الدرس في كتاب الإيمان 58، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل شرح حديث المقداد بن الأسود الذي رواه مسلم في صحيحه، حيث سأل المقداد النبي عن حكم قتل الكافر إذا أسلم أثناء القتال. يوضح الشرح سند الحديث واختلاف الروايات حوله، مع توضيح بعض الأمور الفقهية المتعلقة بالحديث.
يتناول هذا الفصل قصة المقداد بن الأسود مع النبي حين سأله عن حكم قتل كافر اعتدى عليه ثم أسلم أثناء القتال. يشير إلى أن إعلان الكافر إسلامه أثناء القتال يحول دون قتله، ويجعله معصوم الدم مثل المسلمين.
يشرح هذا الفصل حكم قتال الكافر إذا أسلم ونطق بشهادة التوحيد، ويبين أن من قال لا إله إلا الله يجب الكف عنه، ولا يجوز قتله، مع توضيح شروط ونواقض هذه الشهادة.
يتناول هذا الفصل أمر الله بقتال الكفار حتى يصبح الدين كله لله ويكون العباد طائعين له، ويوضح أن شهادة الشخص بشهادة التوحيد تكفي لوقف القتال وعدم الاعتداء عليه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم الحجاج أبو الحسين نيسابوري القشيري رحمه الله، بصحيحه، بكتاب الإيمان، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، وابن رافع، قالا: حدثنا ليث، حاء، وحدثنا محمد بن رمح، واللفظ متقارب، قال: أخبرنا الليث، وابن سعد، عن ابن شهاب، قال: عن عطاء بن يزيد، عن عبيد الليثي، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، عن المقداد بن الأسود، أنه أخبره أنه قال: أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقتله». قال: فقلت: يا رسول الله، إنه قد قطع يدي، ثم قال ذلك بعد أن قطعها، أفأقتله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال». قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، وهو الحنظلي، ابن ربهويه، قال: وعبد بن حميد، صاحب المنتخب، قالا: أخبرنا عبد الرزاق، ابن همام الصنعاني، قال: أخبرنا معمر، وهو ابن راشد، نزيل اليمن، قال: حا... وحدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، والوليد بن مسلم مدلس، وكثيرا ما يدلس عن الأوزاعي، إمام أهل الشام، ولهذا بعضهم انتقد هذا الحديث، لأنه من هذه الطريق، من طريق الوليد بن مسلم، وانتقد هذه الطريق الإمام الدارقطني رحمه الله، كما أشار الإمام النووي رحمه الله، إلا أن هذا لا يضر في صحة الحديث، لأن هذا السند إنما ذكره الإمام مسلم من باب المتابعات، ليس ذكره أصلا، وإنما من باب المتابعة، وإلا فأصل الحديث في الطريق الأولى التي مرت معنا صحيح. قال: حاء، وعيد بن مسلم يدلس تدليس التسوية، تدليس التسوية، وهو أن يسقط الراوي شيخا ضعيفا، ويروي عما بعده، فيجعل السند ظاهره الصحة، ويسقط هذا الضعيف. ولما سئل الوليد بن مسلم عن هذا، لماذا تفعل هذا؟ قال: إني أجل الإمام الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء، إني أجله أن يروي عن مثل هؤلاء. قال حا، وحدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، هو عبد الملك، قال: جميعا، عن الزهري، بهذا الإسناد. أما الأوزاعي، وابن جريج، ففي حديثهما قال: «أسلمت لله»، كما قال الليث في حديثه. وأما معمر، ففي حديثه: فلما أهويت لأقتله، قال: «لا إله إلا الله». قال: وحدثني حرملة بن يحيى، قال: أخبرنا ابن وهب، هو عبد الله، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: حدثني عطاء بن يزيد الليثي، ثم الجندعي، أن عبيد الله بن عدي من الخيار أخبره، أن المقداد بن عمرو بن الأسود الكندي، وكان حليفا لبني زهرة، وكان ممن شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: يا رسول الله، أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار... ثم ذكر بمثل حديث الليث. هذا الحديث حديث المقداد بن الأسود، وهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة، ونسبه الصحيح المقداد بن عمرو بن ثعلبة. وأما الأسود، فتبناه في الجاهلية، فنسب إليه، وهو الأسود من عبد يغوث، تبناه في الجاهلية، فنسب إليه، واشتهر به، وإلا فأبوه الحقيقي هو عمرو بن ثعلبة. وكان هذا الأمر مشتهرا في الجاهلية، أن يتبنى الإنسان ولدا، فينسب إليه، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان تبنى زيد بن حارثة، وكان يقال له: زيد بن محمد، حتى جاء الإسلام، فنهى عن ذلك، ونسب كل إنسان إلى أبيه، قال تعالى: «ادعوهم لآبائهم»، هو أقصد عند الله. فالمقداد بن عمرو بن ثعلبة، والكندي، لأن والده كان ممن حالف أهل كندة، فنسب إليهم. وقوله: كان حليفا لبني زهرة، لأن الأسود من عبد يغوث من بني زهرة، وكان تبناه، وهو حليف له، حالفه وتبناه. وكان ممن شهد بدرا، أي المقداد، وهذه من مناقبه رضي الله عنه، أنه ممن شهد بدرا. وقد كانت بدر مفخرة لأصحابها، كان أهل بدر لهم فضيلة ومنزلة ورفعة، إذ شهدوا هذه الغزوة، والتي وقعت عن غير ميعاد، وثبت فيها أهل الإيمان، وأثنى الله سبحانه وتعالى عليهم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في أهل بدر: «لا تدري لعل الله اطلع على قلوب أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فإني قد غفرت لكم». وجبريل عليه السلام سأل النبي عليه الصلاة والسلام: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قالوا: من أفضلهم، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. قال جبريل: وكذلك من شهدها من الملائكة. قال المقداد بن الأسود: أنه قال: يا رسول الله، أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني... إلى آخر الحديث. قوله: إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني، قوله: من الكفار فقاتلني، يحتمل أن يكون هذا الكافر حربيا، يحتمل أن يكون حربيا، أي ممن لا عهد له ولا ذمة. ويحتمل أن يكون غير حربي، ممن هو من أهل العهد أو الذمة، لكنه ابتدأه بالقتال. وإذا ابتدأه بالقتال، جاز له أن يقاتله، وذلك أن المسلم إذا اعتدى على أخيه المسلم، وأراد قتله، جاز لهذا المسلم أن يدفعه، وإن لم يندفع إلا بالقتل، جاز له أن يقتله، مع كونه مسلما. فمن باب أولى إذا كان كافرا، له عهد مثلا أو أمان أو ذمة، لكنه ابتدأ بالقتال، فإنه يقاتل. فقوله: رجلا من الكفار، هذا عام يشمل الكافر الحربي وغير الحربي. فقاتلني، يعني ابتدأ القتال. قال: فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، يعني اعتدى علي فقطع إحدى يدي، قطع إحدى يدي بالسيف. ثم لاذ مني بشجرة، أي اعتصم بشجرة واختبأ خلفها. فقال: أسلمت لله. قال: أسلمت لله. وفي رواية قال: «لا إله إلا الله». وهذا معنى أسلمت لله، يعني أصبحت مسلما، أشهد أنه لا إله إلا الله. فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ يعني بعد أن قال كلمة التوحيد، وشهد أنه لا إله إلا الله، هل أقتله؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تقتله». قال: فقلت: يا رسول الله، إنه قد قطع يدي، ثم قال ذلك بعد أن قطعها، يعني كأنه يقول: هو فعل ذلك، وقال أسلمت لله بعد أن قطع يدي، واعتدى علي، ثم قالها بعد ذلك، أفأقتله؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تقتله». فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال. هذا فيه أن الكافر المحارب إذا شهد أنه لا إله إلا الله، إذا شهد أنه لا إله إلا الله، وأعلن إسلامه، فهنا يجب الكف عن قتله، يجب الكف عن قتله، ولا يجوز حينئذ قتله. وإن كان قبل ذلك قد قتل من قتل من المسلمين. فإذا قال لا إله إلا الله ابتداء، يجب الكف عنه، ولا يجوز قتله. فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى المقداد أن يقتله بعد أن قال أسلمت لله، بعد أن قال أسلمت لله. قال: لا تقتله. قال: يا رسول الله، إنما قال بعد أن قطع يدي، اعتدى علي وقطع يدي، ثم قال هذه الكلمة. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تقتله». ثم بين له النبي عليه الصلاة والسلام أنه إن قتله فإنه بمنزلته قبل أن يقتله. قال: فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، يعني أنه معصوم الدم، أنه معصوم، أنه معصوم الدم، كما أنك معصوم الدم، ولا يجوز قتلك، فهو كذلك معصوم الدم، لما قال كلمة التوحيد، ولما دخل في الإسلام، صار معصوم الدم. وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال، ما المراد بقوله: فإنك بمنزلته؟ هل يعني في الكفر؟ الجواب: لا، بمنزلته أي في جواز القتل. إذا قتلته وهو مسلم، فهنا يجوز قتلك، لأنك حينئذ قتلت نفسا معصومة. فمن قتل نفسا معصومة، فإنه يقام عليه حد القصاص. فقوله: وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال، يعني أنه تقتل به قصاصا، كما أنه يجوز قتله قبل أن يقول كلمة التوحيد. فإنك إن قتلته بعد أن قال كلمته التي قال، فحينئذ تكون قد قتلت مسلما، ومن قتل مسلما متعمدا، فإن عليه حد القصاص. فهذا الحديث فيه، كما سمعنا، أن الكافر إذا أسلم ابتداء، يجب الكف عنه، يجب الكف عنه. وقوله عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله»، لا ينافي هذا الحديث، لا ينافي هذا الحديث، بل يؤيده، أنه إذا شهد أنه لا إله إلا الله، حينئذ يكون قد دخل في الإسلام، ثم بعد ذلك ينظر في بقية الشرائع، وبقية الفرائض، هل يقر بها أو لا يقر بها، هل يقوم بها أو لا يقوم بها، فهذا أمر آخر ينظر بعد ذلك. لكن ابتداء إذا نطق بشهادة التوحيد، وجب الكف عنه، وصار بهذا معصوم الدم، صار بهذا معصوم الدم، فلا يجوز حينئذ قتله. فإن أتى بعد ذلك بناقض من نواقض الإسلام، فكما قلنا له حكم آخر. هذا الكلام الآن، وهذا الحديث يدل على أنه إذا دخل الكافر في الإسلام ابتداء، فإنه يكف عنه، فإنه يكف عنه. وليس فيه دليل لأهل الأهواء من المبتدعة، وغلاة من الصوفية، أو نحوهم، الذين ينكرون على أهل السنة تكفيرهم لمن أتى بناقض من نواقض الإسلام، كدعاء غير الله، أو الاستغاثة بغير الله، أو الذبح لغير الله، إلى آخر ذلك. فيقولون: كيف تكفرون من يشهد أن لا إله إلا الله؟ كيف تكفرونهم أو تقاتلون من يقول لا إله إلا الله؟ والنبي صلى الله عليه وسلم نهى المقداد أن يقتل هذا الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله. فالجواب: نقول هذا ابتداء، إذا قال ابتداء، وكان كافرا، فنطق بكلمة التوحيد، فنكف عنه، ثم ينظر بعد ذلك، هل يأتي بشرائع الإسلام، ويقر ببقية أحكام الإسلام؟ إن كان كذلك، فحكمه حكم المسلم، وله ما للمسلمين. وأما إن نقض ذلك، إن نقض ذلك بناقض من نواقض الإسلام، فلا تنفعه قول لا إله إلا الله، لا ينفعه قول لا إله إلا الله، لأن هذه الكلمة لها شروط، ولها كذلك نواقض تنقضها، وتبطلها. فإذا أتى بشروطها، وانتفت نواقضها، حينئذ يكون له حكم المسلمين، من عصمة الدم والمال. وهذا أيضا الحديث فيه بيان عظم ما في هذا الدين من الرحمة، وكذلك أيضا حسن التعامل مع المخالف. فالكافر في حال كفره، في حال كفره، يجوز قتله، ولا يكون معصوم الدم والمال، إذا كان كافرا حربيا، لأجل كفره، لأجل كفره. فإذا أسلم، إذا أسلم ابتداء، صار له حكم المسلمين، من عصمة الدم والمال، فلا يعتدى عليه، ولا يجوز قتله. وإن كان فعل قبل ذلك ما فعل، من أمور عظام، ومن كبائر الذنوب، التي ربما توجب قتله، كقتل النفس المعصومة. لكن إذا دخل في الإسلام، ونطق بشهادة التوحيد، فإنه يكف عنه، ولا يجوز قتله. هذا من عظم محاسن هذا الدين العظيم. والله عز وجل يقول: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين﴾. فقتال الكفار حتى لا تكون فتنة في الأرض، وأعظم فتنة هي الكفر والشرك، الكفر بالله جل وعلا، أعظم فتنة. وهذه الأرض لله عز وجل، هو خالقها، وهو موجدها، وهو الذي خلق الخلق على ظهرها، حتى يقوم بعبادته وطاعته. وأن الأرض لله، يرث من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين. فلذلك أمر الله عز وجل بقتال الكفار حتى يكون الدين كله لله، ويكون العباد كلهم عبادا لله، قائمين بطاعة الله سبحانه وتعالى. فإذا شهد بشهادة التوحيد، فإنه يكف عنه، ولا يعتدى عليه.