الدرس في كتاب الصيام 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
إذا أكل أو شرب الصائم ناسيًا فصومه صحيح ولا يبطل. يعذر الصائم أيضًا إذا ارتكب مفطرًا على سبيل الخطأ أو الجهل.
يشترط للفطر في رمضان أن يكون الصائم عالما بتحريم المفطر، ذاكرا لصومه، قاصدا للإفطار، مختارا لذلك. إذا كان جاهلا أو ناسيا أو مكرها فلا يفطر.
يستحب للصائم تعجيل الفطر عند غروب الشمس وتأخير السحور إلى قبيل الفجر، لما في ذلك من بركة وخير. وردت أحاديث نبوية تشجع على ذلك وتدل على فضله.
السحور يحصل بالشيء اليسير مثل التمر أو الماء، ويحصل به البركة في صيام الصائم. لا يشترط أن يكون السحور طعامًا ثقيلًا أو كثيرًا.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه «منهج السالكين» في كتاب الصيام: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» متفق عليه، والحديث من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ففي هذا الحديث أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الصائم إذا أكل أو شرب في أثناء صومه ناسيًا أنه صائم، فإنه يتم صومه، أي يستمر في صيامه، فصومه صحيح لا يبطل ولا يفسد، «فإنما أطعمه الله وسقاه»، هذا الذي أكله من الطعام أو الشراب الذي شرب أو حال صيامه، فهي طعم من الله وسقياه من الله جل وعلا، فدل هذا الحديث أن الصائم إذا أكل أو شرب، ومعلوم أن الأكل والشرب من المفطرات بإجماع أهل العلم، فإذا حصل منه ارتكاب هذا المفطر على سبيل النسيان، فإن صومه صحيح، سواء أكل شيئًا قليلًا أو أكل شيئًا كثيرًا، حتى لو أكل وجبة كاملة وهو ناسي، فصومه صحيح. لو اشترى طعامًا، اشترى مثلًا كيلو من العنب وجعل يأكل يأكل يأكل يأكل وناسي، لم يبق من العنب إلا حبات قليلة، تذكر أنه صائم، ما حكم صيامه؟ صحيح؛ لأنه ناسي. ثم أكل الحبات التي بقيت وهو ذاكر بعد أن ذكر أنه صائم، قال: قد أكلنا الكثير، ما بقي إلا القليل، إذا كان الصوم لا يبطل بأكل ما أكلناه، فلا يبطل بهذه الحبات القليلة، فأكلها وهو ذاكر، فإنه يبطل؛ لأنه أكل هذه الحبات من العنب وهو ذاكر أنه صائم، وإنما عذر في أكل ما أكل لكونه ناسيًا للصيام. إذن دل هذا على أن هذه المفطرات -الأكل والشرب وغيرها من المفطرات- لا يفطر بها الصائم إلا إذا فعلها وهو ذاكر لصيامه، إذا فعلها وهو ذاكر لصيامه، أما إن كان ناسيًا فهو معذور، وصومه صحيح. وتأتي هنا مسألة: وهو إذا رأى صائمًا آخر في أثناء الصيام في نهار الصيام وهو يأكل، هل يذكره بأنه صائم أو يتركه يأكل ويشرب ويقول: هذه سقيا من الله له وطعم من الله، ما نقطعها عليه، خليه يأكل ويشرب؟ رأيت أخاك وهو صائم في النهار -رمضان- يأكل ويشرب، هل تذكره بأنه صائم وتنكر عليه أو تتركه يأكل؟ الجواب: أنك تنكر عليه وتذكره؛ لأن الأكل والشرب في نهار رمضان يعتبر منكرًا، يعتبر منكرًا، ما يجوز السكوت عليه، فتذكره بأنه صائم وأنه لا يجوز له أن يأكل ويشرب حال صيامه، فمتى ما ذكر فإنه يكف ويترك، إلا إذا كان الطعام قد دخل أو كانت اللقمة في حلقه فيبلعها، أما ما كان في فمه وقد تذكر أنه صائم، وجب عليه أن يلفظه وأن يخرجه. هل يلحق بالأكل والشرب الجماع إذا نسي وهو صائم فجاء مع أهله في نهار الصيام؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، بعض أهل العلم قال: لا، الجماع ما يدخل في النسيان، كيف ينسى أنه صائم ويأتي أهله؟ والقول الصحيح أنه يدخل، لو فعلًا نسي أنه صائم وأتى أهله في نهار رمضان فإنه معذور، وصومه صحيح. لو أن إنسانًا مثلًا من عادته أنه يأتي أهله في النهار بعد الفجر، فأتى كالعادة، صلى الفجر وأتى إلى أهله ونام معهم ونسي أنه صائم وأتى أهله، فيعذر، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. وعلى هذا فصومه صحيح. كذلك أيضًا من الأعذار التي يعذر بها الصائم ولا يبطل بها صومه إن ارتكب بها مفطرًا الخطأ، أن يحصل منه ارتكاب المفطر على سبيل الخطأ، فلابد أن يكون عامدًا متعمدًا قاصدًا بارتكاب هذا المفطر؛ لأن الله عز وجل يقول: «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا»، فقال الله عز وجل في الحديث القدسي: «قد فعلت»، ويقول عز وجل: «وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم»، فإذا ارتكب هذا المفطر متعمدًا قاصدًا، فهذا يفطر، لكن حصل على سبيل الخطأ، إن حصل على سبيل الخطأ. مثال ذلك: إنسان تمضمض في أثناء الوضوء، وإثناء المضمضة ما شعر إلا ودخل الماء إلى حلقه ووصل إلى جوفه، هل يفطر بذلك؟ والماء مفطر، الجواب: لا يفطر؛ لأنه ما فعل هذا قاصدًا ومتعمدًا، وإنما حصل على سبيل الخطأ. أو استنشق فدخل الماء إلى الأنف ووصل إلى حلقه ودخل إلى الجوف، فكذلك؛ لأنه مخطئ، فهو معذور. كذلك أيضًا إذا دخل شيء إلى الحلق من غير قصد، كغبار أو ذبابة، إنسان يقرأ القرآن، ماذا لو جاءت الذبابة ودخلت إلى فمه ودخلت إلى حلقه وابتلعها؟ صحيح؛ لأنه غير متعمد. هكذا إذا اغتسل مثلًا ووصل شيء من الماء ودخل إلى جوفه، فكذلك فهو معذور؛ لأنه غير متعمد. وكذلك أيضًا لو أكل في الليل يظن أن الليل ما زال باقيًا فأكل، ثم تبين أن الفجر قد دخل، فصومه صحيح؛ لأنه مخطئ، لم يتعمد أن يأكل بعد طلوع الفجر. وهكذا لو أكل في النهار قبل غروب الشمس ظنًا أن الشمس قد غربت فأكل -يعني غلب على ظنه أن الشمس قد غربت فأكل- فتبين أن الشمس لم تغرب، فصومه صحيح؛ لأنه مخطئ، لأنه مخطئ، لم يفعل ذلك على سبيل القصد والعمد. ويدل على ذلك ما رواه أسماء بنت أبي بكر في صحيح البخاري: أنهم أفطروا في يوم غيم، كان هناك غيوم، وفي ذلك الزمن ما في ساعات، الواحد ينظر إلى الساعة يتأكد من الوقت، إنما كانوا يعتمدون على الرؤية، كان هناك غيوم فظنوا أو غلب على ظنهم أن الشمس قد غربت، فأفطروا، بعد أن أفطروا ظهرت الشمس، فلم يأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بالقضاء؛ لأنهم أخطأوا، حصل منهم ذلك على سبيل الخطأ. ومثل ذلك مثلًا لو أخطأ المؤذن، لو أن مؤذنًا أخطأ فأذن يظن أن الشمس قد غربت فأفطر الناس، وإذا بالشمس ما زالت لم تغرب بعد، فصومهم صحيح؛ لأنهم أفطروا على أذان هذا المؤذن، أنه أذن لدخول الوقت، وقد أخطأ، وهم أخطأوا في ذلك، وصومهم صحيح، لكن الواجب الإمساك متى تبين أنه أخطأ وأن وقت الإفطار لم يدخل بعد، فالواجب أن يمسك حتى يدخل وقت الإفطار. إذن لا يحصل الفطر بشيء من هذه المفطرات إلا إذا حصل على سبيل القصد والعمد. كذلك أيضًا يشترط لحصول الفطر بهذه المفطرات -مع الذكر والقصد- كذلك العلم، أن يكون عالما بأن هذا الشيء مفطر أو محرم، لا يجوز أن يفعله في نهار رمضان، فإن كان جاهلًا فإنه يعذر، فإنه يعذر بجهله. كإنسان مثلًا حديث عهد بإسلام، يجهل أن الجماع في نهار رمضان محرم، لا يجوز، وأنه من المفطرات، فأتى أهله في نهار رمضان وهو جاهل بهذا الحكم، فما حكم صومه؟ الجواب: أنه صحيح؛ لأنه يجهل حرمة هذا الشيء، ولابد من العلم، والله لا يؤاخذ الإنسان بما يجهله. لكن لو أن إنسانًا يعلم أن الجماع في نهار رمضان محرم، هل هذا يعذر؟ الجواب: لا؛ لأن هذا علم بحرمة الجماع وإن جهل ما يترتب عليه، فإنه لا يعذر بسقوط الكفارة، بل يؤمر بالكفارة، بخلاف لو جهل أصل الحكم، فهذا الذي يعذر، وأما من علم الحكم وجهل ما يترتب عليه، فإنه لا يعذر. إذا لابد كذلك من العلم. ومما يدل على ذلك قصة عمرو بن العاص في صحيح البخاري، لما نزل قول الله عز وجل: «وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود»، ولم ينزل «من الفجر»، تأخر نزول «من الفجر»، عمد عمرو بن العاص إلى عقالين -الحبل الذي يربط به البعير- أتى بحبلين أحدهما أسود وآخر أبيض ووضعهما تحت الوسادة -تحت المخدة- وجعل ينظر إلى الوسادة ويأكل ويشرب وينظر إلى الوسادة حتى يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود، حتى طلع الفجر، وهو يأكل. فلما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بما فعل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن وسادتك إذن لعريض»، إذا كانت الوسادة التي معك تسع بياض النهار وسواد الليل، إذن هذه وسادة عريضة، هو فهم من الآية هذا الفهم: أنه يأتي بحبلين ويتبين، يأكل ويشرب ويتبين له أحدهما الأبيض أو الأسود، وإنما المراد بياض النهار وسواد الليل الذي يكون في الأفق. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن وسادك لعريض، إنما ذاك بياض النهار وسواد الليل»، ثم نزل بعد ذلك قوله عز وجل: «من الفجر»، ولم يأمر النبي عليه الصلاة والسلام بقضاء هذا اليوم؛ لأنه كان جاهلًا، دل هذا على أن الجهل كذلك عذر، من الأعذار. إذن لابد فيما ارتكب مفطرًا من هذه المفطرات أن يكون عالما، وأن يكون ذاكرًا، وأن يكون قاصدًا. وكذلك أيضًا الشرط الرابع: وهو أن يكون مختارًا، أن يفعل ذلك باختياره، فإن حصل منه على سبيل الإكراه، فإنه يعذر ولا يبطل صومه. مثال ذلك: لو أن رجلًا أكره امرأته على الجماع في نهار رمضان، امرأته صائمة، وأراد أن يأتيها فامتنعت، فما استطاعت، هو قوي فغلبها وأتاها، وهي مكرهة، كارهة لذلك، ما حكم صومها؟ نقول: صومها -على الصحيح- أنه صحيح؛ لأن هذا الفطر حصل منها على سبيل الإكراه، لم تفعله باختيارها ولا برغبتها، فلا يفسد صومها بذلك. وهكذا لو أن مسلمًا أسير بين أيدي الكفار مثلًا، فجاء وقت الصيام -رمضان- فصام، فأكرهوه على الفطر، أتوا بالماء بالقوة وأدخلوه في فمه حتى دخل الماء إلى جوفه، هل يفطر بذلك؟ الجواب: لا؛ لأنه مكره، لم يرتكب هذا المفطر باختياره. إذن حصول الفطر بهذه المفطرات يفطر به الصائم إذا حصل منه وهو عالم، ذاكر، قاصد، مختار، فإن كان جاهلًا أو كان ناسيًا أو كان مخطئًا أو كان مكرها، فإنه لا يفطر بذلك أو باستعمال هذا المفطر. قال رحمه الله: «وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يزال الناس بخير ما عجل الفطر» متفق عليه، وهذا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس بخير ما عجل الفطر»، فهذا الحديث فيه استحباب تعجيل الفطر، استحباب تعجيل الفطر، وأن تعجيل الفطر سبب لبقاء الخير بقاء الخير في الناس، وكثرته. وأن تأخير الفطر -على مفهوم المخالفة- أن هذا الحديث منطوقه: أن تعجيل الفطر سبب لبقاء الخير، مفهوم المخالفة: أن تأخير الفطر سبب لقلة الخير، وكثرت الشر. وجاء في حديث أبي هريرة أيضًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس بخير ما عجل -أو لا يزال الدين ظاهرا- لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر؛ فإن اليهود والنصارى يؤخرون» رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن تعجيل الفطر من أسباب ظهور الدين وعلوه، وأن تأخير الفطر من فعل اليهود والنصارى، من فعل اليهود والنصارى، فهم يؤخرون الفطر حتى تشتبك النجوم، لكن المسلم أمر بالفطر عند أول تحقق غروب الشمس. فالمراد بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر»، نعلم بهذا أن العمل بالسنة -وهو التعجيل بالفطر- من أسباب بقاء الخير، وكذلك أيضًا من أسباب ظهور الدين؛ لأن الدين هو ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك تعجيل الفطر، فتعجيل الفطر من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فالعمل بسنته عليه الصلاة والسلام من أسباب ظهور الدين وكثرة الخير وقلة الشر. وأن خلاف ذلك -وهو العمل بخلاف السنة- سبب لقلة الخير وكثرة الشر وانطماس هذا الدين وعدم ظهوره. والمراد بقوله: «ما عجل الفطر»، أي تعجيل الفطر عند أول تحقق غروب الشمس، عند أول تحقق غروب الشمس، فالمراد: «ما عجل الفطر»، ليس المراد أن يفطر قبل وقت الفطر، لكن عند أول وقت الفطر، وذلك إذا غرب قرص الشمس وغاب في الأفق وأقبل الليل من جهة المشرق، فهنا يدخل وقت الإفطار. وفي حديث عمر رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: «إذا أقبل الليل من ها هنا -أي من جهة المشرق- وأدبر النهار من ها هنا -أي من جهة المغرب- وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم»، يعني دخل وقت الإفطار. هذا الوقت الذي يستحب فيه تعجيل الفطر، ما يتأخر، وقد تحقق غروب الشمس وأقبل الليل، ويقول: لا ننتظر، نحتاط، لا، هذا خلاف السنة، هذا خلاف السنة، الاحتياط إذا كان هناك غيوم ولم تعلم بالوقت، فلا بأس أن تحتاط لتيقن غروب الشمس، أما وقد رأيت الشمس قد غربت والليل قد أقبل، هنا قد دخل وقت الإفطار، فالمستحب هو تعجيل تعجيل الفطر، ولا تؤخر الفطر. وفي حديث عبد الله بن أبي أوفى في الصحيحين: لما كانوا مع النبي عليه الصلاة والسلام في سفر، فلما غربت الشمس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «انزل فاجدح لنا»، أي اخلط الماء بالسويق، قال: يا رسول الله، لو أمسيت؟ قال: «انزل فاجدح لنا»، قال: يا رسول الله، إن عليك نهارًا -كان يرى الحمر التي عند غروب الشمس في الشفق، ظنه أن هذا من النهار- قال: يا رسول الله، إن عليك نهارًا، قال: «انزل فاجدح لنا»، حتى نزل فاجدح لهم، فأفطروا. يعني النبي صلى الله عليه وسلم أمره بأن يفطروا في أول وقت الإفطار، وأن الحمر التي تكون عند غروب الشمس -هذا ما تضر- ما تضر، الذي يراعى هو غياب قرص الشمس، إذا غاب قرص الشمس وأقبل الليل من جهة المشرق، فهنا دخل وقت الإفطار، وحينئذ يستحب التعجيل بالفطر. قال: «وقال: تسحروا»، وجاء في أثر عمر من ميمون الأودي قال: «كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من أسرع الناس إفطارًا وأبطأهم سحورًا»، كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسرع الناس إفطارًا وأبطأهم سحورًا، رواه الطبراني والبيهقي، وهو صحيح. هكذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «وقال: تسحروا؛ فإن في السحور بركة» متفق عليه، حديث أنس رضي الله عنه في الصحيحين، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «تسحروا»، هذا أمر، لكن حمله جمهور أهل العلم على الاستحباب، بل نقل الإمام النووي رحمه الله الاتفاق على أن هذا الأمر للاستحباب، والصارف له -كما ذكر أهل العلم- هو وصال النبي عليه الصلاة والسلام؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواصل الأيام تلو الأيام من غير أن يأكل شيئًا. وقوله: «تسحروا»، المراد بالسحور: هي الوجبة التي توكل في وقت السحر -قبل الفجر- التي توكل في وقت السحر، السحور بالفتح: الوجبة التي توكل، وبالضم: السحور هو الفعل، مثل الطهور والطهور. «تسحروا؛ فإن في السحور بركة»، هذا حث وترغيب من النبي صلى الله عليه وسلم على أكلة السحر، أن يحرص المسلم على أن يتسحر عند صيامه، فيأكل شيئًا في وقت السحر. «تسحروا؛ فإن في السحور بركة»، نعم، السحور فيه بركة، من بركة السحور: أنه عمل بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، والعمل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم من الخير العظيم، والبركة هي كثرة الخير وثبوته. وهكذا أيضًا من بركة السحور: أنها تعين الصائم على تحمل الصيام في نهار الصيام، يجد الصائم نشاطًا وقوة، وهذا من بركة السحور، بخلاف لو صام من غير السحور، هو ما يشعر بضعف، ويشعر بألم الجوع والعطش. كذلك أيضًا من بركة السحور: أنها تعين الصائم على إدراك وقت السحر -وهي الأوقات الفاضلة- التي ينزل فيها الرب عز وجل -تبارك وتعالى، لا يليق بجلاله- إلى السماء الدنيا، فيقول: «هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟»، نعم، فيدرك هذا الوقت المبارك. كذلك أيضًا من بركة السحور: أنه يعين الصائم على إدراك صلاة الفجر والمحافظة عليها، فكونه يقوم في وقت السحر يتسحر ويتهيأ لصلاة الفجر، فلا يفوته صلاة الفجر، بخلاف من ربما نام في نصف الليل، فإنه ربما يغفل عن صلاة الفجر ولا يدركها. كذلك أيضًا من بركة السحور: أنها أكلة فاصلة بين صيام أهل الإسلام وصيام أهل الكتاب، فيه مخالفة لأهل الكتاب -من اليهود والنصارى- في حديث عبد الله بن عمر في صحيح الإمام مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب: أكلة السحر»، الفاصل والمفرق بين صيامنا وصيام أهل الكتاب: أكلة السحر، هم لا يتسحرون، ونحن نتسحر، وهذا من بركة السحور: أن فيه مخالفة لأهل الكتاب -من اليهود والنصارى- في صيامهم. المسحاة: أن يكون في آخر الليل قبل الفجر، أن يكون قبل الفجر، كما في حديث زيد بن ثابت في الصحيحين، قال: «تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قمنا إلى الصلاة»، قال أنس: «كم كان بينهما؟» قال: «قدر خمسين آية»، بين السحور وبين الصلاة: قدر خمسين آية، قال أهل العلم: يعني آيات متوسطة تقرأ، وهذا يعني: يقدر بنحو ربع ساعة تقريبًا. ومعنى هذا: أن السحور قريب جدًا من الفجر، كان قريبًا جدًا من الفجر، فالمسحاة بتأخير السحور حتى يحصل المقصود منه: من إعانة الصائم على التقوي على الصيام في نهار الصيام. وكذلك أيضًا سمى النبي عليه الصلاة والسلام السحور «غداء» في حديث عمر عند الطبراني، قال عمر رضي الله عنه: «من عنده -أو هل أمه- إلى الغداء المبارك»، ثم ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك، أي سمى السحور «الغداء المبارك». ثم كذلك أيضًا نعلم أن السحور لا يشترط أن يكون وجبة دسمة، لا، السحور يحصل بكل ما يأكله المتسحر، ولو كان شيئًا يسيرًا، ولو كان طعامًا قليلًا، بل ولو كان تمرًا، ولو كان شربة ماء. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعمة سحور المؤمن: التمر»، نعمة سحور المؤمن: التمر، لو تسحرت بتمارات وشربت ماء، الحمد لله، يحصل بذلك البركة، ويحصل فيها الخير، فيحصل السحور كما سمعنا بأقل شيء يتناوله المتسحر، ولو تمارات، ولو شربت ماء، ولو طعامًا يسيرًا. يعني ما يشترط أن يكون السحور: طعامًا ثقيلًا أو طعامًا كثيرًا، بل يحصل بما هو أقل من ذلك، ويحصل بهذا البركة في صيام هذا الصائم. نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.