الدرس في كتاب الصيام 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الفطر على التمر أو الماء، ويبين أن الصيام ليس فقط الامتناع عن الطعام والشراب بل تحقيق تقوى الله. يشدد على أهمية فعل الأوامر واجتناب النواهي في الصيام.
يناقش حكم صيام الولي عن الميت إذا كان الميت لم يقض صياماً واجباً قبل وفاته، ويبين اختلاف العلماء في وجوب أو استحباب هذا الصيام. يشمل ذلك صيام رمضان والنذر والكفارة مع مراعاة التتابع.
يعتبر الصيام عن الميت مثل سداد دينه، ويجوز لأي شخص أن يصوم عنه سواء كان قريباً أو أجنبياً. يصح هذا الصيام ويجزئ عن الميت بناءً على قول أهل العلم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه «منج السالكين»، كتاب الصيام: «قال وقال: إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على ماء، فإنه طهور، رواه الخمسة». رواه الخمسة، أي: أحمد وأصحاب السنن الأربعة، من حديث سلمان بن عامر الضبعي. والحديث فيه ضعف، وذلك أن فيه الرباب بنت الرائح، وهي مجهولة. وكذلك أيضا ذكر الشيخ الألباني رحمه الله أن هذا الحديث أخطأ فيه بعض الرواة عن شعبة، فهو غير محفوظ. هذا من قوله عليه الصلاة والسلام: الأمر بالفطر على التمر، فإن لم يوجد فالماء. لكن صح من فعله عليه الصلاة والسلام، في حديث أنس، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يفطر على رطب أو رطبات، فإن لم يكن رطبات فتمرات، فإن لم يكن فحسى حسوات من ماء». كذلك أخرجه الإمام أحمد وأصحاب السنن. ففي هذا الحديث استحباب الفطر على الرطب. الرطب هي فاكهة التمر أول ما يرتب التمر بعد أن يكون بسرا، فيصير رطبا، فيستحب الفطر على الرطب إن تيسر، فإن لم يتيسر فالفطر على التمر، وهو الرطب إذا يبس، أو جفف، خزنه فيصير تمرا، فيستحب الفطر على التمر. فإن لم يوجد ويتيسر التمر، فحسى حسوات من ماء، يعني شربات من ماء. وذكر أن الإمام ابن القيم رحمه الله أن للفطر بالتمر فوائد، وهكذا بالماء. وذلك أن الصائم إذا صام، يفقد الجسم نسبة من السكريات، ويصيبه شيء من الضعف، فكان من المناسب أن يفطر على تمر، فيعيد له النشاط، وكذلك أيضا يجدد ما فقده الجسم من السكريات. وهكذا أيضا الفطر على الماء، كذلك مفيد، لأن الكبد عند الصيام يصيبها جفاف، فإذا أفطر الصائم بالماء، كان في ذلك ترطيب للكبد، وتجديد لعملها، فكان فيه نفعا. فالفطر على التمر والماء مفيد جدا للجسم. وبعض أهل العلم قال: إن لم يجد تمرا وتيسر شيء حلو كالحلوى أو نحو ذلك، لا بأس أن يفطر بها، تقوم مقام، يعني التمر، في تجديد مادة السكر في الجسم. وإن لم يتيسر إلا الماء، أفطر بالماء. إن لم يتيسر إلا الماء، أفطر بالماء. فكان هذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام: الفطر على التمر والماء. قال: «وقال صلى الله عليه وسلم: من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، رواه البخاري، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. من لم يدع قول الزور، الزور: القول الباطل، القول الباطل كالكذب والغيبة والنميمة ونحو ذلك من الباطل. والعمل به، أي: العمل بهذا الزور وهذا الباطل. والجهل: السفه، السفه كالصياح ورفع الصوت والمخاصمة ونحو ذلك. قال: «فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». هذا الحديث يبين النبي صلى الله عليه وسلم ما هي الغاية المقصودة من الصيام، وما هي الحكمة من الصيام. هل هي مجرد الإمساك عن الطعام والشراب، وهي في الأصل من المباحات، لكن يمسك عنها الصائم تعبدا لله جل وعلا، فلا يقربها في أثناء صيامه، ثم يقع في أنواع من المحرمات؟ هل هذا هو المقصود من الصيام؟ الجواب: لا. المقصود من الصيام هو أن تصوم عن محارم الله، أن تصوم عما نهى الله جل وعلا. أن يقودك الصيام إلى تحقيق تقوى الله جل وعلا، بفعل الأوامر واجتناب النواهي، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. الحكمة من فرض الصيام هي تحقيق تقوى الله جل وعلا. فكون الصائم يصوم عن الطعام والشراب والجماع، وهي من أمور المباحة في الأصل، لكن يتركها في نهار الصيام، وفي نهار رمضان، تعبدا لله جل وعلا، وطاعة لله، ثم يقع في قول الزور، في الكذب والغيبة والنميمة وشهادة الزور، ويدعي أنه صائم، ما الفائدة من هذا الصيام؟ ليس هذا المقصود من الصيام. المقصود أن تصوم عما حرم الله جل وعلا، ويقودك الصيام إلى تحقيق تقوى الله جل وعلا. هذا معنى الحديث: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، يعني: ليس هذا المقصود الذي أراده الله جل وعلا من فرض الصيام على العباد: أن يدعوا الطعام والشراب، ثم يقع في قول الزور والعمل به. وإنما المقصود أن يجتنبوا سائر المحرمات والمعاصي والذنوب، وأن يحققوا تقوى الله جل وعلا بصيامهم. ولهذا جاء في مسند الإمام أحمد، قال عليه الصلاة والسلام: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر والتعب». رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، يعني: ليس له في صيامه أجر، وإنما حظه من الصيام أنه أجاع نفسه وأعطشها، وحرم أجر الصيام بسبب وقوعه في أنواع من الذنوب والمعاصي والخطايا. وهكذا: «رب قائم حظه من قيامه السهر والتعب»، يقوم يصلي قيام الليل، وصلاة التراويح، ولا يؤجر، لا يؤجر في قيام هذا. لماذا؟ لأنه ما أخلص لله عز وجل في هذا العمل، ما قام إيمانا واحتسابا، وإنما قام ربما رياء للناس، وربما قام حياء، وربما قام عادة، يقول الناس: يصلي معهم مثلهم، أو يقوم وهو مستثقل لهذه العبادة والطاعة في قلبه، فيحرم أجر هذه الصلاة، لا يكون له من صلاته إلا السهر والتعب، إلا السهر والتعب. فيحرص الصائم على تحقيق الغاية المقصودة من الصيام، وهي تحقيق تقوى الله جل وعلا. وهل يستفاد من هذا الحديث أن الصائم إن وقع في شيء من ذلك، من قول الزور والعمل به، كالغيبة أو النميمة أو الكذب أو نحو ذلك، أن صومه يفسد ويبطل؟ قال بهذا بعض السلف، روي عن الحسن أو غيره: أن الغيبة تفطر الصائم. وجمهور أهل العلم على أن صومه صحيح، لكن ينقص أجر الصيام، ينقص أجر الصيام بوقوعه في مثل هذه الذنوب، وربما يحرم أجر الصيام كله، لا يكون له من صومه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إلا الجوع والعطش، بسبب وقوعه في هذه الذنوب. فالصائم يحذر أن يخدش صومه بمثل هذه الذنوب والمعاصي. قال: «وقال: من مات وعليه صيام، صام عنه وليه»، متفق عليه، أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. من مات وعليه صيام، صام عنه وليه. هذا الحديث يبين فيه النبي عليه الصلاة والسلام مشروعية صيام الولي عن وليه، أو القريب عن قريبه. أولا نذكر حكم الصيام عن الحي. هل يجوز للحي أن يصوم عن الحي؟ إنسان مريض، فيقول لابنه أو قريب له: صم عني، بارك الله فيك، لك الأجر والثواب. هل يجوز هذا؟ الجواب: لا، ما يجوز. ما يصوم الحي عن الحي، لا يصوم الحي عن الحي، هذا بإجماع أهل العلم. أن الحي لا يصوم عن الحي. كذلك أيضا الصلاة، ما يصلي الحي عن الحي، كذلك إلا ما كان تبعا، إلا ما كان تبعا، كمن حج أو اعتمر عن إنسان، فإنه يصلي ركعتي الطواف تبعا للحج والعمرة، هذا جائز. أما يعني يصلي عنه أصلا فلا. وكذلك أيضا مما يجوز فيه النيابة أن يقوم الإنسان بالعمل والطاعة عن غيره: الحج والعمرة، وهو حي، إذا عجز الإنسان عن الحج ببدنه، لكونه مريض مرضا مزمنا مستمرا، لا يستطيع معه السفر، وعنده المال الذي يستطيع به أن يحج، فهنا ينيب غيره فيحج عنه، هذا جائز أن يحج عنه وهو حي. لكن الصيام كما سمعنا: لا يصوم حي عن حي، وإنما يصوم الميت، الحي عن الميت. قال: «من مات وعليه صيام». متى يصام عن الميت؟ يصام عن الميت إذا تمكن هذا الميت الذي عليه الصيام من القضاء ولم يقض. إنسان مرض في رمضان مرضا يرجى شفاؤه، يرجى منه الشفاء، ثم عوفي، عوفي من هذا المرض، وعاش بعده شهرا أو شهرين أو ثلاثة أشهر، المهم أنه تمكن من القضاء، فلم يقض، ثم مات، فهذا يصام عنه، لأنه تمكن من القضاء، فصار الصيام دينا في ذمته. أما إذا استمر به المرض، استمر به المرض، إنسان مرض في رمضان، واستمر به المرض إلى أن أتى شوال، وهو ما زال مريضا، ثم مات، ولم يشف من هذا المرض، فهذا لا يقضى عنه، لا يقضى عنه، ولا يطعم عنه. لماذا؟ لأن الصوم في حقه ليس بواجب، هو ما زال من أهل الأعذار، الصوم المرض عذر من أعذار وجوب الصيام، واستمر به المرض حتى مات، ولم يشف من هذا المرض، إذن الصوم لم يجب عليه، فلا يصام عنه، ولا يطعم عنه، هذا قول جمهور أهل العلم. فالذي يصام عنه من كان له عذر، ثم زال العذر، واستطاع القضاء، ولم يقض، هذا يصام عنه. ثم هل يصام عنه أي صوم، أو يفرق بين ما كان واجبا بأصل الشرع كقضاء رمضان، أو ما كان واجبا بالنذر؟ بعض أهل العلم قال: يصام عن الميت صوم النذر، يصام عن الميت صوم النذر. وأما الصوم الواجب عليه بأصل الشرع، كقضاء رمضان، هذا لا يصام عنه. قالوا: لماذا؟ قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل في بعض الأحاديث الصحيحة، سألته امرأة، قالت: إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: نعم. قال: أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته عنها؟ قالت: نعم. قال: «فدين الله أحق أن يقضى». فقال هنا النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقضاء هذا الصيام، لما سئل عن صيام النذر. قالوا: إذن المقصود في الحديث هو صوم النذر فقط. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يصام عن الميت أي صوم، سواء كان صوم نذر أو كفارة، أو كان كذلك صوم واجب بأصل الشرع، كقضاء رمضان. وهذا هو الصحيح، وذلك أن الحديث عام: «من مات وعليه صيام»، وصيام نكرة في سياق الشرط، تفيد العموم، تفيد العموم، أي صيام، فيشمل ذلك الصيام الواجب بأصل الشرع، لقضاء رمضان، والصيام الواجب بالنذر، وهكذا أيضا صيام الكفارة. من مات وعليه صيام، فيعم جميع أنواع الصيام. قال: «صام عنه وليه». صام، هنا خبر وفعل ماضي، لكن المراد منه الأمر، صام، أي: ليصم، ليصم عنه وليه. ومثل قول الله عز وجل: ﴿وَالْوَالِدَاتُ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، يتربصن، أي: ليتربصن، فهذا خبر يراد منه الأمر، فكذلك أيضا: «صام عنه»، أي: ليصم عنه. وهنا ما حكم صيام هذا الولي عن وليه؟ ذهب بعض العلم لأنه للاستحباب، وقال جمهور أهل العلم قالوا: يستحب للولي أن يصم عن وليه، وليس بواجب. ما هو الدليل؟ قالوا: قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، فلا يتحمل الحي التقصير الذي حصل من هذا الميت، لا يتحمل تقصيره ووزره. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن هذا الأمر للوجوب، أن هذا الأمر للوجوب، فيجب على هذا الولي أن يصوم عن وليه. وقالوا: بأن هذا الحديث خاص، والآية عامة، الآية عامة: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، هذا هو الأصل، لكن دل الحديث على أن الولي يصوم عن وليه، فيكون هذا الحديث مخصصا لعموم الآية. وعلى هذا، فيجب على هذا الولي أن يصوم عن وليه. قال: «صام عنه وليه». من هذا الولي القريب؟ الولي هو قريب الميت، سواء كان وارثا له أو غير وارث، كالأب والابن والأخ والعم وابن العم، أو غير ورثة، كالخال وابن الخال ونحوهم. فيصوم هذا القريب عن قريبه ما عليه من الصيام. وهل يشترط في هذا الصيام التتابع؟ هل يصومون عنه يعني متتابعا، أو يصومون متفرقين؟ يقال: إذا كان الصوم الذي على الميت لا يشترط فيه التتابع، فلا يشترط في الصيام عنه التتابع، مثل أن يكون عليه قضاء من رمضان، عليه عشرة أيام من رمضان، فيجوز وليه أن يصوم عنه عشرة أيام متفرقة، أو يصوم عشرة أقاربه كل واحد يصوم يوما، لا بأس. هذا يصوم يوم، وهذا يصوم يوم، فيكون قد صام عنه عشرة أيام. وأما إذا كان هذا الصوم الذي في ذمته يشترط فيه التتابع، كصيام شهرين متتابعين، فهنا لا بد في الصيام عنه أن يكون متتابعا، أن يكون متتابعا. فهذا يصوم مثلاً عشرة أيام، والثاني يصوم بعده عشرة أيام، والثالث يصوم بعده عشرة أيام، وهكذا يكون الصوم متتابعا من غير تفريق. طيب: «صام عنه وليه»، هل يجوز أن يصوم عنه غير الولي؟ كالصديق، الصديق لهذا الميت، صاحبه، يقول: أنا سأصوم عن صديقي هذا، أريد أن أصوم عنه، هل يجوز ويجزئ ذلك؟ الجواب: نعم، يجزئ. أن يصوم الصديق عن هذا الميت. قال أهل العلم: ذلك أن الصيام عنه هو كالدين، كسداد الدين الذي في ذمته، هذا الصوم يعتبر دينا في ذمته، فيجوز أي شخص يأتي ويسدد هذا الدين الذي عليه. فلو جاء أجنبي غير قريب له، وصام عنه، فإنه يصح منه الصيام، ويجزئ عن هذا الميت. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.