الدرس في كتاب البيوع 84، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المزارعة هي دفع الأرض لشخص ليزرعها مقابل جزء معلوم من الزرع، وقد اختلف الفقهاء في صحتها بين مؤيد ومعارض بناءً على أحاديث نبوية مختلفة.
المزارعة جائزة إذا كانت بجزء معلوم من الثمر، بينما نهى النبي عن المخابرة التي تكون على جزء معين من الأرض، والأحاديث وضحت أن النهي كان عن المزارعة التي فيها غرر أو جهالة.
الحنابلة أجازوا المزارعة والمساقاة دون تحديد الأجرة استناداً إلى الحديث النبوي وعمل الناس، بينما يرى الشافعية والحنفية والمالكية عدم جوازها لعدم معرفة الأجرة مسبقاً.
يجوز أن تتم المزارعة أو المساقاة بالمال أو بجزء معلوم من الأرض أو الثمر ضمن شروط محددة، وتفاصيل حول أحكام هذه العمليات تشمل عدة جوانب.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل، وتصح المزارعة. المزارعة: ليدفع أرض إلى آخر ليزرعها على جزء من الزرع مشاع معلوم. معنى مشاع: ليس معين. والفرق بين المساقاة والمزارعة أن المساقاة في الشجر، والمزارعة في الزرع، كالقمح والشعير والذرة ونحو ذلك. ليس هناك فرق بين المساقاة والمزارعة إلا أن هذه في النخل والعنب وما يشبه ذلك. المزارعة والمساقاة في الزرع كله تأجير، يأتي بعامل يزرع له، وعِوَض الحرث لهذا. أحكام المزارعة وأحكام المساقاة واحدة. وقد قال بصحة المزارعة كثير من الفقهاء، ولهذا قال: وتصح المزارعة. وهذا مذهب فقهاء الحديث، كأحمد وإسحاق وابن خزيمة وأبي ثور وغيرهم من العلماء بالحديث. ودليلها ما جاء في الصحيحين: حديث عبد الله بن عمر وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من ثمر وزرع، من ثمر المساقاة وزرع المزارعة. فهذا الحديث أصل في مسألة المزارعة وصحتها. وقد ذكر البخاري في صحيحه رحمه الله أن هذه المعاملة قد جاءت عن جماعة من الصحابة. وذكر عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أنه كان يقول: ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع. وزارع علي، وسعد بن مالك، وسعد بن مالك من سعد بن مالك، سعد بن ميقاص. وهناك أيضا سعد بن مالك آخر من الصحابة، أبو سعيد بن مالك. وأيضا آخر، أبو سعد بن مالك، أبو سيد بن مالك، أبو سعد بن مالك، أبو سيد. وأبو حميد، أبوهم اسمه سعد بن مالك، وهو صحابي أيضا. فيقول البخاري: إن هذه المزارعة قد جاءت عن جماعة من الصحابة، منهم علي، ومنهم سعد بن ميقاص، وعبد الله بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد، وعروة. قال أبو جعفر: وآل أبي بكر، وآل عمر، وآل علي، وابن سيرين. وذكر أيضا عن عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي قال: كنت أشارك عبد الرحمن بن يزيد - وهو عمه - في الزرع. وكذلك قال: وعامل عمر الناس على إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا. ثم قال البخاري رحمه الله: ولا يعلم لمن تقدم من الصحابة مخالف. فكان إجماعا. قوله: فكان إجماعا، معنى ذلك ليس من كلام البخاري، فذكر هؤلاء الصحابة ليس لهم مخالف في هذه المسألة، مع كثرة من كان يتعامل بهذه المعاملة. إلا أن هناك من العلماء من ينكر المزارعة، وهو مذهب الحنفية والشافعية، قالوا: إن المزارعة لا تصح. واستدلوا بما جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن المحاقلة. وفي سنن أبي داود أن زيد بن ثابت سئل عن المحاقلة فقال: أن يأخذ الأرض على نصف وثلث وربع. واستدلوا أيضا بحديث رافع بن خديج في البخاري أنه قال: نهانا النبي عليه الصلاة والسلام أن نحاقل بالأرض على الثلث والربع والطعام المسمى. وجاء أيضا عن جماعة من الصحابة، وجاءت أحاديث بهذا الصدد. لهذا استدل به الشافعية والحنفية، وقالوا: إن المزارعة لا تصح، وكذلك المساقاة. لكن هذه الأحاديث الصحيحة أنها مؤولة. فالمحاقلة جاء أيضا تعريفها في بعض الأحاديث أنها شراء أو بيع التمر بالتمر، أو زرع النيء بآخر أطب في شجرة. فهذه هي المحاقلة. والذي يقال به في هذه المسألة: الصحيح أن القول الأول هو الصحيح، أن المزارعة صحيحة، خاصة إذا كانت بمال. إذا كانت مالا يعطى، مثلا مئة ألف في الشهر، هذا جائز، لا غبار عليه. كلهم على جواز ذلك. لكن اختلف إذا كان يعطى من الربح أو من الثمر نفسه، مثلا بالثلث أو بالربع أو بكذا. فهذا الذي حصل فيه الخلاف. لكن الصحيح هو ما ذكر قبل، وأن النبي عليه الصلاة والسلام قد عامل أهل خيبر بهذا، وكان الصحابة يفعلونه. أجل استدلال أو أجل توجيه هذه الأدلة التي استدل بها الآخرون، فيقال: إما أن يكون هذه في أول الإسلام. هذه الأدلة كانت في أول الإسلام، حيث كانت الحاجة داعية إلى البذل والإحسان. لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال - كما جاء في حديث جابر، حديث رافع بن خديج في الصحيحين - يقول رافع: كان في هذه المدينة رجال لهم فضل أراض، على أراضي زائدة، فأرادوا أن يؤجروها بالثلث والربع. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من كانت له أرض فليزرعها، أو يمنحها، إما أن يزرعها، وإما أن يمنحها لغيره، فإن أبى فليمسك أرضه. معنى ذلك: لا يفعل بها شيئا. وأيضا يقول ابن عباس - كما جاء في الصحيحين - أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عن ذلك، وإنما قال: يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليها خرجا معلوما، على أن يعطيه ويقتسم معه بالنصف مثلا، أو بكذا. فحملها بعضهم على أول الإسلام، أن هذا في أول الإسلام. وحملها بعض أهل العلم أيضا على المخابرة التي جاء النهي عنها، وهي غير صحيحة، وهي لا تكون على جزء معلوم من الربح، وإنما تكون على جزء معين من المزرعة. مثلا يقول: لي هذا الجزء من المزرعة، ولك هذا الجزء من المزرعة. مثلا الآن يأتي يأجر في مزرعة، يقول له: ازرع لي ما يكون الثمر في هذا الجزء الذي في الشرقي، هذا لك، والجزء الغربي هذا لي. الجزء الشرقي لك، هذا الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، وهي المخابرة. ولهذا جاء في حديث رافع بن خديج الآخر الذي خرجه مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن كراء الأرض بالذهب والفضة، فقال: لا بأس به. إنما كان يقول رافع بن خديج: إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الماذيانات - الماذيانات معنى أطراف السواقي وأقبال الجداول - معنى النهر الصغير الذي يمر، والذي يسقي، وأشياء من الزرع. قال: فيهلك هذا، ويسلم هذا. قال: فلم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه. فعما شيء معلوم مضمون فلا بأس به. وهذا التفصيل من أعظم التفصيل، وعليه تحمل الأحاديث. فرافع بن خديج يقول: إن الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم إنما ما كان يفعله الناس في المدينة قبل أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم. كان الناس يؤاجرون على أن الشخص هذا جزء، والمالك له جزء من الأرض، أي ربحها وثمرها، والعامل له ربح من الأرض، فيحصل الخلط بين قد يهلك هذا، ويسلم هذا. قد مثلا العاهة تصيب الجزء هذا، وهذا يسلم. مثلا المالك جزء، المالك سليم، والمزارع يتعب طول السنة ولا يجد شيئا، أو العكس. صاحب الأرض لا يجد شيئا، والمزارع يجد. فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. قال: فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به. وأيضا جاء في لفظ في حديث سهل بن أبي حثمة، قال: كنا أكثر أهل المدينة حقلا. قال: كنا نكرى الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه. فنهانا النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك. حتى جاء في لفظ مسلم: نهانا النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك. وكانت لنا فيه مصلحة، ولكن طاعة الله ورسوله أحب إلينا. وهذا كله يدل على أن النهي ليس عن المزارعة، وإنما النهي عن المزارعة التي تكون فيها أو المخابرة التي يكون فيها الاتفاق على أن لكل واحد جزء معلوم. أما إذا كان جزء مشاع، معنى الأرض كلها، ليس هناك شيء معين منها بجزء معلوم من الثمر، هذا جائز. قال: بجزء معلوم النسبة. فخلاصة الأمر أن المزارعة أو المساقاة صحيحة، قال: بجزء معلوم النسبة عنها، كأن يقول مثلا: ربع أو ثلث أو نصف. فلابد أولا أن يكون جزء مشاع، ثم معلوما بالثمر، معنى بالنسبة. معنى مشاع: ليس شيء محدد، لكن كما قلنا: لو قال مثلا: لي ما يخرج من هذه الجهة، ولك ما يخرج من هذه الجهة، فهذا المنهي عنه. لو قال مثلا شخص لآخر: أريد أن أزرع أو أستأجر مزرعتك بثلث ما يخرج منها، ولكن لم يزرعها، فهل هذا الأمر جائز؟ معنى: سأعطيك ثلث ما يخرج، أو ثلث قيمتها، ثلث قيمتها، ولم يزرعها. فالمشهور عند الحنابلة أنه جائز. قال: يقول له سأعطيك ثلث ما يخرج منها، هذا جائز عند الحنابلة. وقال بعض العلماء، كالشافعية والحنفية، وهو مذهب أيضا المالكية: إنه لا يجوز، لا بد أن تكون الأجرة فيها معلومة. لأنه قالوا: قد يكون الذي يخرج منها أو الثلث الذي يخرج منها قليلا، وقد يكون كثيرا. لكن الصحيح ما ذهب إليه الحنابلة، لأنه قد جاء جوازه في الحديث. قالوا: قوله هنا مما يخرج من الأرض لربها أو للعامل، والباقي للآخر، أنه إذا قال رب المال: لي النصف، فحينئذ يتعين الباقي للعامل. لو قال: لي الثلث، الثلثين تكون للعامل، وهكذا. قالوا: لا يشترط كون البذر والغراس من رب الأرض. وعليه عمل الناس، أنه لا يشترط أن يكون البذر من مالك الأرض، ممكن يأتي به المزارع على حسب الاتفاق الذي بينهم. وهذا يدخل فيه العرف. ولهذا حصل خلاف حتى في مذهب أحمد في هذه المسألة، فاختار جماعة هذا المذهب. وهذا مذهب الحنابلة، وهناك قول آخر في مذهب أحمد، أنه اختاره ابن قدامة، وأبو البركات ابن تيمية، والشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، قالوا: إن البذر لا يشترط أن يكون من رب الأرض، فلو كان من العامل فهذا جائز. معنى الأمر على العرف، أن سواء كان جاء من العامل أو من رب الأرض، على حسب الاتفاق الذي يكون بينهم، فهذا هو الصحيح. واشترط بعض العلماء أن البذر لا بد أن يكون من رب المال، وقالوا: إن كان البذر من العامل فهي مزارعة فاسدة. فهذا ليس صحيح أيضا. الغراس التي يغرسها المزارع، إن كانت من العامل فهي مساقاة فاسدة، وإن كانت من رب المال فهي صحيحة. والصحيح أنه جائز كما تقدم. ما ذكر البخاري من أثر عمر، فإنه عامل الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر فله الشطر، وإن جاءوا أي العمال بالبذر فله كذا. هذا يدل على أن الأمر على حسب الاتفاق، على حسب الاتفاق الذي يكون بينهم. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما عامل أهل خيبر، وكانوا هم العمال، لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطيهم شيئا من البذر أو غيره، والأرض تكون للنبي صلى الله عليه وسلم للصحابة، لكن هم عمال. لكن دل على أنهم هم الذين يأتون بالبذر ويزرعون. وأيضا قاسه جماعة من أهل العلم على المضاربة. على المضاربة، لكن الصحيح أنه ليست مثل المضاربة، وإن كانت في أحكامها مثلها. لكن هنا لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن البذر لا بد أن يكون من رب المال. فلو جاء به العامل على حسب الاتفاق، على حسب الاتفاق. ولأن الفرق مثلا بين المضاربة، بين المزارعة والمساقاة، أن المضاربة رأس المال يرجع إلى صاحبه، ويقتسمون الفائدة. وأما البذر هنا إذا بذره اتفقوا على أنه لا يرجع إلى رب المال. لا يقول له: هات البذر أولا، لأنه هو من المزرعة. فهذا فرق. فلهذا فالصحيح أنه لا يشترط أن يكون البذر على رب المال، وإنما على حسب الاتفاق الذي يكون بينهم. فلو اشترط مثلا رب الأرض أنه سيدفع البذر، لكن إذا أخرج من الأرض فآخذ قيمة البذر، ثم يكون الربح بعد ذلك بيننا، هل هذا يصح؟ قال بعضهم: يصح. ومنع أكثر العلماء، أو المذهب المشهور، المذهب الحنبلي، منع. وهذه الأمور ترجع غالبا إلى العرف، إلى عرف الناس. وخلاصة هذه المسائل أنه جائز بالمال أن يزارع، وأن يساقي بالمال، أو بجزء معلوم مشاع من الأرض أو من الثمر، فهذا جائز. هذا خلاصة ما يذكر في المزارعة والمساقاة.