الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 46، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول المقطع أحاديث نبوية حول أوقات الصلوات الخمس وفضل طلب العلم، مشيراً إلى أهمية الجهد في تحصيل العلم. كما يشير إلى ورود أحاديث في صحيح مسلم حول هذا الموضوع.
شرح كيفية بيان النبي لوقت الصلاة بالفعل في يومين متتاليين، حيث صلى الصلوات الخمس في أول وقتها في اليوم الأول، وفي آخر وقتها في اليوم الثاني. كما رويت أحاديث نبوية تبين مواقيت الصلاة وحدودها الزمنية.
المقطع يشرح حديثا نبويا يبين مواقيت الصلاة الخمسة وحدودها الزمنية، حيث سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن مواقيت الصلاة فأمره النبي أن يصلي معه في أوقات مختلفة لبيان الحدود الزمنية للصلاة. كما روى أبو بكر بن أبي شيبة رواية أخرى عن مواقيت الصلاة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم، من الحجاج أبو الحسين، نيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه: وحدثني أحمد بن يوسف الأزدي، قال: حدثنا عمر بن عبد الله بن رزين، قال: حدثنا إبراهيم، يعني ابن طهمان، عن الحجاج، وهو ابن حجاج، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الصلوات، فقال: «وقت صلاة الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول، ووقت صلاة الظهر إذا زالت الشمس عن بطن السماء ما لم يحضر العصر، ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول، ووقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس ما لم يسقط الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل». قال: وحدثنا يحيى، من يحيى التميمي، قال: أخبرنا عبد الله بن يحيى، من أبي كثير، قال: سمعت أبي، أي يحيى بن أبي كثير، يقول: «لا يستطاع العلم براحة الجسم». هنا ذكر الإمام مسلم، رحمه الله، هذا الأثر عن يحيى بن أبي كثير، بعد أن ذكر حديث عبد الله بن عمر، برواياته. وذكر الإمام النووي، رحمه الله، أن الشراح لصحيح مسلم يذكرون ما هو السبب الذي لأجله ذكر الإمام مسلم، رحمه الله، هذا الأثر، مع أن الإمام مسلم لم يسق شيئا من الآثار في صحيحه، وإنما ساق الأحاديث المرفوعة إلى النبي عليه الصلاة والسلام. ونقل عن القاضي عياض، رحمه الله، عن بعض الأئمة، أنهم قالوا: السبب في ذلك أن مسلما أعجب حسن سياق هذه الطرق التي ذكرها بحديث عبد الله بن عمر، وكثرت فوائدها، وتلخيص مقاصدها، ومجتمعات عليها من الفوائد في الأحكام وغيرها. قال: ولا نعلم أحدا شاركه فيها، فلما رأى ذلك أراد أن ينبه من رغب في تحصيل الرتبة التي أناله بها معرفة مثل هذا، فقال: طريقه أن يكثر اشتغاله، وإتعاب جسمه في الاعتناء بتحصيل العلم. يعني: من أراد تحصيل العلم، والوقوف على الفوائد، وجمعها، فعليه أن يبذل الجهد، وأن يتعب نفسه، وأن يسهر، وكذلك يعني يستغل عمره ووقته حتى يتحصل على العلم. فذكر هذا الأثر «لا يستطاع العلم براحة الجسم» يعني: من أراد العلم وتحصيله، والوصول إلى أكمل غاياته، فإنه لا ينال ذلك براحة الجسم، بالنوم والكسل والخمول وضياع الأوقات، بل لا ينال ذلك إلا إذا أتعب نفسه، أتعب نفسه بالحفظ والمراجعة والسهر في طلب العلم، فإنه بذلك يتحصل على العلم. قال رحمه الله: حدثني زهير بن حرب، وعبيده الله بن سعيد، كلاهما عن الأزرق، قال زهير: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، قال: حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن رجلا سأله عن وقت الصلاة، فقال له: «صلي معنا هذين اليومين». فلما زالت الشمس أمر بلالا فأذن، ثم أمره فأقام، فأقام الظهر، ثم أمره فأقام العصر، يعني في وقت العصر، والشمس مرتفعة بيضاء نقية. ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر. هذا في اليوم الأول. قال: فلما كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر، فأبرد بها، فأنعم، قال: فأنعم أن يبرد بها. وصل العصر والشمس مرتفعة، أخرها فوق الذي كان. وصل المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصل العشاء بعدما ذهب ثلث الليل، وصل الفجر فأسفر بها. ثم قال: «أين السائل عن وقت الصلاة؟» فقال الرجل: أنا يا رسول الله. قال: «وقت صلاتكم بين ما رأيتم». يعني بينه النبي عليه الصلاة والسلام أوقات الصلاة بالفعل. فصلى في اليوم الأول الصلوات الخمس في أول وقتها، صلى الظهر عند أول زوال الشمس، ثم صلى العصر عند مصير ظل كل شيء مثله، وهو معنى قولي: «والشمس مرتفعة بيضاء نقية»، يعني ما زالت الشمس فيها حرارتها، لأن في أول العصر تكون الشمس ما زالت حية فيها الحرارة والبياض. ثم صلى المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى العشاء عندما غاب الشفق، يعني الأحمر، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر، أي عند أول طلوعه. ثم في اليوم الثاني صلى الصلوات في آخر وقتها، فصلى الظهر، قال: حين أبرد بالظهر، والإبراد أن تؤخر صلاة الظهر عند اشتداد الحر حتى ينكسر الحر، ويكون ذلك في آخر وقت الظهر. أمره أن يؤذن، وصلى الظهر في ذلك الوقت، فالإبراد يكون يعني في آخر وقت الظهر. ثم صلى العصر، قال: «والشمس مرتفعة»، أخر صلاة العصر، فصلى به ليس في أول وقتها، وإنما في آخر وقتها المختار، قبل اصفرار الشمس. قال: وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، يعني في آخر وقت المغرب، قبل غياب الشفق، لأن الشفق إذا غاب انتهى وقت المغرب. وصلى العشاء بعدما ذهب ثلث الليل، يعني في آخر ثلث الليل الأول، وذلك قبل نصف الليل. وصلى الفجر فأسفر، أسفر بها، يعني انتظر حتى انتشر ضوء الفجر، وقبل طلوع الشمس، صلى به الفجر. ثم قال: «أين السائل عن وقت الصلاة؟» قال رجل: أنا يا رسول الله. قال: «وقت صلاتكم ما بين ما رأيتم». يعني ما بين هذين الوقتين من اليوم الأول والثاني. فبين له النبي عليه الصلاة والسلام أوقات الصلوات بالفعل. وهذا أي بيان العلم، وكذلك التعليم عن طريق الفعل، هو أبلغ في الفهم، وكذلك أيضا في التعليم من القول، الفعل أبلغ، لما يرى الناظر الشيء بعينه، أبلغ ذلك مما أن يسمعه بأذنه. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم علم الصحابة الصلاة بقوله وفعله، كيفية الصلاة، وهكذا كيفية الحج، لأن التعليم بالفعل أبلغ في حصول المقصود وبيانه وفهمه. فلهذا لما سأل هذا السائل، ما قال له الوقت كذا وكذا، لكن بيّن له بالفعل، لأن هذا كما سمعنا أبلغ في الفهم والبيان. وكذلك أيضا فيه دليل على القاعدة الأصولية، وهو تأخير البيان، أنه يجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة. فهذا السائل سأل عن هذا الأمر، فأخر النبي صلى الله عليه وسلم البيان إلى أن بيّن له بالفعل في هذين اليومين، حين صلى عليه الصلاة والسلام الصلاة في أول وقتها في اليوم الأول، ثم صلى الصلاة في آخر وقتها. فحصل بذلك البيان، فدل هذا على أنه يجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة. وأما تأخير البيان عن وقت الحاجة، فهذا لا يجوز، يعني الوقت الذي يحتاج فيه المكلف إلى بيان الحكم حتى يعمل ما أمر به، فيؤخر البيان، هذا لا يجوز. مثلا أمرنا الله جل وعلا بالصلاة أن نصلي في هذا الوقت، ثم لا يأتي بيان كيفية الصلاة في هذا الوقت الذي أمرنا بالصلاة فيه، هذا لا يجوز، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة هذا من تكليف ما لا يطاق. قال رحمه الله: حدثني إبراهيم بن محمد بن عرعرة السامي، قال: حدثنا حرمي بن عمارة، قال: حدثنا شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن مواقيت الصلاة، قال: «اشهد معنا الصلاة». فأمر بلالا فأذن بغلس، غلس، يعني في وقت ظلمة الفجر، اختلاط ظلمة الليل مع ظلام الفجر، في أول وقت الفجر. قال: فصل الصبح حين طلع الفجر، ثم أمره بالظهر حين زالت الشمس عن بطن السماء، يعني عن وسط السماء أو كبد السماء. ثم أمره بالعصر والشمس مرتفعة، ثم أمره بالمغرب حين وجبت الشمس، يعني حين سقطت وغربت، لأن الوجوب في اللغة بمعنى السقوط، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ أي إذا سقطت لازمة محلها. قال: ثم أمره بالعشاء حين وقع الشفق، يعني حين غاب. ثم أمره الغد فنور بالصبح، معنى نور، يعني انتظر حتى أنار الفجر، يعني أسفر وانتشر ضوء الفجر. قال: ثم أمره بالظهر فأبرد، ثم أمره بالعصر والشمس بيضاء نقية لم تخالطها صفرة، يعني قبل اصفرارها. قال: ثم أمره بالمغرب قبل أن يقع الشفق، ثم أمره بالعشاء عند ذهاب ثلث الليل أو بعضه، شك حرمي. فلما أصبح قال: «أين السائل؟» ما بين ما رأيت وقت. قال: وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا بدر بن عثمان، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي موسى، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة، فلم يرد عليه شيئا. قال: فأقام الفجر حين انشق الفجر، والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضا، يعني من ظلمة الليل وعدم انتشار ضوء النهار، وهذا يكون في أول وقت الفجر. وتعلموا في ذلك الوقت ما كانت عندهم مصابيح ولا كهرباء، فتجد يعني الواحد ربما يصلي عند أخيه ولا يعرف من هو بسبب الظلمة. قال: ثم أمره فأقام بالظهر حين زالت الشمس، والقائل يقول: قد انتصف النهار، وهو كان أعلم منهم، يعني النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة، ثم أمره فأقام بالمغرب حين وقعت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق. ثم أخر الفجر من الغد حتى انصرف منها، والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت، يعني كادت أن تطلع، بمعنى أنه أخر الفجر إلى آخر وقتها. قال: ثم أخر الظهر حتى كان قريبا من وقت العصر بالأمس، يعني بالنسبة لليوم الذي مضى. قال: ثم أخر العصر حتى انصرف منها، والقائل يقول: قد احمرت الشمس. ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، ثم أخر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول، ثم أصبح فدعا السائل، فقال: «الوقت بين هذين». وقول هنا: حتى كان ثلث الليل، يعني آخر ثلث الليل. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن بدر بن عثمان، عن أبي بكر بن أبي موسى، سمعه منه، عن أبيه، أن سائلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن مواقيت الصلاة، بمثل حديث ابن نمير، غير أنه قال: فصل المغرب قبل أن يغيب الشفق في اليوم الثاني. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.