التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 7

التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 7

الدرس في التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أسماء الله الرزاق والرازق ومعنى الرزق العام

يشرح المقطع معنيي اسمي الله "الرزاق" و"الرازق" وورودهما في القرآن والسنة، ويبين أن الله هو المتكفل بأرزاق جميع المخلوقات. كما يميز بين الرزق العام الذي يشمل المؤمن والكافر، مؤكدًا أن كثرته أو قلته في الدنيا لا تدل على كرامة العبد أو هوانه عند الله.

الرزق ليس دليلاً على محبة الله أو بغضه

يوضح المقطع أن سعة الرزق أو ضيقه لا تدل على رضا الله أو سخطه، مستشهداً بآيات قرآنية وأمثلة كقارون وفرعون. الغنى والفقر ابتلاء وامتحان من الله ليميز الشاكر من الكافر والصابر من الجازع، والله يعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب.

الرزق الخاص: رزق القلوب بالإيمان والعلم وفضله على رزق الأبدان

يبيّن المقطع نوعين من الرزق: العام للأبدان، والخاص للقلوب وهو الإيمان والعلم والهدى، ويؤكد أن الرزق الخاص مختص بالمؤمنين وأفضل من رزق الأبدان لأن فساد القلوب أهلك من فساد الأبدان. ومن رزق الإيمان والعمل الصالح فقد نال أعظم الرزق وفاز بجنات النعيم.

الدعاء بالتوسع في الرزق والصلاة على النبي

يسأل الله جل وعلا أن يوسع في الأرزاق وفق حكمته وبما يعين على طاعته، ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه. الدعاء يعكس التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب المشروعة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف - فقه الله - في رسالته "مختصر فقه الأسماء الحسنى": قال: الرزاق والرازق، أي: من أسماء الله عز وجل الرزاق والرازق. قال: وقد ورد اسم الله الرزاق في موضع واحد من القرآن الكريم، وهو قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾. والرزاق هو بمعنى الرازق، إلا أن فيه زيادة وصف لكثرة رزق الله سبحانه وتعالى، فالرزاق على وزن فعال، وهي صيغة من صيغ المبالغة التي تدل على الكثرة. قال: وورد أيضًا في السنة، كما سيأتي ذكره في القابض الباسط، فالله سبحانه والرزاق... ورد اسم الرازق بصيغة الجمع في مواضع، منها قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾. وورد أيضًا في السنة، كما سيأتي ذكره في القابض الباسط، فالله سبحانه والرزاق... أي: المتكفل بأرزاق العباد، القائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها. قال تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ﴾. فالله جل وعلا هو المتكفل بأرزاق العباد سبحانه وتعالى. فجميع الدواب، كل ما يدب على هذه الأرض، كل ما يدب على هذه الأرض من إنس وجن وحيوانات وطيور وحشرات، وكذلك أسماك إلى آخر ذلك، كلها رزقها على الله. قال: ورزق الله لعباده نوعان: الأول: رزق عام، يشمل البر والفاجر، والمؤمن والكافر، والأولين والآخرين، وهو رزق الأبدان، أي: ما يقوم به هذا البدن من الطعام والشراب، فهذا رزق عام، أي: يشمل جميع المخلوقات، ومنهم المؤمن والكافر والبر والفاجر. قال: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾، فالمراد به هذا الرزق العام. قال: وعليه، فليس كثرة هذا الرزق في الدنيا دليلًا على كرامة العبد عند الله، كما أن قلته ليس دليلًا على هوانه عنده. يعني: كون هذا العبد أعطاه الله عز وجل من الرزق الشيء الكثير، أموالًا كثيرة، ووسع الله عليه في الرزق، ليس معنى هذا أن الله يحبه، وأن الله عز وجل أراد أن يكرمه. كما أن الآخر الذي قدر الله عليه، قدر الله عليه في الرزق، وضيق عليه في رزقه، ليس معنى هذا أن الله يبغضه، وأن الله عز وجل يكرهه. فليس هذا يعني ضابطًا لمعرفة من يحبه الله ومن يبغضه. قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا ﴾. أي: ليس الأمر كذلك. ليس كل من وسع الله عليه فالله أراد أن يكرمه، ولا كل من ضيق الله عليه في الرزق أراد الله بذلك أن يهينه. إذن هذا الرزق، رزق الأبدان، ليس دليلًا وضابطًا في معرفة من يكرم ومن يهان. قال: أي: ليس كل من نعمته في الدنيا فهو كريم علي، ولا كل من قدرت عليه رزقه فهو مهان لدي. فالله عز وجل يعطي الدنيا من أحب ومن لا يحب، يعطي الدنيا من أحب ومن لا يحب. أليس قد أعطى الله عز وجل قارون من الكنوز ما إن مفاتيحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، وأعطى فرعون ما أعطاه من كنوز وأموال وهو عدو الله سبحانه وتعالى؟ وأمثالهم كثير من الملوك والرؤساء والوزراء الذين آتاهم الله من الأموال الشيء الكثير، هل معنى هذا أن الله يحبهم ويكرمهم؟ الجواب: لا. قال: ولا كل من قدرت عليه رزقه فهو مهان لدي. وإنما الغنى والفقر، والسعة والضيق، ابتلاء من الله وامتحان، ليعلم الشاكر من الكافر، والصابر من الجازع. فالله عز وجل قد يعطي الإنسان المال الكثير ابتلاء له، هل يشكر نعمة الله أم يكفرها؟ ويبتلي الآخر بالفقر وقلة ذات اليد، ليرى هل يصبر على هذا البلاء أم يجزع ويتسخط؟ فيبتلي يعني: الرجل أو الإنسان بالغنى، كما أنه يبتلي غيره بالفقر. وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾. قال: والنوع الثاني: رزق خاص، وهو رزق القلوب وتغذيتها بالعلم والإيمان، والرزق الحلال الذي يعين على صلاح الدين. وهذا خاص بالمؤمنين على مراتبهم، منه بحسب ما تقتضي حكمته ورحمته، ويتم سبحانه كرامته لهم، ومنه عليهم ومنه عليهم بإدخالهم يوم القيامة جنات النعيم. قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ﴾. هذا النوع الثاني من أنواع الرزق هو الرزق الخاص، هو رزق القلوب، تغذية القلوب بالإيمان والعلم والهدى. هذا لا يوفق له إلا من اختاره الله سبحانه وتعالى، واستفاه الله جل وعلا أن يكون من أهل الإيمان، من أهل العلم، من أهل الخير، من أهل الصلاح. فهو خاص بأهل الإيمان، وهو أعظم النوعين وأفضل النوعين، هو هذا الرزق، الرزق المعنوي، رزق الإيمان والهدى والعلم والصلاح، أعظم من رزق الأبدان. فساد الأبدان أو موت الأبدان بقلة أرزاقها أمر هين، لكن موت القلوب وفسادها بقلة رزق القلوب هذا يضرها ضرًا عظيمًا ويهلكها هلاكًا عظيمًا. فهلاك الأبدان أيسر من هلاك القلوب. فاستدل بقول الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ﴾. فسمى الله عز وجل هذا رزقًا. فمن وفقه الله للإيمان والعمل الصالح الذي يوصله إلى جنات النعيم والفوز بنعيم الله جل وعلا، فقد أعطي أعظم الرزق، ورزقه الله عز وجل أحسن الرزق. قال: ﴿ قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ﴾، أن رزقه الإيمان والعمل الصالح. إذن هذا الرزق هو أفضل وأكرم وأحسن أنواع الرزق، أن يرزق الإنسان - كما سمعتم - الإيمان والعمل الصالح والهدى والعلم والصلاح، فهو سبب لفلاح العبد وفوزه بنعيم الله سبحانه وتعالى يوم القيامة. جعلنا الله عز وجل وإياكم من أهل هذا النوع من الرزق، فهو أعظم الأنواع وأشرفها وأكرمها. ونسأل الله جل وعلا أن يوسع علينا في الأرزاق بما تقتضي حكمته، وما فيه كذلك القيام بطاعته سبحانه وتعالى، فهو ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله وسلم على نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم.