإسلام، خرج من دين الإسلام واعتنق اليهودية أو النصرانية أو المجوسية أو الوثنية أو غير ذلك من الأديان الكفر- أو خرج من دين الإسلام ولم يعتنق دينًا آخر، فكذلك هو الآن خرج من دينه وراد تبديله، فإنه يعتبر كافرًا، فحكمه القتل. قال: وينبغي قبل القتل أن يستتاب. وفي حديث أبي هريرة: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». هذا هو المرتد الذي يباح دمه ويهدر. قال: وينبغي قبل القتل أن يستتاب ويدعى إلى الإسلام -يعني إذا وقع في الردة يقال له: تب إلى الله وارجع إلى الإسلام- فيستتاب. قال: ويدعى إلى الإسلام، ويضيق عليه، ويحبس ثلاثة أيام. يضيق عليه. قال: العلماء: بأن ينقص عليه بالطعام والشراب إلا لضرورة. وفي خلال هذه الثلاثة أيام يستتاب فيها ويدعى إلى الإسلام. قال: فإن تاب وإلا قتل. إن تاب خلال هذه الأيام الثلاث، فإن لم يتب حتى انتهت فإنه يقتل. قال: حديث اليهودي الذي كان أسلم ثم ارتد، فقال معاذ: «لا أنزل عن دابتي حتى يقتل». يعني زار معاذ أبا موسى وإذا بيهودي -يعني عنده محبوس- قال: ما شأنه؟ قالوا: ارتد. فقال معاذ: «ما أنزل من راحلتي حتى يقتل»، فقتل. قالوا: في رواية: «وكان قد استتيب قبل ذلك» -يعني قبل القتل- هذه الرواية عند أبي داود، وصححها الحافظ ابن حجر، وصححها الألباني رحمه الله. قال: ولقول عمر رضي الله عنه لما بلغه أن رجلًا كفر بعد إسلامه فضربت عنقه قبل أن يستتاب، فقال: «هل حبستموه ثلاثًا فأطعمتموه كل يوم رغيفًا واستتبتموه؟» يعني طلبتم منه التوبة أو يراجع أمر ربه. اللهم إني لم أحضر ولم أرض إذ بلغني -يعني قتله قبل الاستتابة-. والأثر أخرجه الإمام مالك رحمه الله في الموطأ. إذن المرتد يستتاب ثلاثًا، فإن تاب وإلا قتل. قالوا: والذي يتولى قتله الإمام أو نائبه؛ لأنه حق لله تعالى، فيكون إلى ولي الأمر. فالولي الأمر الذي يقيم الحدود هو الذي يقيم حد الردة، كما مر معنا في باب الحدود كلها يقيم ولي الأمر: حد القصاص، حد السرقة، حد القذف، حد الزنا، كلها إلى ولي الأمر. وهكذا أيضًا حكم الردة، فالذي يقيم الحد هو ولي الأمر. قال: «ولا يقتل الصبي المميز ولو قيل بصحة ردته حتى يبلغ» -يعني الصبي على القول بأن الردة تقع منه المميز إذا حصل منه شيء من ذلك- فإنه لا يقتل حتى يبلغ، فإذا بلغ فإنه يقتل بعد ذلك على القول بوقوعه في الردة، أو يستتاب على القول الآخر بعد بلوغه، فإن تاب وإلا قتل. قال: وأما حكمه في الآخرة -أي حكم المرتد- فقد بيّنه الله تعالى في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. معنى أن المرتد إذا مات على الردة فإنه من أهل النار خالدًا مخلدًا فيها. المسألة الثانية: الأمور التي تحصل بها الردة. والردة تحصل بارتكاب ما يوجبها جدًا أو هزلًا أو استهزاء -يعني سواء كانت على سبيل الجد والقصد والعمد أو كانت على سبيل السخرية والاستهزاء- فإنه يكفر بذلك ويقع في الردة؛ لقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. نزلت هذه الآيات في أولئك القوم الذين سخروا من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزوة تبوك، فقالوا: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء». فنزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بقولهم، ونزلت الآيات في بيان كفرهم. ثم اعتذر هؤلاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنهم ما قالوا ذلك إلا على جهة الاستهزاء وقطع الطريق، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ هذه الآيات: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. قال: كالشرك بالله بجميع أنواعه: الشرك في الربوبية باعتقاد أن أحدًا من الخلق يشارك الله في ربوبيته في الخلق والإحياء والإماتة والتصرف في الكون إلى آخر ذلك، أو كان الشرك في ألوهية الله باتخاذ إله مع الله جل وعلا، أو كان في باب الأسماء والصفات باعتقاد أو وصف بعض المخلوقين بشيء من صفات الله جل وعلا الخاصة به، أو تسميته باسم من أسماء الله الخاصة به كلفظ الجلالة الله ونحو ذلك. قال: وجحود الصلاة وغيرها من أركان الإسلام، إذا جحد الصلاة قال: لا صلاة هناك واجبة، أو جحد الصيام أو جحد الزكاة أو جحد الحج أو غير ذلك من الفرائض والواجبات. قال: وأيضًا سب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. كذلك جحود القرآن الكريم كله أو بعضه، سواء جحد القرآن كله أنه ليس من كلام الله وليس منزلًا من عند الله، أو جحد بعض سوره أو بعض آياته أو آية واحدة أو حرفًا منه، وأنه يكفر بذلك. قال: ومن اعتقد أن بعض الناس يجوز له الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم -كغلات الصوفية يعتقدون أن يسع للإنسان الخروج عن شريعة النبي صلى الله عليه وسلم كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى- وعلى هذا فهم يتبعون أولياءهم في كثير من الأمور التي تخالف الشريعة؛ لهذا الاعتقاد أنه يسع من الخروج عن شريعة النبي صلى الله عليه وسلم كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى. وماذا يرد عليهم؟ نعم: أن الخضر ليس من أمة موسى، ليس من أمة موسى حتى يلزمه شريعة موسى، نعم: أيضًا أن الخضر نبي، كذلك ليس بولي فقط، بل هو نبي من الأنبياء. كذلك: أن شريعة موسى -وأن الأنبياء من بني إسرائيل أو من كان قبل النبي صلى الله عليه وسلم- كانوا يبعثون إلى قومهم خاصة، فليس شريعتهم عامة لجميع الخلق، وإنما لمن بعث إليهم فقط. بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم، فشريعته عامة لجميع الثقلين من الجن والإنس، فلا يجوز لأحد أن يخرج عن شريعته عليه الصلاة والسلام. قال: وكذلك من ظاهر المشركين وأعانهم على المسلمين، وغير ذلك من أنواع الردة التي تحصل بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام الكثيرة. ومن ذلك تحكيم القوانين الوضعية ممن يرى أنها أصلح مما جاءت به الشريعة الإسلامية، أو أنها مساوية لها. هذا أيضًا من الأمور التي يقع فيها الإنسان في الردة. مظاهرة المشركين وإعانتهم على المسلمين -يظاهرهم ويعينهم ويحب نصرتهم ويحب غلبتهم على أهل الإسلام محبة لهم ولدينهم- فهذا مرتد. وهكذا أيضًا تحكيم القوانين الوضعية التي وضعها البشر على شريعة الله جل وعلا، واعتقاد أنها أصلح وأنفع وأفضل من شريعة الإسلام، أو أنها مساوية لشريعة الإسلام -لا فرق بين أن تحكم بشريعة الله أو أن تحكم بالقوانين الوضعية- هذا كفر وردة. أما إن حكم بها ما اعتقاد أن شريعة الله هي الأفضل والأكمل والتي يجب أن يحكم بها، لكن حكم بغيرها لشهوة -لشهوة دنيا من حصول مال أو حفاظًا على كرسي أو نحو ذلك- فهذا واقع كبيرة من كبائر الذنوب. قالوا: على هذا فإنه يمكن حصر الأمور التي تحصل بها الردة فيما يلي: أولًا: القول: كمن سب الله تعالى أو رسوله أو الملائكة، أو ادعى النبوة، أو ادعى علم الغيب. وكذا الشرك بالله تعالى. هذه كلها ردة وكفر يقع بالقول: أن يسب الله تعالى أو يسب الرسول عليه الصلاة والسلام، هذا ما يصدر -يعني من شخص- إلا وقلبه خال من الإيمان، خال من الإيمان. فيتجرأ على سب الله ورسوله أو سب الملائكة، أو من يدعي النبوة أنه نبي -ومعلوم أن النبوة ختمت بالنبي عليه الصلاة والسلام- أو ادعى علم الغيب أنه يعلم الغيب ويطلع على اللوح المحفوظ كما يدعي ذلك غلاة الصوفية، فهذا القول كفر وردة. فالله عز وجل يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. وكذا الشرك بالله تعالى: كدعاء غير الله أو الاستغاثة بغير الله أو طلب المدد والولد وكشف الكربات من غير الله سبحانه وتعالى، فهذا كفر وردة يصدر من القول عن سبيل النطق والقول. ثانيًا: الفعل: كالسجود للصنم والقبر ونحو ذلك -يعني من المخلوقات- على جهة التقرب له والتعظيم، أو إلقاء المصحف -كذلك هذا فعل يوجب الكفر والردة-؛ لأنه استهانة بكلام الله جل وعلا، أو تعمد امتهانه كما يفعل بعض السحرة أو هكذا أيضًا يصدر من بعض المبتدعة الظلال. قال: أو مظاهرة المشركين -يعني معاونتهم ومساندتهم وحب ظهورهم- حب ظهورهم وعلى إعلائهم على أهل الإسلام ومعاونتهم على المسلمين، وغير ذلك. هذا كفر وردة يصدر عن طريق الفعل. قال: ثالثًا: الاعتقاد: مثل اعتقاد الشريك لله تعالى -يعتقد أن لله شريكًا في ربوبيته تصرف في هذا الكون- كما يعتقد ورات الصوفية أن الكون له أقطاب وأوتاد تصرفون في الكون مع الله، هذا شريك في الربوبية. أو يكون في اعتقاد في الألوهية: اعتقاد شريك مع الله جل وعلا في ألوهيته وأنه يستحق أن يعبد وأن يصرف له أنواع العبادات والطاعات. أو اعتقاد الصاحبة أو الولد: اعتقاد أن الله جل له صاحبة -أي زوجة- أو أن الله جل له ولدًا، كما اعتقد ذلك النصارى واليهود. قالت النصارى: المسيح ابن الله. وقالت اليهود: عزير ابن الله. أو اعتقاد حل الزنا أو الخمر -يعني اعتقاد حل ما هو محرم- كاعتقاد أن الزنا حلال أو أن شرب الخمر حلال أو أن الربا حلال، وغير ذلك من المحرمات. أو اعتقاد أن هدي غير النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، فهذا كله كفر وردة عن سبيل الاعتقاد. قال: رابعًا: الشك: كأن يشك في حرمة ما أجمع على تحريمه. وأنا أشك أن الزنا حرام أو أشك أن الخمر حرام أو أشك أن نكاح المحارم حرام، وقس على ذلك. قال: في حرمة ما أجمع على تحريمه، أو حل ما أجمع على حله. أو كذلك إذا شك فيما أجمع على حله -إذا حرم الخبز مثلًا- قال: أنا أشك أن الخبز حلال أو أن الماء حلال. هذه ردة. قال: ومثله ما لا يجهله لكونه نشأ بين المسلمين -مثل هذا الشيء لا يجهل حكمه- حتى يقول مثل ذلك، إلا إذا كان إنسان حديث عهد بإسلام، أسلم حديثًا وهو يجهل أن الزنا حرام، فقال: الزنا حلال. هذا يعذر، يبين له. فإن أصر بعد ذلك على هذا القول فإنه يحكم بكفره. أما إنسان يعيش بين المسلمين ثم يأتي يقول: الزنا أشك في حرمة الزنا أو في حرمة الخمر أو غير ذلك من المحرمات. وهكذا أيضًا الشك في ما يجب اعتقاده: كان يقول: أنا أشك في حصول البعث بعد الموت، أو أشك في وجود الجنة أو في وجود النار أو غير ذلك من أمور الغيب التي يجب الإيمان بها. وبغية المسألة الثالثة وظن الوقت قد انتهى، فنكتفي بهذا القدر إلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.