الدرس في كتاب الحيض 24، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح هذا الفصل حكم الانتفاع بجلد الميتة بعد دبغه، حيث يروي حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر فيه بانتفاع بجلد شاة ميتة بعد دبغه. يشير إلى جواز الانتفاع بجلد الميتة بعد تطهيره بالدباغ.
يتناول هذا الفصل ضوابط تطهير جلود الميتة بالدباغ، حيث يجوز استعمال جلد الميتة بعد دبغه إذا كانت من الحيوانات التي تؤكل. يُختلف في جلود الحيوانات غير المأكولة، ويُرجح أن جلود الميتة لا تطهر إلا إذا كانت من الحيوانات المأكولة.
يجوز الانتفاع بريش الطيور الميتة مثل الدجاج والحمام لأنها طاهرة، وإنما يحرم أكلها. هذا الحكم مبني على أن ريشها ليس نجسا، مما يسمح باستخدامها دون تحريم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مسلم بن الحجاج بن حسين أن يسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: وحدثني قال: وحدثنا يحيى بن يحيى، وهو التميمي، أبو بكر بن أبي شيبة، وهو عبد الله بن محمد بن إبراهيم، وعمر الناقض، وابن أبي عمر، جميعا عن ابن عيينة. قال يحيى: أخبرنا سفيان ابن عيينة، أبو محمد الهلالي، عن الزهري، وهو محمد بن مسلم، عن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: تصدقت مولاة لميمونة بشاة فماتت، فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «هل لا أخذتم إيهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟» إيهابها يعني جلدها. فقالوا: إنها ميتة. فقال: «إنما حرم أكلها». قال أبو بكر بن أبي عمر في حديثهما عن ميمونة رضي الله عنها، أي زوج النبي عليه الصلاة والسلام. ففي هذا الحديث أن ميمونة تصدقت على مولاة لها بشاة، ثم ماتت هذه الشاة، فمر بها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «هل لا أخذتم إيهابها فدبغتموه؟» يعني هل لا أخذتم جلدها فدبغتموه؟ الدبغ تطهير الجلد بأي نوع من أنواع المطاهرات، كالقرض والملح وغيرها من المواد التي تستعمل في تطهير الجلود. فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أو حثهم على أخذ جلد هذه الميتة والانتفاع به بتطهيره ثم استعماله. فلما قال ذلك استشكلوا، قالوا: إنها ميتة، يعني كيف ننتفع منها وهي ميتة؟ والميتة كل ما مات حتف أنفه بغير ذكاة شرعية، من غير أن يذكى فيسمى ميتة. فقالوا: إنها ميتة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما حرم أكلها»، يعني الميتة يحرم أكل لحمها، أما الانتفاع بجلدها فلا بأس به. قال: وحدثني أبو الطاهر وحرملة قال: حدثنا ابن وهب، وعبد الله ابن وهب المصري قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، عن عبيد الله ابن عبد الله ابن عتبة، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد شاة ميتة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل انتفعتم بجلدها؟» قالوا: إنها ميتة. قال: «إنما حرم أكلها». قال: وحدثنا حسن حلواني وعبد بن حميد جميعا عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال: حدثني أبي عن صالح عن ابن شهاب بهذا الإسناد بنحو رواية يونس. قال: وحدثنا ابن أبي عمر وعبد الله ابن محمد الزهري -واللفظ لابن أبي عمر- قال: حدثنا سفيان عن عمرو عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بشاة مطروحة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به؟» قال: وحدثنا أحمد بن عثمان النوفلي قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا من جرير قال: أخبرني عمرو بن دينار قال: أخبرني عطاء منذ حين -يعني منذ زمن- قال: أخبرني ابن عباس أن ميمونة أخبرته أن داجنة -والداجنة هي الشاة التي تألف البيت، تعيش عند أهل البيت فتدخل وتخرج وتسمى داجنا- كانت لبعض نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم فماتت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخذتم إهابها فاستمتعتم به؟» قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بشاة لمولاة لميمونة، فقال: «ألا انتفعتم بإهابها؟» قال: وحدثنا يحيى بن يحيى قال: أخبرنا سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم أن عبد الرحمن بن وعلة أخبره -وعبد الرحمن بن وعلة روى له مسلم وأصحاب السنن وهو صدوق- أخبره عن عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر». إذا دبغ الإهاب يعني الجلد فقد طهر. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمر الناقد قال: حدثنا ابن عيينة. وحدثنا قتيبة ابن سعيد قال: حدثنا عبد العزيز عن ابن محمد. وحدثنا إسحاق بن إبراهيم جميعا عن وكيع عن سفيان، كلهم عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله -بمثله يعني حديث يحيى بن يحيى-. قال: وحدثني إسحاق بن منصور وأبو بكر بن إسحاق قال أبو بكر: حدثنا، وقال إسحاق بن منصور: أخبرنا عمر بن الربيع قال: أخبرنا يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب أن أبا الخير حدثه -ومرثد بن عبد الله اليزني- قال: رأيت على ابن وعلة السبئي فروا تمسسته، فقال: ما لك تمسه؟ قد سألت عبد الله بن عباس. قلت: إنا نكون بالمغرب ومعنا البربر والمجوس. قال: البربر هم شعب، أكثر قبائل تسكن الجبال في شمال إفريقيا. قال: والمجوس -والمجوس- العباد النار. قال: يذبحون الكبش، ونحن لا نأكل ذبائحهم لأنه لا يجوز أكل ذبائح الكفار غير أهل الكتاب. قال: ويأتون بالسقاء يجعلون فيه الودك -الودك يعني الشحم-. قال: قال ابن عباس: قد سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «دباغه طهوره»، يعني أنه يطهر بالدباغ ولو كان من ذبح الشاة ممن لا يحل أكله، فذبيحته كالميتة. ذبيحة الكافر الذي لا تحل ذبيحته فهي كالميتة بالنسبة للمسلم. وإذا جاز للمسلم أن ينتفع بجلود الميتة، جاز له أن ينتفع بجلود ما ذبحه الكفار من غير أهل الكتاب. قال: «دباغه طهوره». قال: وحدثني إسحاق بن منصور، أبو بكر بن إسحاق عن عمر بن الربيع قال: أخبرنا يحيى بن أيوب عن جعفر بن ربيع عن أبي الخير حدثه قال: حدثني ابن وعلة السبئي قال: سألت عبد الله بن عباس. قلت: إنا نكون بالمغرب، فيأتينا المجوس بالأسقية فيها الماء والودك. قال: اشرب. قلت: أرأيت؟ فقال ابن عباس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «دباغه طهوره». فهذه الأحاديث كما سمعنا فيها حث النبي عليه الصلاة والسلام على الانتفاع بجلود الميتة. فإذا ماتت فيجوز أن يأخذ جلدها فيدبغ بأي شيء من المواد التي تطهر الجلد، كالقرض، وقشر الرمان، والملح، والرماد، ونحو ذلك. فإذا طهر جاز استعماله. اختلف أهل العلم في هذه المسألة، مسألة تطهير جلود الميتة: هل هذا الحكم يعم جميع جلود الميتة، فيقال: إنها تطهر بالدباغ ولو كان من حيوانات لا يجوز أكلها، كالكلب والخنزير والسباع؟ أو أنها خاصة بما يجوز أكلها؟ في هذه المسألة الخلاف. الإمام النووي رحمه الله ساق في الشرح هذا الخلاف، وذكر نحو من سبعة مذاهب لأهل العلم في هذه المسألة. منهم من قال: بأنه يطهر جميع الجلود حتى الكلب والخنزير. ومنهم من قال: يطهر جميع الجلود إلا الكلب والخنزير. وذكر بقية الأقوال. منهم من قال: إنه لا يطهر من جلود الميتة إلا مأكول اللحم -إلا مأكول اللحم- يعني ما يؤكل لحمه، كبهيمة الأنعام: الإبل، والبقر، والغنم، والخيل. وأما ما لا يؤكل لحمه فلا يطهر بالدباغ. وهذا القول لعله أرجح الأقوال. هذا القول أرجح الأقوال، وهو قول الإمام الأوزاعي، وابن المبارك، وأبي ثور، وإسحاق بن راهويه. لماذا هذا أرجح الأقوال؟ أولا: الحديث الذي أتى عندنا في حث النبي عليه الصلاة والسلام على الانتفاع بجلود الميتة، هو يعني ورد في جلد الشاة. والشاة مما يباح أكلها. والأمر الثاني: أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الجلوس على جلود السباع. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن جلود السباع أن تفترش -يعني أن يفرش المرء جلدها ويجلس عليها-. ذكر أهل العلم من حكمة ذلك أو علة ذلك أن السباع لا يجوز أكلها، ولا تحل بالذكاة -يعني لو ذبحت هي ميتة ما يجوز-. ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عن استعمال جلود السباع يدل على أن جلودها لا تطهر، ولو دبغت؛ لأنه لا يؤكل لحمها. فهذا دليل على أن ما لا يؤكل لحمه فإن جلده لا يطهر ولو دبغ. وأما حديث ابن عباس في قوله أن النبي صلى الله عليه وسلم، أو ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «دباغه طهوره»، هذا يحمل على ما يؤكل لحمه؛ لأنه ورد في أشياء وما كان مثلها مما يؤكل لحمه. فيكون طهور الجلود للميتة إذا كان مما يؤكل لحمها. وأما ما لا يؤكل لحمه فإنه لا يطهر ولو دبغ. والمسألة كما سمعنا فيها خلاف بين أهل العلم. والذي ينجس من الميتة كل ما تحله الحياة: اللحم وتوابعه: الكرش، والأمعاء. وأما ما لا تحله الحياة -يعني ليس به حياة: لا دم ولا عصب ولا شيء من ذلك- فهذا طاهر. كالريش والشعر والظفر. فهذه طاهرة؛ لأنها لا تحلها الحياة على الصحيح. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما حرم أكلها»، يدل على أنه لا بأس بالانتفاع من الميتة بغير الأكل -بغير الأكل- كاستعمال جلدها، واستعمال شعرها. يعني ماذا لو ماتت شاة وهي كثيرة الشعر -صوف- لا بأس يجز منها الصوف ويستعمل. أو ماتت دجاجة أو حمامة أو شيء من ذلك، ويراد الانتفاع بريشها، ما بأس ينتفع بريشها؛ لأنه طاهر. وإنما حرم أكلها. صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين.