التعليق على منظومة السير إلى الله للسعدي 6

الدرس في التعليق على منظومة السير إلى الله للسعدي 6، ألقاها

الكمال في العبادة والصبر على الطاعة

الكمال في العبادة يكون بالاجتهاد في الفرائض والإكثار من النوافل مع رؤية التقصير. الصبر ضروري لفعل الطاعات وترك المعاصي، وهو ثلاثة أقسام.

أقسام الصبر وعلاقتها بطاعة الله

الصبر على طاعة الله وترك المعاصي وأقدار الله المؤلمة يؤدي إلى نيل المنازل العالية. الطاعات تحتاج إلى صبر لأنها قد تكون مكروهة للنفس.

أهمية الصبر في ترك المعاصي وطاعة الله

الصبر على ترك المعاصي يحتاج إلى رغبة في ثواب الله وخوف من عقابه. حث النفس على طاعة الله ورغبتها في الثواب والأجر ضروري.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعد رحمه الله في منظومته في السير إلى الله والدار الآخرة: «قال فعل الفرائض والنوافل لدابهم مع رؤية التقصير والنقصان». قال: هذا هو الكمال، وهو أن يجتهد في أداء الفرائض والإكثار من النوافل، ويرى نفسه مقصرا مفرطا. فاجتهاده في الأعمال ينفي عنه الكسل، ورؤية تقصيره ينفي عنه العجب الذي يبطل الأعمال ويفسدها. بعد أن ذكر رحمه الله أن أهل السعادة يتقربون إلى الله جل وعلا بفعل الطاعات وترك المعاصي والمحرمات، فهم مع فعل هذه الفرائض والواجبات وإتباع ذلك بنوافل الطاعات، فإنهم لا يغترون بهذه الأعمال، ولا يرون أنهم قد أدوا العبادة على أكمل وجه، بل يرون في أنفسهم التقصير، وهكذا أيضا النقصان في العمل. وهذا هو الكمال، كما قال رحمه الله: أن يجتهد العبد في أداء الفرائض والواجبات والإكثار من نوافل الطاعات التي هي مكملة للفرائض، ويرى نفسه مقصرا مفرطا. يعني: عنده اجتهاد في العبادة والطاعة، وفي نفس الوقت يرى نفسه أنه مقصر في طاعة الله سبحانه وتعالى. وهذا حال المؤمن. كما مر معنا ذكر أثر الحسن البصري رحمه الله حين قال: «المؤمن جمع إحسانا وخوفا، والمنافق جمع إساءة وأمنا». فالمؤمن يعمل الأعمال الصالحة ويحسن في أعماله، وهو كثير الخوف من الله جل وعلا، ويرى في نفسه التقصير والتفريط، فيجتهد في الأعمال. واجتهاده في هذه الأعمال ينفي عنه الكسل والخمول، ويورثه الجدة والاجتهاد ومجاهدة هذه النفس في طاعة الله سبحانه وتعالى. ورؤيته لتقصير نفسه هذا ينفي عنه العجب والغرور الذي ربما يقع فيه بعض العباد حين يرى أنه عنده اجتهاد وأعمال صالحة كثيرة من صلاة وصيام وصدقة وقراءة للقرآن، فيقع في قلبه العجب، فيكون ذلك قاصما لظهره ومبطل لأعماله مفسدا لها. فإن العجب يفسد الأعمال، وكذلك أيضا يورث صاحبه الذم والتوبيخ. قال رحمه الله: «صبر صبر النفوس على المكاره كلها، شوقا إلى ما فيه من إحساني». قال رحمه الله: الصبر هو حبس النفس على ما يكره الإنسان إذا كان فيه رضا الرحمن. الصبر: حبس النفس عن التسخط، واللسان عن التشكي، والجوارح عن ضرب الخدود وشق الجيوب. فيكون العبد محتسبا صابرا، حابسا لهذه النفس عن كل ما فيه معنى من معاني التسخط، وعدم الرضا بما قضى الله سبحانه وتعالى وما فرض سبحانه وتعالى، سواء كان ذلك فيما يتعلق في فعل الطاعات والقربات، أو فيما يتعلق بترك المعاصي والمحرمات، أو كان الصبر على أقدار الله جل وعلا المؤلمة. قال: وصبر ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله حتى يؤديها، وصبر عن معاصي الله حتى يتركها، وصبر على أقدار الله المؤلمة فلا يتسخطها. صبر على طاعة الله حتى يؤديها، ففعل الطاعات يحتاج إلى صبر. لماذا؟ لأن الطاعات فيها ما تكرهه هذه النفس. وكما نعلم أن الجنة حفت بالمكاره، كما جاء في صحيح ﴿عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ﴾ «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات». وفي رواية: «حجبت بدل حفت». يعني: جعل بين العبد وبين وصوله إلى الجنة حجاب، وهو المكاره، وبينه وبين النار حجاب، وهي الشهوات. فإذا تجاوز هذا الحجاب -بمعنى فعل هذه المكاره- ولم تصده هذه المكاره عن طاعة الله سبحانه وتعالى، فإنه يتجاوز هذا الحجاب إلى الجنة. وهكذا في فعل الذنوب والمعاصي، فالنار حفت وحجبت بالشهوات، فإذا وقع في هذه الشهوات، فإنه ماذا يتوصل إلى الوقوع في هذا الحجاب، ويتجاوز هذا الحجاب الذي بينه وبين النار، وهي فعل الشهوات، فيكون ذلك سببا في وقوعه في النار. فعل الطاعة يحتاج إلى صبر لملازمتها والمحافظة على أدائها، وهكذا أيضا احتساب الأجر والثواب من الله جل وعلا في فعلها. وهكذا المعاصي كذلك تحتاج إلى صبر في الابتعاد عنها والبعد عن فعلها، مع ما يوجد في نفس الإنسان من حب الشهوات والملذات، وكذلك أيضا ما جعل الله عز وجل من نفسه الأمارة بالسوء التي تأمره بفعل ما تشتهي هذه النفس، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾. فالنفس تأمر صاحبها بفعل الشهوات وارتكاب المحرمات، وأن تقع في ملاذها، وإن كان ذلك في سخط الله جل وعلا وغضبه. فإذا ساقها صاحبها وأخذ بزمامها إلى ما يسوقها إلى طاعة الله جل وعلا ورضاه، وصبر على ترك هذه المعاصي وحبس نفسه عنها، وربما نفسه تدعوه إلى فعلها، لكنه لأجل طاعة الله جل وعلا ورغبته فيما عند الله سبحانه وتعالى، فإنه يحبس هذه النفس عن معصية الله جل وعلا. وكما قال القائل: «وإنك مهما تعطي بطنك سؤله، وفرجك نال منتهى الذنب أجمعا». إذا أعطيت بطنك كل ما تريد وتسأل، وفرجك كذلك كل ما يريد من الشهوات والمحرمات، كان ذلك سببا لأن تنال الذنب في الدنيا وفي الآخرة. لكن إن حبستها وصبرت، كان ذلك سببا في رفعتك ونيلك للمنازل العالية والدرجات الرفيعة. وهكذا الصبر على أقدار الله جل وعلا المؤلمة فيما قضاه الله سبحانه وتعالى قدرا وكونا، أن يصيب الإنسان من مرض أو وجع أو فقد مال أو ولد أو أهل أو أصحاب أو غير ذلك مما قد يبتل الله سبحانه وتعالى به العبد، فإنه إذا صبر على هذه الأقدار صبرا يريد به ما عند الله جل وعلا من الأجر والثواب، فإنه بذلك يكون قد حقق منزلة عظيمة من منازل الإيمان. قال رحمه الله: «فإذا كسلت نفسه عن طاعة الله حثها عليها وألزمها ورغبها إياها بثوابها». فالنفس قد يصيبها شيء من الكسل والفتور والضعف في العبادة، فيرغبها في طاعة الله سبحانه وتعالى بما لها من الثواب والأجر عند الله سبحانه وتعالى، وما يدخر الله جل وعلا له من الأجر العظيم. وأعظم ذلك دخول الجنة والفوز بنعيم دار المتقين التي لا تزول ولا تنتهي، فذلك يشوقها إلى القيام بطاعة الله سبحانه وتعالى والصبر على طاعة الله جل وعلا. قال: «وإذا اشتد الدواعي نفسه إلى معصية الله كفها عنها وحذرها وبالها وعاقبة فعالها». إذا اشتد الدواعي نفسه إلى معصية الله، فدواعي النفس قد تشتد على العبد وتغلبه الشهوة، ويرى كذلك الشيطان قد يزين للإنسان فعل المعصية والذنب، فإذا وقع في مثل ذلك فإنه يكفها عن ذلك ويصبر ويتحمل لما خوفا من عقاب الله ومن عذاب الله سبحانه وتعالى. فإذا فعل ذلك صبر على ترك هذه المعصية، رغبة فيما عند الله سبحانه وتعالى من الثواب والأجر، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. فهو يصبر نفسه ويخوفها عقاب الله جل وعلا، رغبة فيما عند الله جل وعلا من الثواب، فذلك يصبره على ترك المعاصي والذنوب. قال: «فالصبر محتاج إليه في كل الأمور». نكتفي بهذا القدر، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على