الدرس في التعليق على كتاب الحج من التمام في أحاديث الأحكام 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا المحور وجوب المبيت بمنى ليالي التشريق ورخصة تركه لأهل الأعذار كسقاة الماء ورعاة الإبل، مع جواز جمع رمي يومين في يوم واحد. كما يبين استحباب الخطبة يوم النحر وأيام التشريق، وحكم القارن بأنه يكفيه طواف وسعي واحد بخلاف المتمتع.
يسرد هذا المحور خلاف الصحابة في النزول بالأبطح، ثم يوضح أن طواف الإفاضة ركن لا يصح الحج إلا به فتنتظر الحائض حتى تطهر، بينما يسقط طواف الوداع عن الحائض للتخفيف. ويذكر جواز طواف الإفاضة للحائض حال الضرورة القصوى.
يبيّن هذا المحور فضل الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة، وفي المسجد النبوي بألف صلاة، وفي المسجد الأقصى بمئتين وخمسين صلاة. ويشير إلى حجة الوداع وتوديع النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه.
يوضح هذا المحور أن فوات الحج يكون بفوات الوقوف بعرفة، وأن المحصر يتحلل بهدي الإحصار دون وجوب طواف وسعي. ويناقش جواز الاشتراط عند الإحرام لمن خاف مانعاً كما فعلت ضباعة، مع بيان خلاف ابن عمر للجمهور في مشروعية الاشتراط.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فما زلنا في كتاب الحج من كتاب التمام من أدلة الأحكام. قال المصنف رحمه الله: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم... ما هذا؟ قرأناه وقرأنا حديث عمر أن العباس استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له. وقفنا عنده وقلنا فيه: وجوب المبيت بمنى ليالي التشريق، وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، فالمبيت فيها واجب، والواجب أن يبيت معظم الليل. معظم الليل يعني نصف الليل، فإذا دخل في النصف الثاني فله أن يذهب إلى مكة. ودليل الوجوب أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للعباس، والرخصة قلنا تقابل العزيمة، معنى هذا أن المبيت عزيمة أي أمر واجب، فجاءت الرخصة لأهل الأعذار: أهل السقاية وأهل الرعي، ومثلهم من عنده مريض فإنه يسقط عنه وجوب المبيت بمنى. قال: عن عاصم بن عدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص لرعاة الإبل في البيتوتة عن منى، يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر. رواه الخمسة وصححه الترمذي. وفي لفظ عند النسائي: يرمون يوم النحر واليومين الذين بعده يجمعونهما في أحدهما. نعم، هذا الحديث حديث عاصم بن عدي رضي الله عنه، وهو ممن استشهد يوم اليمامة، وكان عمره مئة وعشرين سنة، مئة وعشرين سنة، وهو من المعمرين. هذا الحديث فيه جواز ترك المبيت بمنى للحاجة، ترك المبيت بمنى أيام التشريق، ومن ذلك رعي الإبل. وقلنا يلحق بذلك ما كان بمعنى ذلك من الحاجة التي يحتاج لها الحاج، إذ أن الشرع لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق. فالنبي صلى الله عليه وسلم أذن للعباس لأجل السقاية، وأذن لرعاة الإبل لأجل الرعي، فإن وجد حاجة بمعنى ذلك جاز كذلك ترك المبيت بمنى، كما ذكر أهل العلم: من معه مريض يحتاج إلى علاج فله أن يترك المبيت بمنى، من معه مال يخاف عليه له كذلك أن يترك المبيت بمنى. وأجاز النبي صلى الله عليه وسلم للرعاة أن يرمون يوم النحر، يرمون يوم النحر ويرمون في اليوم الحادي عشر أو الثاني عشر في يوم، ليومين يرمون في يوم ليومين، يعني مثلاً يرمون يوم النحر ثم يأتي في اليوم الثاني عشر فيرمي للثاني عشر والحادي عشر، يرمي للحادي عشر والثاني عشر، يجمع الرمي ليومين في يوم واحد. قالوا: عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر. الحديث متفق عليه. هذا فيه استحباب الخطبة، خطبة الناس يوم النحر، اليوم العاشر من ذي الحجة، فالنبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس خطبته المشهورة: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا». الحديث كانت هذه في يوم النحر في اليوم العاشر من ذي الحجة. قالوا: عن سراء بنت نبهان رضي الله عنها قالت: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الرؤوس، فقال: «أليس هذا أوسط أيام التشريق؟» الحديث رواه أبو داود بإسناد حسن. يوم الرؤوس أي أيام التشريق التي تذبح فيها بهيمة الأنعام. قالت: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الرؤوس، فقال: «أليس هذا أوسط أيام التشريق؟» وهذا يدل على أنه كان في اليوم الثاني عشر من ذي الحجة، ففيه أيضاً استحباب الخطبة في أيام التشريق، استحباب الخطبة في أيام التشريق. قالوا: عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك». رواه مسلم. هذا الحديث فيه أن القارن كالمفرد، القارن كالمفرد، يكفيه طواف واحد وسعي واحد. إذا طاف طواف القدوم، إذا طاف طواف القدوم فإن سعى بعده أجزأه هذا السعي بالنسبة للقارن عن سعي العمرة وسعي الحج، أجزأه عن سعي العمرة وسعي الحج. وإن لم يسعى بعد طواف القدوم وأخر السعي إلى اليوم العاشر، فإنه إذا طاف طواف الإفاضة يسعى بعده سعي الحج، يسعى بعده سعي الحج. والمفرد كالقارن، المفرد إذا جاء إلى البيت الحرام وطاف طواف القدوم، فإن سعى بعد هذا الطواف أجزأه عن سعي الحج، وإن لم يسعى وجب عليه أن يسعى بعد طواف الإفاضة، فحينئذ يطوف طواف الحج ثم يسعى بعده. بخلاف المتمتع، المتمتع يطوف طواف العمرة وطواف القدوم ثم يسعى بعده ويتحلل من عمرته، ثم في اليوم العاشر يطوف طواف الحج ويسعى بعده مرة ثانية، فلا بد عليه السعيان، عليه طوافان وسعيان. قال: «طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك»، وذلك أن عائشة كانت قارنة، فلما حاضت أمرها النبي عليه الصلاة والسلام أن تدخل العمرة على الحج وأن تكون قارنة حتى تفعل أفعال الحاج، وقال: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري»، فأصبحت قارنة رضي الله تعالى عنها، وأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أن طوافها بالبيت وبين الصفا والمروة، أي سعيها، يكفيها لحجها وعمرتها، يكفيها لحجها وعمرتها، يقوم السعي مقام الحج، يعني سعي الحج وسعي العمرة. بخلاف المتمتع كما سمعتم، لا بد من طواف وسعي للعمرة ثم طواف وسعي للحج. قالوا: عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب أو بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به. رواه البخاري. هنا في هذا الحديث يخبر أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نام نومة بالمحصب بعد أن صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء. فاختلف العلماء: هل النوم في المحصب سنة أم لا؟ هل النوم في المحصب سنة أم لا؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه سنة، قالوا: أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، ورقد النبي صلى الله عليه وسلم رقدة بالمحصب، وفعله الخلفاء من بعده رضي الله تعالى عنهم. وذهب بعض الصحابة كابن عباس إلى أنه ليس بسنة، وأنه ليس من المناسك المستحبة، وهو قول عائشة رضي الله تعالى عنها، وذلك لعل أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك يعني من غير قصد أن يكون منسكاً، وإنما ربما شعر بالتعب فرقد في ذلك المكان، فرقد في ذلك المكان. قالوا: عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون الأبطح. رواه مسلم. وعن عائشة رضي الله عنها أنها لم تكن تفعل ذلك، أي النزول بالأبطح، وتقول: «إنما نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان منزلاً أسمح لخروجه». متفق عليه. وفي لفظ لمسلم قالت: «نزول الأبطح ليس بسنة»، قالت: «نزول الأبطح ليس بسنة». وهذا أيضاً مما اختلف فيه الصحابة رضي الله عنهم، النزول بالأبطح، كون النبي صلى الله عليه وسلم نزل فيه، هل هذا النزول يعني يستحب فيه الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتبع فيه، أم أنه أمر عارض حصل للنبي عليه الصلاة والسلام؟ فأبو بكر وعمر رضي الله عنهما كانا ينزلان، ينزلان بالأبطح، والأبطح مكان بمقابل مكة، مقابل بمكة، فأبو بكر وعمر كانا ينزلان، وعائشة رضي الله عنها تقول: لا، ليس النزول في الأبطح من السنة، إنما كان مكاناً يعني أسهل للخروج فنزل فيه النبي عليه الصلاة والسلام. والأمر في هذا واسع، من نزله يعني اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم فله أسوة بأبي بكر وعمر، ومن ترك فقد تركت عائشة رضي الله عنها وغيرها النزول في هذا المكان. قالوا: عنها رضي الله عنها قالت: «حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأفضنا يوم نحر، فحاضت صفية، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول الله إنها حائض، فقال: أحابستنا هي؟ قالوا: يا رسول الله إنها قد أفاضت يوم نحر، قال: فاخرجوا». متفق عليه. في هذا الحديث بيان أن طواف الإفاضة ركن، ركن من أركان الحج، لا يصح الحج إلا به، وأما طواف الوداع فهو ليس بواجب على الحائض. فعائشة رضي الله عنها أخبرت أنه محجب عن النبي عليه الصلاة والسلام، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم ما يريد الرجل من أهله، أراد صفية، فأخبرت عائشة بأنها حائض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أحابستنا هي؟» يعني هل لم تطف بعد طواف الإفاضة فننتظر ونحبس معها حتى تطهر ثم تطوف؟ قالوا: يا رسول الله إنها قد أفاضت يوم النحر، يعني قد أفاضت بمعنى طافت طواف الإفاضة وهو طواف الحج، قد طافت طواف الإفاضة يوم النحر اليوم العاشر من ذي الحجة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اخرجوا»، إذن لا تجلسوا، لا تجلسوا، فانفروا وارجعوا إلى المدينة. أراد النبي صلى الله عليه وسلم الرجوع إلى المدينة، وخاف أن تكون صفية لم تطف بعد طواف الإفاضة، فلما أخبر أنها قد طافت طواف الإفاضة قال: «اخرجوا» للذهاب إلى المدينة. فدل هذا على أن طواف الإفاضة ركن، إذا حاضت المرأة قبل أن تطوف طواف الإفاضة فإنها تنتظر وينتظرها رفقتها حتى تطهر ثم تطوف طواف الإفاضة، بخلاف طواف الوداع فإن لها أن تترك طواف الوداع، وقد أسقط النبي صلى الله عليه وسلم طواف الوداع على الحائض حتى لا يشق، لا يشق عليها ولا تشق كذلك على من معها من رفقة، على من معها من رفقة. لكن هنا مسألة ذكرها أهل العلم، وهو: إذا حاضت المرأة، إذا حاضت المرأة ولم تطف طواف الإفاضة، ورد رفقتها أن يسافروا، أراد رفقتها أن يسافروا ولا يمكن أن يتأخروا، لابد من السفر، جاء وقت وموعد السفر ولا بد أن يسافروا، وإذا ذهبت وسافرت معهم ما يمكن أن ترجع، تعرفون الآن أمور السفر، وكذلك ما يتعلق بالجماعات الحج ومواعيد ذلك، صعب أن تذهب المرأة ويذهب المرأة إلى بلده ثم يرجع مرة ثانية، فهي إذا ذهبت معهم لن تستطيع أن تعود، وإذا ذهبت ولم تعد بطل حجها، بطل حجها، وإن بقيت فهي لا تستطيع أن تبقى وتذهب رفقتها وتسافر بعد ذلك وحدها، فكيف تفعل؟ هل تطوف وهي حائض في هذه الحال؟ بعض العلماء أجازوا في مثل هذا الحال، إذا حاضت المرأة ولم يمكن لرفقتها أن ينتظروها، وأنها لا يمكن لها أن تذهب ثم تعود، فتطوف طواف الإفاضة، ففي هذه الحال أجاز لها العلماء أن تطوف للضرورة، أجاز لها أن تطوف وهي حائض للضرورة، لأن الضرورات تبيح المحظورات، وهذه ضرورة، ما تستطيع أن تمكث وتذهب رفقتها، ولا تستطيع أن تذهب معهم ثم إذا طهرت تعود وترجع وتطوف طواف الإفاضة، ففي هذه الحال قالوا: تتحفظ وتطوف طواف الإفاضة وهي حائض للضرورة. قالوا: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض». متفق عليه. نعم، في هذا الحديث يقول ابن عباس: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، يعني إذا أرادوا أن يسافروا ويغادروا مكة فإنهم قبل ذلك يطوفون طواف الوداع، يذهبون ويطوفون طواف الوداع تعظيماً وتكريماً لهذا البيت العظيم، فإنه كما يأتي أول ما يأتي يستقبل البيت بالطواف، طواف القدوم، وإذا أراد أن يذهب فإنه قبل أن يذهب يطوف طواف الوداع تكريماً لهذا البيت، تعظيماً، وكذلك أيضاً لأجل أن يشتاق إلى هذا الموضع وهذا البيت وهذه الكعبة أن يعود إليها بعد ذلك، فيطوف حولها وهو مودع، مودعاً لها ومودعاً لهذه العبادة العظيمة، فيكون لها أثر في قلبه، أثر في قلبه، يعني لأجل أن يشتاق إلى العودة وإلى زيارة ذلك المكان المعظم. فليس يعني هذا المكان كغيره يدخله الإنسان ويذهب، لا، له يعني تعظيم وله تكريم، أنك أول ما تصل إليه تطوف حوله، وإذا أردت أن تخرج تطوف حوله وتودعه ثم تذهب إلى بلدك. نعم، فيطوف الإنسان طواف الوداع ثم يخرج من مكة، إن تأخر شيئاً يسيراً يعني لزحام أو لشراء بعض الأشياء الخفيفة في أثناء خروجه لا حرج، أما إذا طاف وجلس وتأخر فإنه يعيد الطواف، يعيد طواف الوداع. المقصود أنه لا يخرج من مكة يعني ويغادرها إلا بعد أن يطوف، فيكون الطواف في آخر يعني أمره، في آخر أمره يطوف ثم يخرج من مكة، إلا أن الحائض خفف عنها بسبب منعها من الطواف وهي حائض، أسقط عنها وجوب الطواف، أسقط عنها وجوب الطواف الوداع لما في ذلك من مشقة عليها ومن مشقة على رفقتها، فلا يلزمها إذا حاضت أن تطوف. وهذا الحكم كما قال علماء هو للحج وللعمرة، أكثر أهل العلم يقولون بأن طواف الوداع هو للحج، هو بالنسبة للحج، لكن كذلك أيضاً العمرة ينبغي للمسلم إذا أراد أن يسافر ويغادر مكة أن يطوف كذلك طواف الوداع تعظيماً وتكريماً لهذا البيت. قال: وعن ابن الزبير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة صلاة في هذا». رواه أحمد، رواه أحمد وصححه ابن حبان. في هذا الحديث بيان فضل المسجد الحرام ومضاعفة الصلاة فيه، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «صلاة في مسجدي هذا» أي مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام في المدينة، «أفضل من ألف صلاة فيما سواه» يعني من المساجد، فالصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بألف صلاة، بألف صلاة في غيره من المساجد، «إلا المسجد الحرام»، إلا المسجد الحرام، وذلك أن الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة، بمئة ألف صلاة. قال: «وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة صلاة في هذا» يعني في مسجده، إذا كانت الصلاة بألف، مئة صلاة في المسجد الحرام، صلاة واحدة في المسجد الحرام أفضل من مئة صلاة في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام، معنى ذلك أن الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة، بمئة ألف صلاة، أجر عظيم، أجر عظيم، صلاة واحدة بمئة ألف صلاة فيما غيره من المساجد، كم ستجد من مئات الآلاف من الأجور. وهذا عام يشمل الفريضة والنافلة، يشمل الفريضة والنافلة، الفريضة بمئة ألف صلاة والنافلة بمئة ألف صلاة، وهكذا صلاة الجنازة بمئة ألف قراط، بمئة ألف قراط، فأجر عظيم. وهكذا الصلاة في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام بألف صلاة. وهذا فيه دليل على أن المسجد الحرام أفضل من مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك لمضاعفة الصلاة في المسجد الحرام عن الصلاة في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام. وأما المسجد الأقصى، نسأل الله جل وعلا أن يطهره من رجس اليهود وغصبهم، فأصح ما ورد في أجر الصلاة فيه ما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الصلاة فيه بمئتين وخمسين صلاة، الصلاة فيه بمئتين وخمسين صلاة فيما سواها من المساجد، يعني أربع صلوات في المسجد الأقصى كصلاة في المسجد النبوي، أربع صلوات في المسجد الأقصى كصلاة في المسجد النبوي. هذا أصح ما ورد في الصلاة في المسجد الأقصى، وجاء في حديث آخر قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه» يعني من المسجد الأقصى، صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه، معنى هذا أن الصلاة بمائتين وخمسين صلاة. الحديث أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار والحاكم والبيهقي عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه. قال: عن جابر رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: «لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه». رواه مسلم. في هذا الحديث إشارة إلى توديع النبي عليه الصلاة والسلام للناس في حجة الوداع وإعلامهم بقرب أجله عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال: «لتأخذوا مناسككم» أي تعلموا مني مناسك الحج وكيف تحجون، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه، لعل هذه آخر حجة أحجها. وقال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بوحي من الله جل وعلا، علمه الله عز وجل إياه، وهو يودعهم كأنهم يقول: أنا مودع لكم، وهذه آخر حجة أحجها بكم، فتعلموا مني وخذوا مناسك الحج، فكان ذلك توديعاً من النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، ولهذا سميت هذه الحجة بحجة الوداع، سميت بحجة الوداع. وحج النبي صلى الله عليه وسلم راكباً حتى يتعلم الناس منه المناسك، حتى يتعلم الناس منه المناسك، وحتى لا يفقده الناس، لأنه كان ماشياً ما سيراه الناس، بخلاف لما يكون راكباً فسيكون ظاهرا للناس فيتعلمون منه المناسك. باب الفوات والإحصار. الفوات يعني فوات الحج، فوات الحج، وفوات الحج يكون بفوات الوقوف بعرفة، يكون بفوات الوقوف بعرفة، فمن فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج، فمن جاء وأسرع مثلاً لكن لم يصل إلى عرفة إلا بعد طلوع فجر يوم النحر، هذا فاته الحج، قد فاته الحج، لأن أعظم أركان الحج الوقوف بعرفة، وقد فاته الوقوف، ومن فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج. فحينئذ ماذا يفعل؟ يتحلل بعمرة، يجعل إحرامه عمرة، يأتي بعمرة ويهدي، إن لم يكن اشترط يهدي هدياً، ثم يقضي حجه من العام المقبل. وأما الإحصار فهو المنع، الإحصار المنع، أن يمنع من إتمام حجه، أن يمنع من إتمام حجه، سواء كان ذلك على الصحيح بعدو منعه أو مرض أو عجز في بدنه، كأن يكسر أو شيء من ذلك، أي مانع يمنعه من إتمام الحج فإنه يكون محصراً، وإذا أحصر وجب عليه هدي الإحصار، يذبح هدياً ويتحلل من إحرامه. قال: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قد أحصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحلق رأسه، وجامع نساءه، ونحر هديه، حتى اعتمر عاماً قابلاً». رواه البخاري. من ابن عباس رضي الله عنهما يخبر أن النبي عليه الصلاة والسلام قد أحصر، ويريد بهذا يوم الحديبية، حين منعه المشركون من العمرة، منعه من العمرة، فما كان من النبي عليه الصلاة والسلام إلا أن تحلل عليه الصلاة والسلام، نحر هديه وحلق رأسه وتحلل من إحرامه، ثم اعتمر من العام الثاني، سميت بعمرة القضاء، وليست هي قضاء عن هذه العمرة التي منع فيها من الاعتمار، وإنما سميت عمرة القضاء لأنه تقاضى مع أهل مكة واتفق معهم على ذلك أن يأتي من العام القابل فيعتمر، وأن يرجع في هذا العام، عام الحديبية. قالوا: عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب رضي الله عنها، قالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية، يعني مريضة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني». متفق عليه. وفي رواية أبي داود قالت: يا رسول الله كيف أقول؟ كيف أقول؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «قولي: لبيك اللهم لبيك، ومحلي في الأرض حيث حبستني، ومحلي في الأرض حيث حبستني». هذا الحديث فيه جواز الاشتراط عند الإحرام، جواز الاشتراط عند الإحرام، سواء كان بحج أو عمرة، لكن هذا عند خوف المنع، إذا وجد مانع أو سبب كمرض، مثل ما كان الضباعة بنت الزبير مريضة، خافت أن يزيد عليها المرض فلا تستطيع أن تكمل حجها، أو كان هناك في الطريق مثلاً عدو أو خوف أو شيء من ذلك، فلا بأس في هذه الحال أن يشترط المحرم، فيقول مثلاً: لبيك اللهم عمرة، ومحلي حيث حبستني، يعني حيث المحل الذي يحصل فيه أن منع. إذا اشترط ماذا يلزمه؟ يتحلل وليس عليه شيء، يتحلل من إحرامه وليس عليه شيء، ليس عليه هدي. أما إذا لم يشترط فيجب عليه هدي الإحصار، لقول الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي. وفيه دلالة كذلك على ما ذهب إليه جمهور أهل العلم على أن من الإحصار المرض، من الإحصار المرض، إذا كان الإنسان مريضاً منعه المرض من إتمام نسكه وإتمام الحج فإنه يكون محصراً، يكون محصراً، فيهدي ويتحلل من إحرامه. قال: عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان ينكر الاشتراط في الحج، ويقول: «أليس حسبكم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم؟» رواه الترمذي وصححه. هذا الحديث فيه أن ابن عمر رضي الله عنهما كان ينكر الاشتراط في الحج، ما يرى الاشتراط في الحج، ويقول: أليس حسبكم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم؟ لكن اعتذر له العلماء بأنه لم يعلم بحديث ضباعة بنت الزبير، لم يعلم بحديث ضباعة بنت الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لها بالاشتراط، أذن لها بالاشتراط، ومن علم حجة على من لم يعلم. والقول بالاشتراط قال به جماعة من الصحابة: عمر وعثمان وعلي وعمار وابن مسعود وعائشة ومسلمة. نعم، ما أنكره أحد من الصحابة إلا ابن عمر، ما أنكر الاشتراط في الحج إلا ابن عمر، ووافقه بعض التابعين وذهب إليه بعض الحنفية والمالكية. الصحيح قول جمهور الصحابة وجمهور العلماء أنه يجوز الاشتراط في الحج، وابن عمر كان يقول يعني: من يحصر عليه أن يذهب ويطوف، عليه أن يذهب ويطوف، ما يتحلل يعني بالاشتراط. قال: وعن نافع عن الحجاج بن عمر الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل». قال عكرمة: فسألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك فقالا: صدق. رواه الخمسة وحسنه الترمذي. في هذا الحديث يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من كسر، أي كسرت رجله أو أصابه عرج، فقد حل، أي حل من إحرامه، وعليه الحج من قابل، إذا كان حجا واجباً فريضة فإنه يحج في العام القابل. لكن قال العلماء: «فقد حل» يعني إذا نحر هديه، إذا نحر يعني إذا كان قد أحصر بهذا الكسر أو هذا العرج، لابد من هدي الإحصار، فالتقدير: فقد حل يعني بعد أن ينحر الهدي الذي يذبحه لأجل الإحصار. قالوا: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «من حبس دون البيت بمرض فإنه لا يحل حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة». رواه مالك في الموطأ. يقول ابن عمر: من حبس دون البيت يعني دون الوصول إلى الحرم، بيت الحرام، بمرض، مرض فمنعه المرض من الوصول إلى مكة، فإنه لا يحل حتى يطوف بالبيت، يقول: لابد يأتي ويطوف بالبيت، يبقى على إحرامه حتى يأتي إلى البيت ويطوف، ويطوف بين الصفا والمروة. وهذا القول قال العلماء: هو رأي ابن عمر، هو رأي ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وإلا فجمهور الصحابة على أنه إذا أحصر بالمرض أو نحو ذلك أنه يتحلل ويذبح هدياً، هدي الإحصار، ويتحلل من إحرامه، ويتحلل من إحرامه. وهذا هو الصحيح، فالصحيح أن الإحصار لا يكون خاصاً بالعدو، ابن عمر يذهب لأن الإحصار خاص بالعدو فقط، أما غير ذلك فلا، بل الصحيح أن الإحصار يكون بالعدو، بالمرض، يكون بالخوف كذلك، بأي مانع يمنع المسلم من إتمام نسكه. قالوا: عن سالم قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: «أليس حسبكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل من كل شيء حتى يحج عاماً قابلاً، فيهدي أو يصوم إن لم يجد هدياً». يعني يقول ابن عمر: من حبس عن الحج ومنعه مانع فإنه يتحلل بعمرة، يطوف بالبيت وبالصفا والمروة، يسعى، ثم يحل من كل شيء حتى يحج عاماً قابلاً، يأتي إلى الحج في العام المقبل، ويهدي، يهدي هدياً، أو يصوم بدل الهدي إن لم يجد هدياً. وعلى كل فكما قلنا هذا قول ابن عمر، وجماهير الصحابة على أن الحاج إذا أحصر ومنع من الحج لمرض أو عدو أو خوف أو غير ذلك من الموانع، فإن له أن يذبح هدي الإحصار ثم يتحلل في محله الذي منع فيه، ولا يلزمه أن يذهب إلى البيت ويطوف ويسعى. طيب، هذا إنما في حق من فاته الحج، من وصل إلى عرفة مثلاً وإذا بفجر يوم النحر قد طلع، وفاته الوقوف، هذا نقول له: اذهب إلى البيت فطوف واسعى، طوف واسعى، وهدي، وهدي، وتعيد الحج من العام المقبل. أما إذا أحصر ومنع فإنه يتحلل بعد أن يهدي هدي الإحصار، يتحلل من إحرامه وليس عليه شيء. طيب، هذا آخر حديث هذا الكتاب، كتاب الحج من كتاب التمام من أدلة الأحكام. غفر الله جل وعلا لمؤلفه ولسائر علمائنا ولسائر المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم.