الدرس في شرح الدرة البهية في شرح القصيدة التائية 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح أصل ضلال الخلق في الخوض في أفعال الله بجهل، وأن الله أوجد الكون بمشيئته وقدرته. أفعال الله تابعة لحكمته وتشمل ربوبيته وألوهيته وأسماءه وصفاته.
يؤكد أن أفعال الله محكومة بالحكمة والرحمة، وعقول البشر تعجز عن إدراك كامل حكمته. الله حكيم في خلقه وأفعاله وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.
يناقش مسألة واجب الله على العباد ويرد على المعتزلة، ويشرح علاقة الشريعة بالعقل. الشريعة جاءت بما يحار العقل في حسنه ولم تأتِ بما يستحيل على العقل إدراكه.
الحمد لله، صلاة وسلامًا على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه، أما بعد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في قصيدته التائية في القدر: وأصل ضلال الخلق في كل فرقة هو الخوض في فعل الإله بعلتي فإن جميع الكون أوجب فعله مشيئة رب الخلق بار الخليقة وذات إله الخلق واجبة بما لها من صفات واجبات قديمة مشيئته مع علمه ثم قدرة لوازم ذات الله قاضي القضية وإبداعه ما شاء من مبدعاته بها حكمة فيه وأنواع رحمته قال الشارح العلامة السعدي رحمه الله: قال يذكر الشيخ أن أصل ضلال الخلق من جميع فرق الضلال هو الخوض في فعل الرب، يعني في أفعال الله سبحانه وتعالى بجهل وبعين عوراء. قال: وذلك أن جميع الكون، العالم العلوي والسفلي، وما فيهن من المخلوقات، خلقها الله وأوجدها بمشيئته وقدرته، فإنه تعالى هو الواجب بأسمائه وصفاته القديمة التي لا أول لها. وقوله: هو الواجب، يعني واجب الوجود، وهذا التعبير سيأتي أن الشارح رحمه الله عبر به في بعض المواضع، وهو من تعابير أهل الكلام، ويقصدون به وصف الله سبحانه وتعالى بأنه واجب الوجود، أي وجوده لا بد منه، وأنه لا يفنى ولا يزول. وأما المخلوقات، فتوصف بأنها جائزة الوجود، وإن كان الأولى ترك مثل هذا التعبير، والتعبير بتعبير آخر ليس فيه شيء من مشابهة أهل الكلام في تعابيرهم. والشيخ يريد إثبات معنى هذا اللفظ، وهو أنه سبحانه وتعالى صفاته أزلية، وكذلك أيضًا ذاته سبحانه وتعالى لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال، فوجوده لا بد منه، فإنه لا يفنى ولا يزول، بخلاف المخلوقات التي سبقها العدم، ويلحقها الزوال، وهي تزول وتنتهي بلا شك ولا ريب. قال: فإنه تعالى هو الواجب بأسمائه وصفاته القديمة التي لا أول لها، لأنه الأول الذي ليس قبله شيء، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث: «أنت الأول فليس قبلك شيء». وهذا وصف الله سبحانه وتعالى بوجود الأزلي الذي لم يسبق بعدم، فلم يكن أحد قبل الله عز وجل، وفي الحديث الآخر: «كان الله ولم يكن شيء قبله، ثم بعد ذلك خلق السماوات والأرض» إلى آخر ذلك من المخلوقات. قال: ولم يزل بأسمائه وصفاته كذلك، لم يزل بأسمائه وصفاته كذلك، يعني موصوف بصفات الكمال، وهو موصوف بالأسماء والصفات قبل وجود ماذا؟ هذه الصفات، يعني وجود أثرها، فهو تسمى بالخالق، ووصف بالخلق قبل وجود المخلوقات، قبل وجود المخلوقات، وسمي بالرازق، واتصف بصفة الرزق قبل وجود هذه المرزوقات من الخلق إلى آخره. قال: فإذا كانت أوصافه كلها قديمة واجبة، لأنه واجب الوجود، فمن لوازم صفاته اللازمة لذاته العلم المحيط بكل شيء، والقدرة الشاملة لكل شيء، والمشيئة العامة لكل موجود، فهو تعالى لم يزل عليما فعالا لما يريد. وأفعاله تعالى، وإبداعه لمبتدعاته، إبداعه يعني خلقه للأشياء التي لم تكن موجودة من قبل، تابعة لحكمته التي هي وضع الأشياء مواضعها، وتنزيل الأمور منازلها، فلم يخلق ولن يخلق شيئا عبثا، تعالى الله عز وجل أن يكون خلقه عبثا. بل خلق الله عز وجل الخلائق لحكمة عظيمة، ولغاية جليلة، خلق الجن والإنس لعبادته وطاعته، ووجدهم في هذه الدنيا ليبتليهم ويختبرهم ويمتحنهم، نعم، ويجازيهم بعد ذلك في الآخرة من بالحسنة بمثلها وزيادة، والسيئة بمثلها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. قال: بل خلق المخلوقات، أبدع المبدعات بالحق وللحق، فهي صدرت عن الحق، أي عن الله سبحانه وتعالى، واجتمعت على الحق، وكانت غاياتها المقصودة الحق، فهذا التقرير الصحيح لمذهب أهل السنة والجماعة، وهو الذي دلت عليه الأدلة الكثيرة. كما أنه تعالى أخبر أنه على كل شيء قدير، وأنه فعال لما يريد، وأنه إذا أراد أمرا قال له: كن فيكون، وأن كل شيء خلقه بقدر، وكل صغير وكبير مستطر، فكذلك قد أخبر أنه الحكيم الذي شملت حكمته كل شيء. وأنه خلق السماوات والأرض ومن فيهن بالحق، ولم يخلقهما باطلا، «ذلك ظن الذين كفروا وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار»، هذا ظن الكافرين أن الله خلق السماوات والأرض لغير حكمة ولغير غاية ولغير مقصد. أما المسلم المؤمن، فهو يعلم أن الله عز وجل خلقهما لحكمة عظيمة، «وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ولكن أكثر الناس لا يعلمون»، قال: «أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون»، قال ابن عباس: «لا تؤمرون ولا تنهون»، يوجد الإنسان في هذه الدنيا كالبهيمة يأكل ويشرب ويلعب ويمرح، ثم لا حساب ولا جزاء. هل يظن العبد أن خلقه هكذا عبثا وأنه لا رجوع له إلى الله فيحاسبه على أعماله وعلى أفعاله وأقواله؟ قال: «أيحسب الإنسان أن يترك سدى» وهو أيضًا بهذا المعنى، السدى يعني لا يؤمر لا ينهى، أظن ذلك الإنسان أن يكون هذا حاله وخلق ووجد في هذه الدنيا من غير حكمة. قال: إلى غير ذلك من الآيات الدالات على الأصلين، وهما عموم مشيئته لكل موجود، وشمول حكمته للخلق والأمر، هذا قال: هذا الذي يتعين على المكلفين الاعتراف به واعتقاده. أما مذهب الجبرية، فإنهم زعموا أن فعل الرب وإبداعه لجميع المبتدعات لغير حكمة، بل أوجدها عندهم بمشيئة مجردة، وقالوا: «إنه لا يسأل عما يفعل»، الجبرية الجهمية قالوا: إن خلق الله عز وجل للخلق ليس لذلك حكمة، ويعني غاية ومقصد، وإنما هو مجرد مشيئته، أنه أراد ذلك بمشيئته، وأنه مشيئة مجردة عن الحكم والعلل. «إنه لا يسأل عما يفعل»، لا يسأل، يخلق هذه المخلوقات لما هي الحكمة؟ الله عز وجل ما نسأل، لا نسأل عن ذلك، إلى آخر المعتقد الباطل الذي يعتقدونه. فيقولون: الله شاء كفر الكافر، فنسأل: لماذا؟ وشاء المعصية من العاصي، فالعاصي يفعلها جبرا لا مشيئة له، الله شاءها، لا يسأل عما يفعل، هكذا قال. ولا حجة لهم بالآية الكريمة، بل هي حجة عليهم، فإنه «لا يسأل عما يفعل» لكمال حكمته، فلا يمكن مخلوقا أن يعترض على الله اعتراضا صحيحا في شيء من مخلوقاته، يعني: لماذا خلق هذا الشيء على هذا الخلق؟ ما يستطيع أحد من الخلق أن يعترض على الله، وهذا الاعتراض يكون صحيحا، يعني أن خلقه على غير الحكمة، على غير حكمة، أو يعني أنه ينبغي أن يخلق على غير هذا الخلق، هذا ما يوجد. وإن كان اعتراضا صريحا، فهو كفر، إن اعترض على الله صريحا هذا كفر، ولا يوجد اعتراض كذلك صحيح على مخلوقات الله سبحانه وتعالى. وأما إن كان بالتحريف والتعطيل، فهذا شأن أهل الأهواء. قال: بل لو اجتمعت عقول الخلق من أولهم وآخرهم ليقترحوا أحسن من خلقه وإبداعه وتكوينه، لعجزت عقولهم وقواهم، وإنما حسب العقول الكاملة أن تدرك حكمة الله، وأن نفهمها، وما يخفى عليهم من الحكم أعظم أكثر. يعني أن أفعال الله عز وجل لا تخلو من حكمة، لا تخلو من حكمة، ولو اجتمعت عقول الخلق كلها على أن تقترح أن يخلق الله عز وجل خلقا أبدع وأحسن مما خلقه، فإنها لا تستطيع أن تقرر ذلك، بل ستعجز، وكذلك أيضًا ستضعف. وذلك لعظيم حكمة الله سبحانه وتعالى في خلقه، ولكون هذه العقول عقول مخلوقة، خلقها الله سبحانه وتعالى، هو الذي خلقهم، وهو الذي خلق لهم هذه العقول والأفئدة التي يفكرون بها، فلا يمكن أن تكون عقول هذه المخلوقين ماذا تعارض حكمة الله سبحانه وتعالى في خلقه وإيجاده. وما أدركه الإنسان من حكمة الله، فما خفي عليه أكثر، الذي يعني يحرك عقله في خلق الله وينظر في الحكم التي من أجلها أوجد الله سبحانه وتعالى هذه المخلوقات، فما سيتوصل إليه من الحكم، هناك حكم أخرى تخفى عليه، لا يطلع عليها، ولن يعلم بها لعظيم صنع الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: «صنع الله الذي أتقن كل شيء»، وقال: «الذي أحسن كل شيء خلقه»، وقال تعالى: «ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور»، أي نقص وخلو من الحكمة، هل في السماء شقوق أو كذلك عيوب؟ الجواب: لا، ما في، «لن تجد»، ثم قال: «ثم ارجع البصر كرتين مرة تلو مرة ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير»، انقلب خائبا، ما يجد عيبا في خلق الله سبحانه وتعالى، بل هو في غاية الإتقان. قال: ومن تأمل في المخلوقات وتغلغل فكره في بدائع المصنوعات، ورأى ما فيها من الحسن والانتظام والإتقان، وشاهد ما فيها من المنافع التي لا تحصى، شهد لله بكمال الحكمة وعموم الرحمة. قال: فتبا لمن زعم أن أفعال الباري صادرة عن محض المشيئة الخالية من الحكمة والرحمة، وأنه يرجح مثلا على مثل بلا معنى ولا سبب مرجح، لقد ظلت أفهامهم حيث أنكروا أظهر الأشياء وأوضحها. والله عز وجل سمى نفسه الحكيم، فكان الله عزيزا حكيما، وهو العزيز الحكيم، واسم الحكيم تضمن صفة الحكمة، وهي وضع الأشياء في مواضعها، فكانت هذه من صفات الله سبحانه وتعالى العظيمة، أنه عز وجل حكيم في خلقه، وحكيم في أفعاله، وحكيم في ربوبيته، وفي ألوهيته، وفي أسمائه وصفاته. خلق المخلوقات فأحكم خلقها، وأحسن إتقانها، نعم، وكذلك أيضًا حكيم فيما قضى جل وعلا من إيمان المؤمن، وكفر الكافر، هذا قضى عليه بالإيمان لحكمته، وهذا قضى عليه بالكفر لعدله، وكل ذلك من حكمة الله سبحانه وتعالى. علم أن هذا يقبل الإيمان، فوفقه له، وسهل له أسبابه، وعلم أن ذلك لا يقبل الإيمان، ويرضى بالكفر، فحرمه إياه، ومنعه منه. قال: وأنه يرجح مثلا على مثل بلا معنى ولا سبب مرجح، لقد ظلت أفهامهم حيث أنكر أظهر الأشياء وأوضحها. ولهذا قال الشيخ: ولسنا إذا قلنا: جرت بمشيئة من المنكر آياته المستقيمة، بل الحق أن الحكم لله وحده، له الخلق والأمر، الذي في الشريعة، أي إذا قلنا: إن جميع الكائنات جرت بمشيئة الله وإرادته، فلسنا ننكر حكمته وآياته المستقيمة الدالة على الغايات المحمودة. بل نجمع بين إثبات الأمرين، ونعتقد شمول الأصلين لكل ما خلقه وشرعه، لأنه تعالى له الحكم وحده، يعني بإثبات مشيئة الله سبحانه وتعالى وإرادته، وأن كل شيء يقع في هذا الكون مما شاءه الله وأراده، وكذلك أيضًا أن ما شاءه الله وأراده هو كذلك التابع لحكمته سبحانه وتعالى، لا يخرج ذلك عن حكمة الله سبحانه وتعالى. قال: ألا له الخلق والأمر، أي له وصفا وفعلا، الخلق الشامل لكل مخلوق، له الخلق، وصفا يعني في أوصاف المخلوقات، في أوصاف المخلوقات، في الطول والقصر، والبياض والسواد، إلى آخره، وخلقا لأفعالهم، فإذا كانوا مخلوقين، أوصافهم مخلوقة، فكذلك أيضًا أفعالهم مخلوقة، هو الخالق لهم، والخالق لأفعالهم. قال: والأمر الشامل لجميع الأحكام الشرعية، أي ما أمر الله سبحانه وتعالى به شرعا من الأوامر والنواهي. قال: فكما أنه لا خالق سواه، فلا حاكم بين العباد سواه، وكما أن مخلوقاته مملوءة من الحكمة والرحمة، فشرعه العظيم أعظم وأعظم، كله حكمة، وكله رحمة، «ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون». قال: فلهذا قال: هو الملك المحمود في كل حالة، له الملك من غير انتقاص بشركاء، أي له الملك كله، وله الحمد كله، لا شريك له في ملكه، ولا في حمده، فهو المحمود على ما له من الأسماء الحسنى، وعلى ما له من الصفات الكاملة العليا. وهو المحمود على فضله الشامل، ورحمته الواسعة، وعلى عدله وحكمته التي وضع بها الأشياء مواضعها، فيحمد على عدله، كما يحمد على فضله، يحمد على عدله، وهي الأشياء التي يكرهها الخلق، هذه من عدل الله سبحانه وتعالى، مثل كفر الكافر، ومعصيات العاصي، إلى آخره. كما يحمد على فضله، وهي الأشياء التي يحبها العباد والمخلوقات، إيمان المؤمن، وطاعة الطائع، إلى آخره. فأشار رحمه الله هنا أن الله عز وجل يحمد لأمرين: الأمر الأول لفضله سبحانه بما تفضل به على العباد، بما تفضل به على العباد من النعم التي لا تعد ولا تحصى. والأمر الثاني لكماله جل وعلا في ربوبيته، وأسمائه وصفاته، وأفعاله، فهو يحمد على كماله جل وعلا، ومن ذلك كمال حكمته في وضع الأشياء مواضعها، ومن ذلك أنه يحمد على عدله، ويحمد على فضله. فضل الكافر، وكفر الكافر، هذا من عدله سبحانه، ليس بظلم، ليس من ظلم، بل من عدله، كما ذكرنا، علم الله عز وجل أن هذا العبد لا يقبل الإيمان، لا يقبل الإيمان، سيكفر، المؤلف والشارح سيذكر بعض الأمثلة الموضحة أكثر لهذا الأمر، يعني في أن حكم الله عز وجل للإنسان بالكفر، ليس هذا من الظلم للعبد، بل هو من كمال عدله، لعلمه جل وعلا أن هذا العبد لا يقبل الإيمان، ولا يرضى إلا بالكفر، فكونه قضى عليه بذلك، هذا من عدله. كما أنه قضى بإيمان المؤمن لعلمه أنه يقبله ويرضى به، فهذا من كمال فضله سبحانه وتعالى، فجميع الخلق دائرون بين عدل الله جل وعلا، وبين فضله، واضح بين عدل الله في مقضاه، وبين كذلك فضله جل وعلا في مقضاه. قال: ما للعباد عليه حق واجب، كلا، ولا سعي لديه ضائع، إن عذبوا فبعدله، أو نعموا فبفضله، وهو الكريم الواسع، ما للعباد عليه حق واجب، يريد بهذا الرد على المعتزلة الذين قالوا: يجب على الله عز وجل أن ينظر إلى ما هو الأصلح للعباد، وأن هذا واجب عليه. أهل السنة والجماعة يقولون: ليس على الله سبحانه وتعالى شيء واجب من ذلك، بل الله عز وجل يتفضل على العباد بما يتفضل به عليهم من نعمة، ومن إيمان وهدى، وكذلك أيضًا من قضى عليه بالكفر، وبفعل المعاصي، فهو بعدله، لأن جميع العباد هم من خلق الله، وملك لله، الله عز وجل المالك لهم، «لله ملك السماوات والأرض وما فيهن»، والمالك يفعل في ملكه ما شاء. المالك يفعل في ملكه ما شاء، لو أن إنسانا مثلا عنده مثلا مجموعة من العبيد المملوكين، هم ملكه، إذا أعطى هذا ومنع ذاك، هل يوصف بالظلم؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأنه تصرف في ملكه، والإنسان حر في ملكه، يفعل ما شاء. ولله جل وعلا المثل الأعلى، هذه المخلوقات هي ملك لله، هي ملك لله، الله عز وجل يتصرف في ملكه بما شاء، هذا يعطيه الإيمان، وهذا يحرمه منه، هذا يقضي عليه بالكفر، وهذا يقضي عليه بالإيمان، فلا يوصف الله عز وجل بذلك بالظلم، لأن المخلوقات هي مخلوقاته، وهي كذلك ملكه، فالمالك يتصرف في ملكه بما شاء، واضح. المالك يتصرف في ملكه بما شاء، فلهذا قال: ما للعباد عليه حق واجب، كلا، ولا سعي لديه ضائع، الله ما يضيع سعي العبد الذي سعى وأخذ بأسباب الإيمان، وأسباب الهداية، وأسباب الصلاح، يوفقه الله عز وجل، ويسدده، ما يخذله. فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنة، فسنيسره للعسرة، والذي سعى في أسباب الشر، وأسباب الكفر، وأسباب المعاصي والذنوب، فهو سيسر للعسرة، «وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنة فسنيسره للعسرة»، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يرى، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يرى، من أخذ بأسباب الخير وفق للخير، ومن أخذ بأسباب الشر وفق للشر، هذا معنى قوله: كلا، ولا سعي لديه ضائع. ما يضيع سعي العبد، كما قال عز وجل: «وما كان الله ليضيع عملكم»، نعم، وهكذا في الآيات الأخرى في ذكر سبحانه وتعالى بدخول أهل الجنة الجنة بأعمالهم، بسبب أعمالهم، «ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون»، العمل سبب للفوز بالجنة، وإن كان الإنسان لا يدخلها إلا برحمة الله، لكن هذا العمل سبب. كما أن فعل المعاصي والذنوب سبب لدخول النار، سبب لدخول النار، فسعي الإنسان لا يضيع عند الله سبحانه وتعالى. قال: إن عذبوا فبعدله، إذا عذب الله عز وجل هذا الإنسان لكفره، ولفسوقه، ولفجوره، ولوقوع في المعاصي والذنوب، هل يكون ظالما له؟ لا، هذا من عدل الله، الله عز وجل بيّن لك طريقة الهدى، وطريقة الهداية، وطريقة الاستقامة، وأمرك بسلوكها، «إن هديناه النجدين»، قال: «وهديناه النجدين»، وقال: «إن هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا»، ثم أنت سلكت سبيل الغواية والضلالة، وغلبت شهوة نفسك، وقدمت هواك على طاعة الله عز وجل، فارتكبت المعاصي، ووقعت في الشهوات. إذا أنت مستحق للعقاب، أنت تستحق أن تعاقب على ما فعلت، فإن عذبك الله عز وجل بسبب هذه الأعمال، فهذا من عدله سبحانه، هذا من عدل الله، لأن الله حذرك، ونهاك، وخوفك، وزجرك، ثم لم تبالي بذلك، فكان من عدل الله أن يعذبك، وأن يعاقبك. إن عذبوا فبعدله، قال: أو نعموا فبفضله، هذا المؤمن الطائع الذي أطاع ولزم طاعة الله، واستقام على دين الله، وترك شهوات الدنيا وملذاتها، هذا يستحق أن ينعم، وأن يكرم، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى له. قال: أو نعموا فبفضله، وهو الكريم المواسع، واسع العطاء والفضل والمن سبحانه وتعالى، إذن هنا الخلق دائرون بين عدل الله، وبين فضله، بين عدل الله وبين فضله، فمن عذب عذب بعدله، ومن نعم نعم بفضله. وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، خلافا لأهل الأهواء المعتزلة والأشاعرة، الذين نفوا من نفى منهم الحكمة عن الله، وقالوا: إن الله عز وجل ليس في أفعاله حكمة، ولا غاية، ولهذا يجوز أن يدخل المؤمن النار، ويدخل الكافر الجنة، لأنه لا حكمة في أفعاله، ولا شك أنها ضلال مبين كما مر معنا. قال: وقد قرر الشيخ هذا المقام، فقال مقررا مكررا للمعاني بعبارات مختلفة، لأن المقام مهم جدا، فما شاء مولانا فما شاء مولانا الإله فإنه يكون، وما لا لا يكون بحيلة وقدرته لا نقص فيها، وحكمه يعم، فلا تخصيص في ذي القضية. أريد بذا أن الحوادث كلها بقدرته كانت، ومحظ المشيئة، ومالنا في كل ما قد أراده له الحمد، حمدا يعتلي يعتلي كل مديح، فإن له في الخلق رحمته سرت، ومن حكم فوق العقول الحكيمة أمورا يحار العقل فيها، إذا رأى من الحكم العليا، وكل عجيب. يعني أنه ما شاء الله كان، لا مانع من كونه ووجوده، إذا شاءه الله، الله إذا أراد شيئا، فإنما يقول له: كن فيكون، لا بد أن يقع، ولا بد أن يكون، لا يستطيع أحد أو شيء أن يرد إرادة الله ومشيئته. قال: وما لم يشأ لم يكن، فلا يدرك بحيلة، ولو اجتمع عليه جميع الخلق، الشيء الذي لا يريد الله عز وجل أن يكون، لن يكون، حتى لو اجتمعت الخلائق كلها بما أوتيت من قوة وإرادة وعزيمة أن توجد هذا الشيء الذي لم يرد الله سبحانه وتعالى وجوده، فلن يوجد. قال: وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: «واعلم أن الخلق لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك»، الحديث المشهور، أي ثمن عباس عند الترمذي وغيره. قال: فقدرة الباري تعالى كاملة لا نقص فيها، حدثت جميع الحوادث، ووجدت الموجودات بها، يعني جميع المخلوقات حدثت، يعني وجدت وخلقت بقدرة الله سبحانه وتعالى، وإرادته ومشيئته. قال: ووجدت الموجودات بها، يعني بقدرة الله ومشيئته، وله في ذلك الخلق والإيجاد كمال الحكمة، وسعة الرحمة التي تحار العقول في كثرتها، وسعتها، وعظمتها، يعني يحتار العقل في حكمة الله في مخلوقاته، في بديع صنعها، وجمال خلقها، وكمال إتقانها، يحار العقل يتحير من حسن هذا الخلق، ومن بديع هذا الصنع، نعم. وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بعض مواضع من كتبه: «إن هذه الشريعة جاءت بمحارات العقول، جاءت بمحارات العقول، ولم تأتي بمحالات العقول»، يعني جاءت بما يحار العقل في حسنه وجماله، ولم تأتي بشيء مما يستحيل العقل إدراكه، لا، هذا ما جاءت به الشريعة، ما يوجد شيء في الشرع جاء يخالف العقل الصريح، العقل لا يدرك حسنه، لا يدرك جماله، ولا يدرك بديع صنعه، هذا لا يوجد. كل ما جاءت به الشريعة مما يعني يدرك العقل حسنه، وإن كان إدراكه قاصرا، حتى ربما يتحير من حسنه وجماله، إلا أنه لا تأتي شريعة بشيء محال، شيء مستحيل، يعني أن يدركه العقل، فهذا من المستحيلات. قال: وهو المحمود تعالى في ذلك كله. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه، وسلم.