الدرس في مسائل في الصيام 14، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش المقطع أحكام العيدين، خاصة مسألة اجتماع الجمعة والعيد، حيث يرى أن من صلى العيد له رخصة في عدم حضور الجمعة. كما تطرق إلى حكم رؤية الهلال ووقت صلاة العيد.
يتناول هذا الجزء تفاصيل صلاة العيد وخطبته، حيث تسبق الصلاة الخطبة وتكون الخطبة واحدة. كما يبين حكم التهنئة بعيد الفطر وأفضلية المبادرة بقضاء الصيام لمن أفطر لعذر شرعي.
يناقش هذا الفصل حكم صيام الولي عن الميت الذي عليه صيام، موضحًا الشروط والضوابط لذلك، مثل تمكن الميت من القضاء قبل وفاته وجواز صيام الولي عنه سواء كان قضاء رمضان أو نذر.
يختتم المقطع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، معبرًا عن التقدير والاحترام للنبي، وهي عادة ما تستخدم كبداية أو ختام للكلام أو الكتابة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا مجلسنا الرابع عشر والأخير في هذا الشهر المبارك، الذي نسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا فيه الصيام والقيام وصالح الأعمال، وأن يجعلنا عز وجل فيه من عتقائه من النار، ويعيده علينا ونحن بأتم صحة وعافية في الدين والأبدان. وتتمة للمجلس السابق في ذكر شيء من أحكام العيدين، فإن من مسائل التي أحب أن أذكرها كذلك للفائدة مسألة اجتماع الجمعة والعيد. إذا اجتمعت الجمعة والعيد في يوم واحد، فهل يلزم حضور الجمعة والعيد أو يسقط أحدهما بالآخر؟ هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم. فالحنفية يقولون: لا بد من حضور الجمعة وحضور العيد، فمن حضر العيد لا تسقط عنه الجمعة، بل لا بد أن يصلي الجمعة. وعند الشافعية أن من حضر العيد فإنه يرخص له في حضور الجمعة إذا كان من أهل القرى، وأما أهل المدينة فإنهم يصلون الجمعة ولا رخصة لهم في تركها. وذهب الحنابلة إلى أن من صلى العيد فله رخصة في ترك شهود الجمعة ويصلي ظهرا. وهذا القول هو الأرجح، أن من صلى العيد فله رخصة في عدم حضور صلاة الجمعة، وذلك لما جاء بسنن أبي داود من حديث زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد صلى العيد ثم رخص في حضور الجمعة. فهذه رخصة لمن صلى العيد، أما من لم يصل العيد فيلزمه حضور الجمعة ولا رخصة له. وإنما هذا لمن شهد العيد وصلى العيد وكان هذا اليوم يوم جمعة، فله رخصة في عدم حضور الجمعة، إلا أن الإمام يقيم الجمعة، ومن لم يشهد الجمعة فإنه يصلي ظهرا. وأما القول بأنه ليس عليه شيء لا جمعة ولا ظهر، فهذا قول شاذ. وأكثر أهل العلم على أن من لم يصل الجمعة فإنه يصلي الظهر. هذا لمن أحب أن يترخص، ومن أحب أن يشهد الجمعة فيشهدها وله أجر حضور الجمعة. كذلك أيضا من مسائل المتعلقة بأحكام العيدين مسألة رؤية الهلال. رؤية هلال شوال، لو أن شخصا رأى الهلال وحده، هل يفطر ويصلي العيد أو يبقى مع عامة المسلمين؟ هذه المسألة فيها خلاف، والصحيح أنه إذا رأى الهلال وحده ولم يعتبر، تعتبر رؤيته وأخذ الناس مثلا بالحساب، وإن كان هذا خطأ. لكن لو حصل مثل ذلك، فإن الذي ينبغي عليه أن يصوم مع الناس وأن يفطر معهم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس». فلا يكون هو مفطرا وحده والناس صيام، بل يكون معهم ولا يعتبر برؤيته. كذلك أيضا من هذه المسائل ما لو رؤي الهلال في أثناء النهار. لو رؤي الهلال في أثناء النهار، فإذا رؤي قبل الزوال، فهنا يفطر الناس ويغدون إلى المصلى لصلاة العيد. إذا رأوا الهلال في النهار قبل الزوال، فإنهم يفطرون، يعني هذا إذا كان مثلا في مثل هذا اليوم، فيعتبر هذا اليوم من أول أيام شوال، فحينئذ يفطرون ويغدون إلى المصلى لصلاة العيد. وأما إذا رؤي بعد الزوال، فهنا يفطرون ويصلون العيد في اليوم الثاني، يصلون العيد في الغد، لحديث أبي عمير بن أنس عن عمومة له أنهم شهدوا عند النبي عليه الصلاة والسلام أنهم رأوا الهلال في النهار، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يفطروا وأن يغدوا من الغد إلى مصلاهم، والحديث في سنن أبي داود. كذلك أيضا من المسائل التي تذكر في أحكام العيدين وقت صلاة العيد. متى تصلى صلاة العيد؟ صلاة العيد تصلى في وقت صلاة الضحى، بعد ارتفاع الشمس قيد رمح. هذا قول عامة أهل العلم أن صلاة الضحى تصلى في وقت التسبيح. ويستحب في صلاة عيد الفطر أن تؤخر الصلاة، وفي عيد الأضحى أن تقدم. يعني تصلى صلاة عيد الأضحى في أول الوقت، وصلاة عيد الفطر تؤخر شيئا قليلا حتى يتسنى للناس إخراج زكاة الفطر، لأن إخراج زكاة الفطر في هذا الوقت هو أفضل وقت لإخراجها، وهو قبل صلاة العيد وبعد فجر يوم العيد، هذا أفضل وقت لإخراج زكاة الفطر. فلهذا يستحب أن تؤخر الصلاة شيئا ما حتى يتمكن الناس من إخراج زكاة الفطر. وأما في عيد الأضحى، فإن المستحب أن تعجل الصلاة حتى يتعجل الناس إلى ذبح أضحياتهم. وكذلك أيضا هل لصلاة العيد خطبة أو خطبتان؟ ذهب جماعة من أهل العلم ومن فقهاء قالوا بأن العيد يخطب لها خطبتان، يخطب لها خطبتان، استدلوا بحديث ضعيف لا يصح. ومنهم من قاسها على الجمعة، وهو قياس مع الفارق. والذي صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين حديث جابر وأنس وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العيد وخطب الناس، ولم يقل أحد من الصحابة أنه خطب خطبتين كما ذكروا ذلك في خطبة الجمعة. لما كانت الجمعة خطبتان ذكر الصحابة ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الناس خطبتين يفصل بينهما بجلوس. لكن في خطبة العيد ما ذكروا شيئا من ذلك. والأصل في الخطبة أنها واحدة، فهذا هو الأصح في خطبة العيد أنها خطبة واحدة. وأن النبي عليه الصلاة والسلام لما خطب الرجال ثم ذهب إلى النساء فوعظهن ليس معنى هذا أنه خطب خطبتين، هو خطب للرجال خطبة واحدة، لكن لما أراد أن يعظ النساء ويذكرهن وربما لا يبلغ صوته إليهن، فاحتاج أن يعظ النساء ويذكرهن على جهة الخصوص، فأتى النساء فوعظهن وذكرهن. وهذا لا يدل على أنه خطب خطبتين، فهذا هو الأرجح بخطبة العيد أنها واحدة. وكذلك أيضا السنة في خطبة العيد أن تكون بعد الصلاة، أن تكون بعد الصلاة، هذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة. في حديث بسعيد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج إلى المصلى في الفطر والأضحى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، أول شيء يبدأ به الصلاة، ثم إذا فرغ من الصلاة خطب الناس. وأما تقديم الخطبة على الصلاة فهذا كما ذكر أهل العلم من بدع مروان بن الحكم، أمر بن أمية، فهو أول من قدم الخطبة على صلاة العيد. وأما سنة النبي صلى الله عليه وسلم فهو تقديم الصلاة ثم تكون الخطبة بعد ذلك. والخطبة بعد صلاة العيد مستحبة، وحضورها كذلك مستحب، ليس بلازم حضورها مستحب. والأفضل للمسلم أن يحضر أن يستمع وينتفع بما يسمع ويجد كذلك أجر هذا المجلس. وكون شهود الخطبة مستحب ليس معنى هذا أن الإنسان يجلس ويتكلم مع صاحبه ومع جاره ويشوش على الحاضرين، لا، إذا حضرت فعليك أن تنصت وأن تسكت حتى لا توذي أحدا من الحاضرين الذين يريدون أن يستمعوا وينتفعوا. فلذلك إما أن تحضر تسكت، وإما أن تنصرف. كذلك أيضا من المسائل مسألة التهنية في يوم العيد. هل ثبت عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أنهم كانوا إذا التقوا في يوم العيد هنأ بعضهم بعضا؟ نعم، جاء في أثر عن جبير بن نفير أنه نقل هذا عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. وهكذا أيضا صح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وقال الإمام أحمد رحمه الله في هذا الأثر: أسانيده جيدة. فلا بأس أن يهنأ المسلم أخاه المسلم إذا لقيه في يوم العيد بقوله: «تقبل الله منا ومنك»، أو نحو ذلك من العبارات التي يكون فيها التهنية، مثل «عيدكم مبارك» أو نحو ذلك، فهذا لا بأس به. ومن ترك ليس عليه شيء، لأن ليس بهذا السنة مأمور بها من النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما ثبت كما سمعنا ذلك عن بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. فإذا فعله الإنسان فلا حرج، وإذا ترك فلا حرج. لكن من هنئه فينبغي عليه أن يرد، من باب وجوب رد التحية. من قال لك: «تقبل الله منا ومنك»، تقول: «آمين» أو «وإياك» أو نحو ذلك من العبارات. ولا يلزمك أو لا يجب عليك أن تبتدئ ذلك، لكن لا بأس لو بدأ الإنسان فهنأ غيره، فلا بأس بذلك. وهذه التهنية «تقبل الله منا ومنك» هي أفضل بلا شك من قول بعض المسلمين: «كل عام وأنتم بخير»، فهذه العبارة كما يقول أهل العلم ما جاءت إلا من الكفار. فالأولى تركها، والاستغناء بمثل هذه العبارات الطيبة «تقبل الله منا ومنكم» ونحو ذلك. فهذه بعض المسائل التي أحببت ذكرها والتنبيه عليها. وكذلك أيضا مما ينبه له في مثل هذا المقام التنبيه على مسألة القضاء، قضاء الصيام. فالآن نحن في آخر يوم من أيام رمضان، ورب بعض المسلمين قد أفطر شيئا من أيام رمضان لعذر من مرض أو نحو ذلك، فينبه على أن أمر القضاء وإن كان موسعا، وإن كان موسع للإنسان أن يقضي ولو في شعبان قبل رمضان القادم. لكن الأولى والأفضل والأكمل أن يبادر أن يبادر بالقضاء، لقول الله عز وجل: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾، وقوله عز وجل: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض﴾، وغير ذلك من الآيات التي فيها الحث على المسارعة والمبادرة. فكل الإنسان يسارع ويبادر إلى القضاء، هذا أفضل. كذلك أيضا بالنسبة لمن مات، هل يصام عنه أو لا يصام عنه؟ النبي عليه الصلاة والسلام يقول في حديث صحيح رواه الشيخان: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه». متى يصوم الولي عن من مات؟ والولي المراد به القريب، قريب الميت، سواء كان وارثا له أو غير وارث. قال أهل العلم: الذي أفطر في رمضان لعذر كمرض، أفطر في رمضان لمرض ثم استمر به المرض إلى أن مات، يعني خرج رمضان وهو ما زال مريض، دخل شوال وهو ما زال مريض، ودخل ذي القعدة وهو ما زال مريض، ثم مات وهو ما زال مريضا، لم يتمكن من القضاء، هذا ليس عليه صيام، لا يصام عنه ولا يطعم عنه. لماذا؟ لأنه لم يجب عليه الصيام، لم يجب عليه الصيام لأنه لم يتمكن من قضاء هذا الصيام. أما من أفطر في رمضان لعذر ثم شفي من هذا المرض وتمكن من القضاء ولم يقض ثم مات، فهذا الذي يصام عنه. إنسان أفطر في رمضان مثلا أربعة أيام أو خمسة أيام ثم شفي وأصبح متعافيا، وبعد رمضان في شوال في ذي القعدة توفي وهو قد تعافى وتمكن من القضاء ولم يقض، فهذا الذي يصام عنه. «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، هذا الذي يصام عنه. وهذا الصوم الذي عليه سواء كان صوم واجب أصل الشرع كقضاء رمضان، أو كان صوم نذر، لو أن إنسان نذر أن يصوم ثم مات ولم يصوم، فهذا يصام عنه، لأن قوله عليه الصلاة والسلام: «من مات وعليه صيام»، صيام نكرة في سياق الشرط، تفيد العموم، فيعم ذلك أي صيام، سواء كان صيام نذر أو صيام قضاء من رمضان. وقوله عليه الصلاة والسلام: «صام عنه وليه»، صام فعل ماض، والمراد به الأمر، صام عنه أي ليصم عنه وليه. ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب صيام هذا الولي عن قريبه الذي مات وعليه الصيام. وجمهور أهل العلم على أن الصوم عنه مستحب، أن الصوم عنه مستحب، وذلك لقول الله عز وجل: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، فلا يتحمل الولي ما على هذا الميت من صيام، لكن يستحب له أن يصوم عنه. فهذه المسألة ما يتنبه له، فإنه يصام عن الولي إذا تمكن من القضاء ثم مات ولم يقض، فإنه يصام عنه. وهذا الصيام هل يشترط فيه التتابع؟ الجواب لا، لا يشترط فيه التتابع، فلو كان عليه مثلا خمسة أيام، فيصوم عنه، أراد أن يصوم عنه مثلا في كل اثنين وخميس، لا بأس. لا يشترط التتابع إلا إذا كان الصيام الذي عليه مما يشترط فيه التتابع ككفارة، كفارة صيام شهرين متتابعين، فهنا لا بد من التتابع. ويجوز كذلك أن يجتمع جماعة من أقاربه فيصوموا عنه، يصوموا عنه، مثلا لو عليه خمسة أيام من رمضان، فاجتمع خمسة من الأقارب وصاموا في يوم واحد، أجزأ ذلك عنه. هذا يصوم هذا اليوم، وهذا يصوم خمسة، صاموا في يوم واحد، أرادوا بهذا الصيام عن هذا الميت ما عليه من خمسة أيام، فذلك مجزئ. وأما إذا كان الصوم يشترط فيه التتابع، فلا بد من تتابع الصيام، ولو كان من أقارب مختلفين، مثلا هذا يصوم أسبوع، الثاني يصوم بعده أسبوع، الثالث يصوم بعده أسبوع، وهكذا حتى تتتابع الشهرين، هذا أيضا جائز. فكذلك هذا الأمر يتنبه له. وأخيرا فينبغي للمسلم أن يستمر على طاعة الله جل وعلا، وقد أقبله على طاعة الله جل وعلا في هذا الشهر المبارك، بالمحافظة على الصلوات والإقبال على تلاءة كتاب الله جل وعلا، والبعد عن المعاصي والمحرمات. فيستمر على هذا الخير الذي وفقه الله جل وعلا له، ولا يكن كحال بعض الناس الذي ربما يعقد النية في قلبه أنه يتوب في رمضان، يتوب في رمضان، وفي نيته إذا انتهى رمضان أن يترك هذه التوبة ويرجع إلى ما كان عليه من الذنوب والمعاصي والمحرمات. فهذه التوبة غير صحيحة، ولا ينتفع صاحبها. نعم، الأعمال التي عملها في رمضان يؤجر عليها، لكن كونه ينوي أنه إذا انقضى رمضان أن يرجع إلى ما كان عليه، فهو بهذا يعني يهدم ما أراد أن يبنيه من الخير. والذي ينبغي أن يجدد التوبة مع الله جل وعلا، وأن تكون توبته توبة نصوحا، وتوبة صادقة، بالكف عن ما حرم الله عز وجل، والعزم على عدم العود والرجوع، والندم على ما قد حصل منه، ولزوم طاعة الله جل وعلا حتى يلقى الله عز وجل. والله عز وجل يقول: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يتقبل منا جل وعلا الصيام والقيام وصالح الأعمال، وأن يجعلنا عز وجل من عتقائه من النار في هذا الشهر المبارك، وأن يجعلنا سبحانه ممن دخل عليهم رمضان فكفر عنهم ذنوبهم وخطاياهم وسيئاتهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.