كتاب المساجد ومواضع الصلاة 44

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 44

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 44، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أوقات الصلوات الخمس وبيانها من خلال حديث جبريل

يشرح المقطع أوقات الصلوات الخمس من خلال حديث جبريل مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين أن الصلاة لها وقت محدد يجب على المسلم أداؤها فيه. يوضح أن هذا الحديث يعد مرجعًا هامًا لفهم أوقات الصلاة.

فضل الصلاة في أول وقتها وتأخير بعض الصلوات

يناقش المقطع أهمية الصلاة في أول وقتها وفضلها، ويشير إلى أن تأخير بعض الصلوات مثل العشاء والظهر في بعض الحالات مستحب. كما يبرز أن العلماء قد يفوتهم بعض العلم أو ينسيه لهم، وهذا لا ينقص من قدرهم.

تحديد وقت صلاة العصر وأداؤها في أول وقتها

يدخل وقت العصر عندما يصبح ظل الشيء مثله بعد فيء الزوال، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجل بصلاة العصر ويصليها في أول وقتها. يُستحب الإسراع بها بمجرد حلول وقتها، بعد أن يصبح ظل كل شيء مثل طوله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، أبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين القشيري رحمه الله، في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد، وابن رمح بن جميل، أبو رجاء العطاردي، قال: حدثنا ليث، وهو ابن سعد، أبو الحارث الفهمي، قال: وحدثنا ابن رمح، هو محمد، قال: أخبرنا الليث عن ابن شهاب، وهو الزهري، عن عمر بن عبد العزيز أنه أخر العصر شيئا، فقال له عروة: أما إن جبريل قد نزل فصلى إمام رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له عمر: اعلم ما تقول يا عروة؟ فقال: سمعت بشير بن أبي مسعود يقول: سمعت أبا مسعود يقول: أبو مسعود وعقبة بن عمر البدري الأنصاري قال: يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: نزل جبريل فأمني، فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، يحسب بأصابعه خمس صلوات، يعني أن جبريل أم النبي عليه الصلاة والسلام، فصل به الصلوات الخمس. والإمام مسلم أراد بذكر هذا الحديث بيان أوقات الصلوات، وهو وإن لم يكن ظاهرا في هذا الحديث، لكن الحديث معلوم ومشهور، وهو صلاة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأنه أم النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الأول في أول وقت الصلاة، ثم أماه في اليوم الثاني في آخر وقت الصلاة من الصلوات الخمس، ثم قال: ما بين هذين الوقتين الصلاة. وقد جاء الحديث مطولا في السنن، سنن أبي داود والترمذي. فذكر الإمام مسلم رحمه الله هذا الحديث للدلالة على ذاك الحديث الموضح المبين لهذه الرواية، وما جاء في حديث جابر، وحديث ابن عباس. قال: وحدثنا يحيى بن يحيى التميمي، قال: قرأت على مالك عن ابن شهاب أن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يوما، فدخل عليه عروة بن الزبير، فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يوما وهو بالكوفة، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري، فقال: ما هذا يا مغيرة؟ أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى - يعني صلى النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة جبريل - في أوقات الصلوات الخمس التي بينها له جبريل عليه السلام، ثم قال: بهذا أمرت - يعني أن أصلي الصلاة في هذا الوقت. فقال عمر لعروة: انظر ما تحدث يا عروة، أو إن جبريل عليه السلام هو أقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الصلاة؟ فقال عروة: كذلك كان بشير بن أبي مسعود يحدث عن أبيه. قال عروة: ولقد حدثتني عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر. هذا الحديث فيه كما سمعنا بيان أوقات الصلوات، وأن الصلاة لها وقت محدد، يجب أن يصلي المسلم الصلاة في وقتها. إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا. ودخول وقت الصلاة كما نعلم شرط لصحة الصلاة، فلا يجوز للمسلم أن يصلي الصلاة قبل دخول وقتها، فإذا صلى قبل دخول الوقت فصلاته باطلة. وكذلك أيضا لا ينبغي أن يؤخر الصلاة عن وقتها المختار حتى يأتي وقت الاضطرار أو وقت الكراهة فيصلي فيه الصلاة من غير عذر، بل ينبغي أن يبادر بالصلاة في أول وقتها، هذا هو الأفضل والأكمل والموافق لهدي النبي عليه الصلاة والسلام، إلا ما يستحب تأخيره، كصلاة العشاء إذا لم يشق على الناس، فإن المستحب أن تصلى في الثلث الأول من الليل إذا لم يشق. وهكذا صلاة الظهر عند اشتداد الحر، فالمستحب فيها الإبراد، وهو تأخير الصلاة إلى آخر وقتها، فتصلى قبل خروج وقتها بنحو نصف ساعة، ونحو ذلك. وأما في غير اشتداد الحر، فالمستحب أن يبادر بها في أول وقتها. وفي هذا الحديث أن أهل العلم والفضل ربما يفوتهم شيء من العلم، قد يفوتهم شيء من العلم لم يعلم به أو لم يطلع عليه. فعمر بن عبد العزيز رحمه الله، وهو الخليفة في زمن بني أمية، وكان يعد من أفضل الأمراء - يعني بعد معاوية - أما معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، فهو يعد أفضل أمراء بني أمية لأنه صحابي، والصحبة لا تعدلها شيء. لكن بعد معاوية رضي الله عنه، فكان أفضل الأمراء والخلافاء هو عمر بن عبد العزيز، حتى عده بعض أهل العلم الخليفة الخامس. وكان رحمه الله من أهل العلم والفضل والعبادة والزهد والورع، حتى إنه لما ولي الخلافة وعدل بين الرعية، لم يوجد في زمنه فقيرا يحتاج إلى شيء من الصدقة والمال. فالمقصود أن عمر بن عبد العزيز مع فضله وعلمه قد فاته أو خفي عليه هذا الحديث، حتى ذكره له عروة رضي الله تعالى عنه. وهذا كما ذكر أهل العلم أن العالم والفاضل مهما بلغ من العلم والفضل قد يفوته شيء من العلم لم يسمعه أو لم يعلم به. ولذلك يعتذر لأهل العلم والفضل إن خالفوا حديثا بأنهم ربما لم يعلموا به أو لم يطلعوا عليه، أو كذلك ظنوه ضعيفا أو نحو ذلك من الأعذار. وبهذا ألف شيخ الإسلام رحمه الله كتابه "رفع الملام عن الأئمة الأعلام"، وذكر فيه بعض الأعذار التي يعذر فيها أهل العلم والفضل مما حصل منهم من مخالفة بعض الأحاديث وبعض المسائل، فكان لهم في ذلك عذر. وهكذا أيضا كون العالم نسي شيئا من العلم أو خفي عليه شيء من العلم لا ينزل هذا من قدره، فإن العالم مهما بلغ من العلم فإنه لن يحيط بالعلم كله، فلابد أن يفوته شيء من العلم. فهو وإن كان ذا علم واطلاع ومعرفة، فكذلك قد يخفى عليه شيء، ولا يستطيع أحد أن يحيط بالعلم كله. وفي حديث عائشة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر، المراد بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبكر بصلاة العصر فيصليها في أول وقتها. والعصر يدخل وقته إذا صار ظل الشيء مثله بعد فيء الزوال، وهو الظل الذي يبقى عند زوال الشمس. فإذا صار ظل الشيء مثله دخل وقت العصر. والشمس إذا مالت عن كبد السماء إلى جهة الغروب، لو كان هناك ظل أو شاخص منتصب قبل الزوال، كلما قربت الشمس إلى جهة وسط السماء وكبد السماء تجد هذا الظل ينقص، حتى إذا قاربت الزوال تجد أن الظل يقف، هو في الحقيقة لم يقف، يعني يسير سيرا بطيئا جدا تراه واقفا. فتضع عليه علامة، فإذا مالت الشمس إلى جهة الغروب سرعان ما يزيد هذا الظل، أول ما يزيد هذا الظل معناه دخل وقت الظهر. ويستمر الظل بالزيادة كلما مالت الشمس إلى جهة الغروب، كلما زاد الظل، حتى إذا صار ظل هذا الشيء مثله مع حساب فيء الزوال، هذا الظل الذي بقي عند الزوال، نحسبه مع ظل الشيء، فإذا صار ظل الشيء مثله مع فيء الزوال هنا معناه خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجل بصلاة العصر كما سيأتي أيضا في الروايات الأخرى، كان عليه الصلاة والسلام يصلي العصر في أول وقتها. فتقول: كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر، يعني قبل أن يظهر الظل، وذلك لأن الحجرة كانت قصيرة. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعجل بصلاة العصر كما شرح الإمام النووي رحمه الله في شرحه. قالوا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمر الناقد، قال عمر: حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس طالعة في حجرتي، لم يفئ الفيء بعد. قال أبو بكر: لم يظهر الفيء بعد. قالوا: حدثني حرملة بن يحيى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في حجرتها، لم يظهر الفيء في حجرتها. قالوا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومن نمير، قالا: حدثنا وكيع عن هشام عن أبيه عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس واقعة في حجرته. هذه الروايات كلها كما ذكرنا فيها دلالة على استحباب التبكير بصلاة العصر، وأنه تصلى في أول وقتها. ولذلك جاء في أحاديث كثيرة أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يصلون مع النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يذهب الذاهب إلى خارج المدينة والشمس ما زالت مرتفعة. وفي حديث آخر: كانوا ينحرون الجزور بعد صلاة العصر ويطبخونه ويأكلون منه، ولم يأت وقت صلاة المغرب بعد. وفي بعض الروايات: والشمس حية، وبعضها: والشمس مرتفعة. وسيأتي بعضها، كل ذلك يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر في أول وقتها، وهذا هو المستحب في صلاة العصر، أنها تصلى في أول الوقت، يعني منذ أن يصير ظل الشيء مثله، فيعجل بها في أول الوقت بعد دخول وقتها بنحو عشر دقائق أو ربع ساعة أو نحو ذلك. صلى الله وسلم على عبد الله ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين.