التعليق على تفسير سورة الفاتحة للإمام محمد بن عبدالوهاب 3

الدرس في التعليق على تفسير سورة الفاتحة للإمام محمد بن عبدالوهاب 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في شرح البسملة ومعانيها

يبدأ الدرس بشرح معنى البسملة وأهميتها في مختلف الأعمال، ويبين دلالة كلمة لا حول ولا قوة إلا بالله على فقر العبد وحاجته إلى ربه. يوضح المقطع علاقتها بالتحول من حال إلى حال والاستعانة بالله في مختلف الأمور.

تفسير أسماء الله الحسنى في سورة الفاتحة

يفسر المقطع معاني أسماء الله الحسنى في سورة الفاتحة، مثل الرحمن والرحيم، ويبين دلالتها على صفة الرحمة. كما يتطرق إلى معنى الحمد والثناء على الله جل وعلا، موضحًا أهمية هذه الأسماء في فهم الصفات الإلهية.

التفريق بين الحمد والشكر والثناء والمدح

يتناول المقطع التفريق بين الحمد والشكر والثناء والمدح، حيث يوضح أن الحمد يكون باللسان على الصفات التي يفعلها الإنسان باختياره. كما يبين أن الثناء بالفعل يسمى لسان الحال، والمدح يكون على الصفات التي لا دخل للإنسان في فعلها.

تتمة الكلام عن الحمد والشكر

يُوضح المقطع الفرق بين الحمد والشكر، حيث يُستخدم الحمد في مختلف الأحوال، بينما يُستخدم الشكر بشكل خاص. كما يبين أن الشكر أعم من حيث أنواعه، والحمد أعم من حيث أسبابه، مما يظهر أهمية فهم هذه المفاهيم في العبادة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، في رسالته تفسير سورة الفاتحة: قال: وأما البسملة، فمعناها: أدخلوا في هذا الأمر، من قراءة أو دعاء أو غير ذلك، بسم الله، لا بحولي ولا بقوتي، بل أفعل هذا الأمر مستعينا بالله، متبركا باسمه تبارك وتعالى، هذا في كل أمر تسمي في أوله، من أمر الدين وأمر الدنيا. فأنت إذا أردت أن تفعل شيئا من أمر الدين، كقراءة أو وضوء أو غير ذلك من الطاعات والعبادات، فإنك تستفتح باسم الله، أو كان من أمر الدنيا، كالخروج من المنزل والدخول، وهكذا غير ذلك من الأعمال، فإنك تتبرك باسم الله جل وعلا، فتقول: بسم الله. والجار والمجرور متعلقان بمحذوف فعل مؤخر، بسم الله أدخل، بسم الله أخرج، بسم الله أقرأ، بسم الله أكتب، على حسب الفعل المقصود. وقال أهل العلم: يؤخر لأمرين: الأمر الأول لأجل الابتداء باسم الله جل وعلا، والأمر الثاني لحصول التبرك باسم الله سبحانه وتعالى. فإنك لما تقول: بسم الله، في ابتداء القراءة، أي أنك تدخل في هذا الأمر في القراءة، وتبتدئ الصلاة بحول الله وقوته، تقول: باسم الله، أي مستعينا بالله ومتبركا باسم الله جل وعلا، أفعل هذا الأمر. ولولا إعانة الله لك، وتوفيق الله سبحانه وتعالى لك، لما استطعت أن تفعل هذا الأمر. قال: فإذا أحضرت في نفسك أن دخولك في القراءة بالله، مستعينا به، متبركا، متبرئا من الحول والقوة، يعني أنه لا حول لك تحول من حال إلى حال، ولا قوة لك على هذا التحول إلا بالله. ولهذا كانت هذه الكلمة العظيمة: لا حول ولا قوة إلا بالله، كنزا من كنوز الجنة، كما جاء في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، في الصحيحين، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا أخبرك بكنز من كنوز الجنة؟» قلت: بلى يا رسول الله، قال: «لا حول ولا قوة إلا بالله». هذه الكلمة العظيمة تدل على عظيم فقر العبد وحاجته إلى ربه، على عظيم فقر العبد وحاجته إلى ربه، وأنه لا يستغني عن الله جل وعلا. فالإنسان ضعيف، وكذلك فقير إلى الله جل وعلا، يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد. فأنت لا حول لك أن تتحول من حال إلى حال، يعني من مثلا أمر من أمور الدنيا وعمل من أعمال الدنيا، أن تتحول إلى طاعة الله وعبادته، كأن تقوم من عملك إلى موضع الصلاة، ليس لك حال في التحول من هذا الموضع إلى ذاك الموضع، ولا قوة لك في هذا التحول إلا بالله. ولولا تقوية الله جل وعلا لك، لم استطعت أن تتحول، لم استطعت أن تتحول من هذا الموضع إلى ذاك الموضع. ولهذا شرع لنا عند قول المؤذن في الأذان: حي على الصلاة، حي على الفلاح، في الحي على الصلاة أن نقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، كما في حديث عمر رضي الله عنه. لماذا؟ لأن المؤذن يناديك: حي على الصلاة، أقبل، أقبل على الصلاة، هلما إلى الصلاة، حي على الفلاح، أقبل على الفلاح، هلما إلى ما فيه فلاحك. فأنت تجيبه بقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله، أي لا حول لي ولا قوة لي أن أجيبك، وأن أتحول من محلي إلى موضع الصلاة إلا بالله. ولولا تحويل الله جل وعلا لي وتقوية الله جل وعلا لي، لما استطعت أن أتحول من محلي. ففي هذا إظهار عجز العبد وفقره وحاجته إلى ربه سبحانه وتعالى. وهكذا أيضا لما تقول: بسم الله، تستعين بالله جل وعلا أن يعينك، أن يعينك ويقويك على فعل هذه العبادة والطاعة. فأنت بقولك: بسم الله، تتبرأ من الحول والقوة إلا بالله سبحانه وتعالى. قال: كان هذا أكبر الأسباب في حضور القلب وطرد الموانع من كل خير. فيستحضر العبد معنى بسم الله عند قراءته للفاتحة، أنه يستعين بالله ويتبرك باسم الله جل وعلا، ويطلب العون من الله سبحانه وتعالى في شروعه في القراءة ودخوله في الصلاة. قال: الرحمن الرحيم، اسمان مشتقان من الرحمة، أحدهما أبلغ من الآخر، مثل العلام والعليم. قال ابن عباس: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر، أي أكثر رحمة. وكما قال أهل اللغة: أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. فالعلام فيه زيادة مبالغة في الوصف من قوله العليم. فالعلام يعني كثير العلم، كثير العلم. وهكذا مثلا قولك: فلان كرام، وفلان كريم، فكرام فيه زيادة مبالغة في الوصف وصف الكرم من الكريم. لهذا الله عز وجل ما نفى عن نفسه الظلم، قال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ يعني بذي ظلم للعباد أبدا، فهو جل وعلا بعيد من الظلم من ظلم العباد. فالمقصود أن الرحمن والرحيم اسمان مشتقان من الرحمة، كلاهما يدلان على صفة الرحمة، وأن الله جل وعلا يرحم عباده، يرحم عباده، وكذلك أيضا يرحم جميع مخلوقاته سبحانه وتعالى. وأحدهما أبلغ من الآخر. فقيل: الرحمن تدل على صفة الرحمة في ذات الله سبحانه وتعالى، والرحيم تدل على صفة الرحمة المتعدية إلى جميع المخلوقات. فالله جل وعلا هو الرحمن الرحيم، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما سبحانه وتعالى. ومعاني هذين الاسمين وما دلت عليه من صفة الرحمة يطول المقام بوصفها وشرحها، لكن حسبنا أن نعلم أن هذين الاسمين يتضمنان صفة الرحمة، وأن الله جل وعلا رحيم بعباده سبحانه وتعالى، سواء كانت الرحمة العامة التي يرحم الله عز وجل بها سائر المخلوقات في أرزاقهم وفي معايشهم، أو كانت الرحمة الخاصة التي يرحم الله عز وجل بها عباده المؤمنين الذين آمنوا بالله وبرسوله واستجابوا لله سبحانه وتعالى، فهؤلاء أهل الإيمان لهم رحمة خاصة يرحمهم الله سبحانه وتعالى بها. قال: وأما الفاتحة، فهي سبع آيات، ثلاث ونصف لله، وثلاث ونصف للعبد. فأولها: الحمد لله رب العالمين، أي أول سورة الفاتحة. وقوله هذا يشير رحمه الله إلى أن البسملة ليست من الفاتحة، وهذا هو الصحيح، لأن الله عز وجل كما مر معنا في الحديث القدسي قال: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين» لم يذكر البسملة. ولو كانت البسملة آية من آيات سورة الفاتحة، لقال: إذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم. ولكن ابتدأ الفاتحة بذكر الحمد لله رب العالمين، وهذا يدل على أن البسملة ليست بآية من سورة الفاتحة، وإنما تستفتح بها السور. فأول سورة الفاتحة ابتدأت بذكر الحمد والثناء على الله جل وعلا: الحمد لله رب العالمين. قال: فاعلم أن الحمد هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري. فأخرج بقوله: الثناء باللسان، الثناء بالفعل الذي يسمى لسان الحال، فذلك من نوع الشكر. يعني أن الثناء قد يكون باللسان، أن تثني على أحد بلسانك: فلان كذا وكذا، مما فيه من مواضع الثناء ومجتمل عليه من الأخلاق والفضائل. وقد يكون بالفعل، وقد يكون بالفعل، وهذا يسمى الثناء بلسان الحال، الثناء بلسان الحال، يعني مما يظهر من الإنسان من استقامته وصلاحه وحسن أخلاقه، فيقال: فلان يثنى عليه بلسان حاله، فضلا عن لسان المقال، يعني مما يظهر من أفعاله من مظاهر الخير. فيقول: أن الثناء بالفعل يسمى لسان الحال، ذلك من نوع الشكر. فالحمد إنما يكون باللسان، إنما يكون الثناء به باللسان. وقول: على الجميل الاختياري، الذي يفعله الإنسان بإرادته، يعني باختياره، الذي يفعله الإنسان باختياره، كأن يثنى على الإنسان لكرمه، الكرم يفعله باختياره، أو يثنى عليه لشجاعته، الشجاعة يفعلها باختياره، أو يثنى عليه لعفوه وصفحه، وهذا يفعله باختياره، أو يثنى عليه لحسن أخلاقه، هذا يثنى عليه باختيار، وكذا سائر الأفعال التي يفعلها الإنسان باختياره، يثنى عليه لفعله لهذه الأفعال باختياره وإرادته. قال: وأما الجميل الذي لا صنع له فيه، مثل الجمال ونحوه، فالثناء به يسمى مدحا، ولا حمدا، أي لا يسمى حمدا، وإنما يسمى مدحا. الشيء الجميل في الإنسان، لكن ليس باختياره، كون الإنسان أمن الله جل وعلا عليه بالجمال، يعني في خلقته وصورته، فلما يثني عليه بجماله، هل جمال هذا باختياره؟ هل هذا الجمال باختياره وإرادته؟ الجواب: لا، إنما طبع عليه وجبله الله سبحانه وتعالى على خلقته على هذا الجمال. فإذا أثني على جمال فلان، ما شاء الله جميل، حسن الخلقة، هذا لا يسمى ماذا؟ ما يسمى حمدا، وإنما يسمى مدحا، يسمى مدحا لأنه ليس باختياره وإرادته. إذن الثناء الحمد يكون ثناء باللسان على الصفات التي يفعلها الإنسان باختياره وإرادته. وأما إذا كان على خلاف ذلك، فهو الحمد. قال: والفرق بين الحمد والشكر، أن الحمد يتضمن المدح والثناء على المحمود بذكر محاسنه، سواء كان إحسانا إلى الحامد أو لم يكن. طيب ذكر الفارق بين الحمد والشكر، قال: أن الحمد يتضمن المدح والثناء على المحمود بذكر محاسنه، سواء كان إحسانا إلى الحامد أو لم يكن. والشكر لا يكون إلا على إحسان المشكور. فمن هذا الوجه الحمد أعم من الشكر، أي أن الحمد يكون، يعني عند حصول النعمة وعند حصول النقمة. فالحمد كما يقول أهل العلم: أعم سببا، وأخص آلة. الحمد يكون باللسان، يكون باللسان، وأعم سببا لأنه يكون عند النعم ويكون عند المصائب. إذا أنعم الله عليك بنعمة، مثلا من الله عليك بالولد، هذه نعمة، تقول: الحمد لله. من الله عليك بمال، تقول: الحمد لله. من الله عليك بصحة وعافية بعد مرض، تقول: الحمد لله. فأنت تحمد الله عند النعم. كذلك إذا ابتلاك الله بمصيبة، إذا ابتلاك الله بمصيبة أو بمرض، تقول: الحمد لله، تحمد الله. فأنت تحمد الله عند النعم وتحمد الله عند المصائب، إذن الحمد أعم سببا، يكون عند النعم وعند المصائب. وأخص آلة، فآلة الحمد هي اللسان، آلة الحمد هي اللسان. فأنت تحمد الله بلسانك. بخلاف الشكر، الشكر أعم آلة، آلات الشكر كثيرة: القلب واللسان والجوارح، هذه كلها آلات للشكر. أنت تشكر الله بقلبك، اعترافا بالنعم أنها من الله جل وعلا. وتشكر الله بلسانك، اعترافا بنعم الله وشكرا لله على نعمه باللسان. وتشكر الله جل وعلا بجوارحك، بتسخير هذه النعم في طاعة الله. أفادتكم النعمة مني: ثلاثة، يدي ولساني، والضمير المحجبة. إذن آلات الشكر أعم، آلات الشكر التي تشكر الله بها أعم، وهي القلب واللسان والجوارح. وسبب الشكر أخص، الشكر يكون عند النعم، الشكر يكون عند النعم. إذا من الله عليك بنعمة، قلت: الحمد لله والشكر لله. لكن إذا ابتلاك بمصيبة، ما تقول: الشكر لله. إذا ابتلاك بمرض أو ابتلاك بسقم، تقول: الحمد لله، تقول: الحمد لله. هذا الفرق بين الحمد والشكر. قال: فمن هذا الوجه الشكر أعم من جهة أنواعه، والحمد أعم من جهة أسبابه. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.