الدرس في التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح أهمية العقل في التحكم بالنفس وتجنب الحرص المذموم، حيث يحمي من الانجراف وراء الطمع والشهوات ويحقق العاقبة الحميدة. العقل يحقق الرزانة والتعامل الحسن مع الأمور.
يناقش عواقب اتباع الهوى وغلبة الشهوة، حيث يؤدي إلى سوء العاقبة والندم وتحمل عواقب الذنوب والمعاصي، بينما العقل والتأني يؤدي إلى نتائج إيجابية. ميل النفس إلى الشهوات يؤدي إلى التثاقل عن الحق.
يؤكد التحذير من اتباع الهوى ويصف عاقبته بالخزي والمذلة، ويبين أن اتباع الهوى يؤدي إلى الضلال وترك الحق، حيث يصل الإنسان إلى حالة يجعل فيها الهوى إلها يتبعه. يطلب السلامة والعافية ويختم بالصلاة على النبي.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال أبو حاتم البستي رحمه الله في منظومته المسماة بـ «الحكم»: قال: من كان للعقل سلطان عليه غدا، وما على نفسه للحرص سلطان. قال الشارح -وفقه الله-: من كان للعقل سلطان عليه يعني يتعامل مع الأمور بالعقل والرزانة والكياسة والفطنة والنظر في العواقب، من كان بهذه الصفة لا أن يتعامل مع الأمور بالشهوات وتتبع الملذات والاندفاع والعجلة، من كان للعقل سلطان عليه غدا أي صار، وما على نفسه للحرص سلطان أي لن يكون للحرص سلطان على نفسه، سيسلم من تسلط الحرص على نفسه. وقد مر معنا ذم الناظم للحريص على المال، فقال: «ويا حريصا على الأموال تجمعها». لن يكون للحرص سلطان عليه إذا كان يتعامل ويزن الأمور بالأناة والرفق والحكمة والتدبر في العواقب والنظر في المآلات، فإنه بهذه الصفة سيحمد العاقبة، بخلاف من يتعامل مع الأمور بالطيش والتهور والاندفاع، فهذا إنما يجني على نفسه لتسلط هذه الأشياء عليه. مثال ذلك، ما يتعلق بالأموال، فإذا حرص على جمع المال ولم يزن هذا الأمر بالعقل والرزانة والفطنة والنظر في العواقب، فإنه سيحرص على جمعه بأي طريق وأي سبيل، ولو بالكذب، ولو بالغش، ولو بالخيانة، ولو بالسرقة، ولو بقتل النفس، سيقعه الحرص فيما يذنب، وكذلك فيما تسوء عقبته، لماذا؟ لأنه لم يجعل العقل سلطانا، وإنما جعل الأمر موكلا إلى حرصه ورغبته وشهوته، فإنه سيندم، وستعود عليه الأمور بالعاقبة السيئة. وهكذا مثلا من غلب شهوة نفسه فوقع في الزنا ولم يبالي بتحريم الزنا وبمعصية الله ومخالفة أمر الله، رغبة في شهوة نفسه وحرصا على إشباع هواه، فإنه كذلك ستسوء العاقبة، وكذلك يندم، وكذلك يتحمل عواقب هذا الذنب وهذه المعصية، بخلاف ما لو كانت أموره بالعقل، فهو يتأنى ويتريث وينظر: هل في فعلي لهذا الأمر مصلحة؟ هل إقدامي على هذا الأمر يرضي الله سبحانه وتعالى أم يغضبه؟ هكذا يزن الأمور ويقدم عليها برزانة وبنظر في العواقب وبتأمل، لا بعجلة وإفراغ للشهوات وحرص على نيل الملذات. فهذا معنى كلام الناظم رحمه الله: «من كان للعقل سلطان عليه غدا، وما على نفسه للحرص سلطان»، يعني ما سيكون لحرص النفس سلطان عليه في فعل الأمور التي تريدها نفسه، وإنما هو يعمل الأمور ويقدم عليها بعقل ورجحان، وكذلك بفطنة وتأمل، وبهذا تحمد عواقبه بإذن الله. ثم قال الناظم رحمه الله: «من مد طرفا لفرط الجهل نحو هوى أغضى على الحق يوما وهو خزيانه». قال الشارح -فقه الله-: «من مد طرفا» أي من مد طرفه -أي بصره- نحو الهوى، أي اشرأبت نفسه للأهواء وتطلعت إليها ومالت، ماذا سيترتب على ذلك؟ عندما تكون النفس بهذه الصفة -والعياذ بالله- مشرئبة للأهواء، ميالة إليها، مبتدئة طرفها إلى نيلها وتحصيلها، ماذا سيترتب على ذلك؟ قال: «أغضى على الحق يوما وهو خزيانه»، أي سيكون في المقامات التي ينتصر فيها للحق، سيتثاقل ويتثبط ولن ينهض. وهذا أثر من آثار ركون الإنسان للشهوات وميل نفسه إلى الشهوات، إذا جاء مقام من مقامات الانتصار للحق، سيتثاقل ويغضي ويغض الطرف عن ذلك، لماذا؟ لأن طرفه أصبح مهتما بالشهوات والملذات وتتبعها والبحث عنها. فمن كان بهذه الصفة سيغضي على الحق يوما وهو خزيان، أي ذليل، «من مد طرفا لفرط الجهل نحو هوى أغضى على الحق يوما وهو خزيان»، يعني الذي يقدم هوى نفسه ورغبته في هواها وتتبع شهوات النفس وملذاتها، فإنه سيميل إلى الشهوات ويترك الحق والقول به أو نصرة أهله بسبب هوى نفسه. فالهوى مصيبة عظيمة إذا صار الإنسان متبعا لهواه. والله عز وجل يقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، يعني يصل الحال بالإنسان من شدة اتباعه لهوى نفسه أن يجعله إلها، يجعل الهوى إلها الذي يأمره وينهى، فما أمره به فعله وما نهاه عنه تركه، هذا الضلال عظيم، من يهديه بعد هذا الضلال؟ ولذلك قال الله عز وجل لداود عليه السلام: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ولا تتبع الهوى يحذره من اتباع الهوى. وهكذا أيضا حذر الله عز وجل نبينا محمدا عليه الصلاة والسلام من اتباع الهوى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾، فاتباع الهوى مصيبة إذا كان الإنسان متبعا لهواه، فسيردي به الهوى في الهاوية، ولهذا قيل: سمي الهوى بالهوى لأنه يهوي بصاحبه في النار، عياذا بالله، فهو مستعد لترك الحق وللأخذ بالباطل من أجل هوى نفسه، من أجل هوى نفسه يجعل الحق باطلا والباطل حقا، فكيف سينصر الحق من كان على مثل هذا الحال؟ لا شك أنه سيكون مآله الخزي والمذلة، «من مد طرفا لفرط الجهل نحو هوى أغضى على الحق يوما وهو خزيان». أسأل الله عز وجل أن يسلمنا ويعافينا وإياكم من الهوى. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.