الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 85، ألقاها
يؤكد على أهمية تبليغ العلم وتعليم الناس السنة النبوية، ويستشهد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة والتابعين. يشدد على ضرورة تعليم الناس السنة وتبليغها حتى لو كانت آية واحدة.
يؤكد الإمام على أهمية السؤال في نشر العلم وحفظه، ويستشهد بآثار حول هذا الموضوع، مشيرا إلى أن السؤال يمنع موت العلم مع صاحبه عند وفاته. كما يشير إلى أن التواضع ضروري لطلب العلم.
يتناول أهمية نشر العلم والإنفاق منه، حيث يشبه العلم بالكنز الذي ينفق في سبيل الله، ويحذر من إمساك العلم دون تعليمه للآخرين. كما يذكر آثارًا وأحاديث نبوية تؤكد أن العلم الذي ينتفع به هو الذي يُشرك به غير صاحبه.
يروي حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم حول طلب العلم، ثم يذكر ضعف هذا الحديث بسبب رواة كذابين. الحديث ضعيف السند بسبب محمد بن حميد الرازي وأبي داود الأعمى.
الحمد لله رب العالمين. قال: حدثنا الأوزاعي عن حسان عن أبي كبشة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». وهذا الحديث الصحيح. قال: أخبرنا علي بن حجر السعدي قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا العوام بن حوشب أبو عيسى الشيباني قال: حدثنا القاسم بن عوف الشيباني عن أبي ذر قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يغلبنا على ثلاث: أن نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، ونعلم الناس السنة. والقاسم بن عوف لم يسمع من أبي ذر، فهو منقطع. قال: أخبرنا أبو المغيرة قال: حدثنا صفوان قال: حدثني سليم بن عامر قال: كان أبو أمامة إذا قعدنا إليه يجيء من الحديث بأمر عظيم، ويقول لنا: «اسمعوا وعقلوا وبلغوا عنا ما تسمعون». قال سليم: بمنزلة الذي يشهد على ما علم. وهذا الأثر صحيح. قال: رحمة الله أخبرنا عبد الوهاب بن سعيد قال: حدثنا شعيب هو ابن إسحاق قال: حدثنا الأوزاعي قال: حدثنا أبو كفير قال: حدثني أبي قال: أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى، وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه، فأتاه رجل فوقف عليه ثم قال: ألم تنه عن الفتيا؟ فرفع رأسه إليه فقال: أرقيب أنت علي؟ لو وضعتم الصمصامة -والصمصامة السيف القاطع- لو وضعتم الصمصامة على هذه وأشار إلى قفاه، ثم ظننت أني أن أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تجيز علي لأنفذتها. وهذا الأثر صحيح. وهذا من حرصه رضي الله عنه على تبليغ حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك تعليم الناس سنة النبي صلى الله عليه وسلم. قال: رحمه الله أخبرنا محمد بن عيسى قال: حدثنا عباد هو من العوام عن عوف عن أبي العالية قال: سألت ابن عباس عن شيء فقال: يا أبا العالية، أتريد أن تكون مفتيا؟ قلت: لا، ولكن لا آمن أن تذهب ونبقى. فقال: صدق أبو العالية. وهذا الأثر صحيح. قال: رحمه الله أخبرنا محمد بن عيسى قال: حدثنا عباد عن حسين عن إبراهيم قال: كان عبيدة يأتي عبد الله كل خميس -أي النسعود- فيسأله عن أشياء غاب عنها، فكان عامة ما يحفظ عن عبد الله مما يسأله عبيدة عنه. والأثر صحيح. قال: رحمه الله أخبرنا الحكم بن المبارك قال: حدثنا غسان هو ابن مضر عن سعيد بن يزيد قال: سمعت عكرمة يقول: ما لكم لا تسألوني؟ أفلستم... والأثر صحيح. وسؤالهم ذلك لأن يسألوهم من باب نشر العلم وتبليغ حديث النبي عليه الصلاة والسلام، فإن العلم مفاتيح أو كنوز مفاتيح، والسؤال كما يقول الإمام الزهري رحمه الله -كما سيأتي هذا الأثر- ينشر العلم ويحفظ بسؤال أهل العلم، فإن العالم سيموت، فإن لم ينشر هذا العلم الذي معه مات معه، فإذا نشره وعلمه غيره انتقل إلى غيره، ثم من أخذه منه علمه غيره، وهكذا يتناقل ويحفظ العلم. قال: رحمه الله أخبرنا محمد بن حاتم المكتب قال: حدثنا عامر مصالح قال: حدثنا يونس عن ابن شهاب قال: العلم خزائن وتفتحها المسألة. لكن هذا الأثر بهذا السند ضعيف، فعامر مصالح متروك، لكن صح هذا الأثر من طرق أخرى. قال: رحمه الله أخبرنا إبراهيم بن إسحاق عن جرير قال: قال إبراهيم: من رق وجهه رق علمه. وهذا صحيح. وكيع عن أبيه عن الشعبي قال: من رق وجهه رق علمه. وهو صحيح. قال: رحمه الله عن ضمرة عن يحيى بن عمر قال: قال عمر بن الخطاب: من رق وجهه رق علمه. وأثر هذا منقطع في حفظ بن عمر. الأثر منقطع بين يحيى بن عمر وبين عمر. قال: رحمه الله أخبرنا إبراهيم بن إسحاق عن جرير عن رجل عن مجاهد قال: لا يتعلم من استحيا واستكبر. والأثر بهذا السند الضعيف فيه رجل مجهول، لكن الأثر مشهور عن مجاهد، قد ذكره البخاري رحمه الله في صحيحه معلقا: «لا ينال العلم مستحي ولا مستكبر». فالذي يستحي أن يسأل ويستحي أن يجلس في مجالس العلم يحرم العلم، والذي يتكبر عن السؤال وعن الجلوس وحضور مجالس العلم كذلك يحرم العلم، فلا ينال العلم إلا بالذل أن يذل الإنسان نفسه ويتواضع لغيره، وهكذا أيضا أن يذهب الحياء فيسأل عما أشكل عليه في أمور دينه. قال: رحمه الله أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي خلف قال: حدثنا أنس بن عياض عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يجمع بينه أنه كان يجمع بنيه فيقول: «يا بني تعلموا، فإن تكون صغار قوم فعسى أن تكون كبار آخرين، وما أقبح على شيخ يسأل ليس عنده علم». والأثر صحيح. هكذا كان يحث أبناءه رحمه الله -أي عروة بن الزبير- ويقول لهم: بأنكم اليوم صغار، لكن غدا ستكبرون، اليوم ربما لا يحتاج لكم ولا تسألون، وغدا سيأتي من يسألكم، فكيف يكون جوابكم إذا لم تكونوا متعلمين؟ قال: أخبرنا أبو النعمان قال: حدثنا حماد بن زيد عن الزبير بن الخريت عن عكرمة قال: كان ابن عباس يضع في رجلي الكبل ويعلمني القرآن والسنن. والأثر صحيح. الكبل يعني القيد، يقيده ويعلمه القرآن والسنن. قال: أخبرنا محمد بن حميد وهو الرازي كذاب قال: حدثنا يحيى بن الضريس قال: سمعت سفيان يقول: من ترأس سريعا أضر بكثير من العلم، ومن لم يترأس طلب وطلب حتى يبلغ. والأثر ضعيف. قال: أخبرنا محمد بن يوسف قال: عن سفيان عن الأعمش عن صالح بن خباب عن حسين بن عقبة -وحسين بن عقبة روى عنه جمع، وثقه العجلي وابن حبان، فهو مجهول الحال- عن سلمان قال: علم لا يقال به ككنز لا ينفق منه. ومعنى صحيح، فإن العلم كنز، وانفاق هذا الكنز بتعليمه للناس، فإذا أمسك صاحب العلم بعلمه ولم يعلم الآخرين فهو كالكنز الذي لا ينفق منه، فإنه لا بركة فيه، ورمما ذهب هذا الكنز مضمحل، وهكذا العلم إن لم ينفق. قال: رحمه الله أخبرنا أحمد بن عبد الله قال: حدثنا أبو شهاب قال: حدثني إبراهيم عن أبي عياض عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل علم لا ينتفع به كمثل كنز لا ينفق منه في سبيل الله». قال: رحمه الله، وهذا الأثر حسن. وقد صحح البيهقي رحمه الله في مشكاة المصابيح. قال: رحمه الله أخبرنا -يعني- قال: حدثنا محمد هو ابن إسحاق عن موسى بن يسار عمه قال: أبلغني أن سلمان كتب إلى أبي الدرداء: «إن العلم كالينابيع يغشاهن الناس فيختلج هذا وهذا فينفع الله به غير واحد، وإن حكمة لا يتكلم بها كجسد لا روح فيه، وإن علما لا يخرج ككنز لا ينفق منه، وإنما مثل العالم كمثل رجل حمل سراجا في طريق مظلم يستضيء به من مر به، وكل يدعو له بالخير». وهذا الأثر منقطع. قال: رحمه الله أخبرنا محمد بن الصلت قال: حدثنا منصور بن أبي الأسود عن أبي إسحاق الشيباني عن حماد عن إبراهيم قال: يتبع الرجل بعد موته ثلاث خلال: صدقة تجري بعده، وصلاة ولده عليه، وعلم أفشاه يعمل به بعده. وهذا الأثر صحيح. وقد ثبت بالسنة، سيأتي ذكر الحديث بعد هذا الأثر. قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر قال: عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، أو صدقة تجري له، أو ولد صالح يدعو له». والحديث في صحيح الإمام مسلم. قال: أخبرنا عبيد بن يعيش قال: حدثنا يونس عن صالح بن رستم المزني عن الحسن عن أبي موسى أنه قال حين قدم البصرة: «بعثني إليكم عمر بن الخطاب أعلمكم كتاب ربكم وسنتكم وأنظف طرقكم». وهذا الأثر في ضعف، صالح بن رستم كثير الخطأ كما في التهذيب، وأيضا في عنعنة الحسن وهو مدلس. قال: أخبرنا محمد بن حميد قال: حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا زياد بن خيثم عن أبي داود عن عبد الله بن سخبرة عن سخبرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من طلب العلم كان كفارة لما مضى». وهذا الأثر ضعيف، محمد بن حميد هو الرازي كذاب، وأبو داود هو الأعمى كذاب. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.