الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 13، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح الدرس خطورة الاسترسال في حديث النفس وكيف يمكن أن تتطور الخواطر السيئة إلى أفعال مؤاخذ عليها. الإنسان لا يؤاخذ على حديث النفس ما لم يتكلم أو يعمل.
الدرس يبين ضرورة مقاومة الخواطر السيئة في بدايتها لمنع تطورها إلى إرادات وعزائم وتنتهي بالفعل المؤاخذ عليه. من الخير للإنسان أن يقطع هذه الخواطر في أول نشأتها.
التساهل في المعصية يؤدي إلى هانها على النفس وتكرارها حتى تصبح صفة لازمة. يجب على المسلم أن يتوقى الذنوب ويجتنبها ويخاف من الله سبحانه وتعالى.
الدرس يتضمن دعاء بالتوفيق لطاعة الله ونيل رحمته والابتعاد عن معصيته. التأكيد على الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -فقه الله- في تعليقه على فصل بواعث الخلاص من الذنوب من كتاب عدة الصابرين للإمام ابن القيم رحمه الله: قال ابن القيم رحمه الله الثاني عشر: كف الباطل عن حديث النفس، وإذا مرت به الخواطر نفاها، ولا يؤويها ويساكنها، فإنها تصير مُنى، وهي رؤوس أموال المفاليس. يعني أنه لا يسترسل في حديث النفس، وإن كان حديث النفس لا يؤاخذ عليه الإنسان إذا حدث نفسه أن يفعل المعصية أو الذنب، فإنه لا يؤاخذ بذلك، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل»، كما في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وهذا من عظيم رحمة الله سبحانه وتعالى أن الله عز وجل لا يؤاخذ الإنسان بما يحدث به نفسه، ولو كان الإنسان يؤاخذ بذلك لكان ذلك شاقًا وشديدًا. ولذلك لما نزل قول الله عز وجل في قوله سبحانه: ﴿إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾، شق ذلك على الصحابة رضوان الله عليهم، وأتوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا: إن الله قد أنزل علينا من الفرائض الواجبات ما نطيقه، لكن ما نطيق هذه الآية أن نؤاخذ بما حدثنا به أنفسنا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم -أي اليهود والنصارى- سمعنا وعصينا، بل قولوا: سمعنا وأطعنا، فانقادوا رضي الله عنهم»، فأنزل الله على إثرها: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ إلى آخر الآيات. فرفع الله عز وجل هذا الحكم في مؤاخذة الإنسان بما حدث به نفسه. لكن إذا استرسل في حديث النفس، فإن هذه الخواطر التي تعرض في نفس الإنسان إذا لم ينفها ولم يقطعها، فإنها تصير بعد ذلك حقائق، كما سيأتي بكلام ابن القيم رحمه الله. قال: «ولا يؤويها ويساكنها، فإنها تصير مُنى»، أي: هذه الخواطر التي تخطر في نفس الإنسان ستصير أمنيات يتمنى تحقيقها. قال: «وهي رؤوس أموال المفاليس»، رؤوس أموال المفاليس هي المُنى، الذي ما عنده رأس مال، وهو يتمنى أن يبني عمارة، يشتري أرضًا ويبني عمارة، يعني عشرة أدوار أو عشرين دورًا، والدور الأول يؤجره بكذا والثاني بكذا، هو ما عنده شيء مفلس، هذه كما يقال رؤوس هذه المُنى هي رؤوس أموال المفاليس، المفلس الذي ما عنده شيء، رأس ماله هي الأمنيات، رأس ماله هي هذه الأماني، وهي عبارة عن أوهام وخيالات. قال: «ومتى ساكن الخواطر صارت أماني»، يعني إذا هذه الخواطر إذا وقعت في القلب أصبحت أمنية يريد أن يحققها. إذا خطر في نفسه أنه يرتكب الذنب الفلاني من أخذ مال أو ارتكاب الزنا أو غير ذلك من الفواحش، تصبح هذه الخواطر أماني يتمنى أن يحققها. قال: «ثم تقوى فتصير همومًا»، يبقى مهمومًا كيف يتوصل إلى هذا الأمر، وكيف يحقق هذا الفعل. قال: «ثم تقوى فتصير إرادات»، أي عنده إرادة وعزيمة عنده إرادة وعزيمة أن يفعل هذا الشيء، بعد أن كانت خواطر كانت حديث نفس، فأصبحت الآن إرادات وعزائم، ويعني أمور قوية في قلبه يريد أن يحققها. قال: «ثم تقوى فتصير عزمًا يقترن به المراد، فيصبح يسعى إلى تحقيق هذه الأمور التي كانت أوهامًا في أول أمرها، حتى أصبحت أمورًا يسعى إلى تحقيقها بالقول أو بالفعل». قال: «فدفع الخواطر الأول أسهل وأيسر»، يعني كونه يقطع هذه الخواطر من أول أمرها هذا أمر سهل ويسير، من أن يعني يدفع أثر هذه الخواطر بعد أن صارت يعني أمور يعزم على فعلها وعلى تحصيلها. قال: «وأيسر من دفع أثر المقدور بعد وقوعه وترك معاودته»، يعني دفع الخواطر أمر سهل قبل أن يقع في الذنب وفي المعصية التي كان مبدأ أمرها هي عبارة عن خواطر وحديث نفس، فكونه يتوب ويرجع عن هذا الذنب هذا أشد من قطع هذه الخواطر من أول أمرها، فهذا أيسر. قال حفظه الله في التعليق: الأمر الثاني عشر محاربة خواطر النفس الباطلة. قال: «لأن المعصية أول ما تبدأ تكون خاطرة في النفوس»، المعصية أول ما تبدأ خاطرة في النفس، يقترح في نفسه أنه يرتكب الذنب الفلاني والمعصية الفلانية من سماع غناء أو ارتكاب زنا أو وقوف فاحش للواط، يا ذنب الله، أو سرقة مال أو قتل نفس أو غير ذلك من أنواع الذنوب والمعاصي. قال: «ثم تتطور لتصبح أمنية يتمنى أن يصل إلى هذا الأمر»، قال: «ثم تتحول إلى هم يتحرك في القلب، يصبح قلبه مهمومًا بهذا الأمر الذي خطر في نفسه وتعلق قلبه به، فهو يريد أن يصل إليه». قال: «وبعدها تصير إرادة سيئة»، يعني عنده إرادة وعزيمة وقصد إلى فعل هذا الذنب وهذه السيئة. قال: «وبعد هذا تخلص لأن تكون عزمًا يقارنه فعل لها، عزيمة مع فعل يذهب ويسعى إلى تحصيل هذا الذنب»، وحينئذ يؤاخذ على هذا الفعل، ما يصبح حديث نفس معفو عنه هذا كان في أول الأمر لو قطعه لم يؤاخذ عليه، لكن بعد أن تحول إلى أن يصير من أمنية إلى هم إلى إرادة وعزيمة، ثم أصبح معها الفعل أصبح مؤاخذًا بذلك. وفي حديث أبي بكر في الصحيحين لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل، هذا واضح أنه يستحق دخول النار لأنه قتل، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ ما بال هذا الذي قتل وسفك دمه أن يدخل النار كذلك؟ ما بال هذا المقتول؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه، هو أيضًا أراد أن يقتل صاحبه»، لكن ما الذي منعه؟ منعه أنه قتل، وإلا فعنده إرادة وعزيمة على فعل هذا الذنب، وهو قتل النفس، فأصبح بذلك مؤاخذًا ومستحقًا للعقوبة. وهكذا إذا حصل لهذا الإنسان الذي خطرت في نفسه المعصية حتى صارت يعني أمرًا يعزم على فعله وسعى إلى تحصيله، وإن لم يفعله، هو بهذا آثم، هو بهذا آثم ومستحق للعقوبة والذنب. قال: «فمن الخير للإنسان أن يقطع هذه الخواطر السيئة في أول نشأتها»، أول ما يخطر في بالك أنك تفعل الذنب الفلاني، اقطع هذه الخواطر، اقطع هذه الخواطر ولا تسترسل معها، ولا تسترسل معها. قال: «فإنه إن تساهل ووقع في المعصية هان عليه فعلها مرة تلو المرة»، يعني في أول الأمر قد يكون عندك امتناع وعندك ابتعاد وتعظيم للذنب والمعصية، فإن وقعت فيها تساهلت بعد ذلك، وهانت عليك هذه المعصية، فتصبح أمرًا لا غبار عليه عندك، كأنه أمر يعني كما يقال جائز ليس فيه شيء، هكذا تهون المعصية في عين صاحبها الذي قد ماذا قد داوم على فعلها، وكذلك استمر على ارتكابها. قال: «فإنه إن تساهل ووقع في المعصية هان عليه فعلها مرة تلو المرة، حتى تصير صفة لازمة وهيئة ثابتة والعياذ بالله»، يصبح شيء ملازم له، ما يفارقه، ما يفارق هذا الذنب، وعنده أمر لا غبار عليه، وهذا من آثار ماذا الاسترسال في خواطر النفس حتى تصبح حقائق يفعلها الإنسان، وكذلك أيضًا يتلطخ بآثارها وبكذلك ماذا يعني ما يحصل من ذلك من آثام وسيئات خطايا. قال: «وما أجمل المثل الذي ضربه الإمام أحمد رحمه الله لحال العبد مع الذنوب»، فإنه كان يمشي بأرض فيها وحل، الوحل الأرض ذات الطين التي خالطها الماء، فتصبح يعني أرض زلقة. قال: «فجعل يتوقاها»، يعني يبتعد يبتعد من هذا الوحل حتى لا يصيبه ولا يلطخ يعني بدنه وثيابه ويتضرر بذلك. قال: «فغاصت رجله فيه فخاض»، أي صار يمشي في الوحل بعد ذلك دون توقي، في الأول كان يتوقى ويبتعد ويجتنب ويخاف أن يمشي في الوحل، ثم لما مشى فيه وغاصت قدمه فيه أصبح عنده أمرًا سهلًا وأمرًا عاديًا لا يحتاج أن يبتعد منه. قال: «وقال لأصحابه -أي الإمام أحمد- هكذا العبد لا يزال يتوقى الذنوب»، يعني يجتنبها ويبتعد عنها ويخاف منها، وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن أن يكون خائفًا من الذنوب لأن خطرها عظيم، خطرها عظيم، كما قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: «كان من مضى من السلف يرون الذنب كجبل يخاف أن يقع عليه»، الذنب كرائي كالجبل الذي يخاف أن يقع عليه فيهلك. قال: «وأما أنتم -أو معنى كلامه رضي الله عنه- ترون الذنب كذباب وقع على أنفي، فقال به هكذا»، أمر عادي سهل جدًا، يعني السلف كانوا يعظمون يعظمون الذنوب والمعاصي، وكما قيل: لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى من عصيت، انظر إلى من عصيت. فالواجب على المسلم أن يكون متوقيًا للذنوب ومبتعدًا عنها ومجتنبًا لها. قال: «فإذا واقعها خاضها»، يقول الإمام أحمد رحمه الله: هكذا العبد لا يزال يتوقى الذنوب، يعني يبتعد عنها ويجتنبها ويجعل بينها وبينها حاجزًا ومانعًا وحائلًا، هذا الحائل هو الخوف من الله سبحانه وتعالى. قال: «فإذا واقعها -أي وقع في الذنب وارتكب الذنب- خاضها»، أي جعل يعني يرتكب هذا الذنب ويخوض فيه ويفعله، وحينئذ لا يبالي بارتكاب هذه الذنوب وتصبح عنده أمور يعني هينة وسهلة، بعد أن كان في غاية من الخوف من الوقوع فيها ومن الخوض فيها. فمعنى هذا الباعث أنه ينبغي للمسلم أن يقطع خواطر النفس ولا يسترسل معها، فإن ذلك يقطع عليه الوصول إلى فعل الذنب والمعصية، فإذا استرسل معها أصبحت هذه الخواطر أماني، ثم أصبحت إرادات وعزائم، ثم أصبح ماذا يسعى إلى الوصول إليها وإلى تحقيقها، فيقع في ذلك بعد ذلك في الذنب والمعصية، وكذلك أيضًا في أمر يندم على فعله. نسأل الله عز وجل السلامة والعافية، فنسأل جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن ينفعنا جل وعلا بما سمعنا، وأن يوفقنا سبحانه إلى سلوك أسباب طاعته ونيل رحمته والوصول إلى جنته، وأن يقطع جل وعلا عنا أسباب الوقوع في معصيته والتي توجب جل وعلا سخطه وعقابه، إن ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.