الدرس في وصايا في طلب العلم، والتي كانت بدار الحديث بمدينة السلام بالمخا 3 جمادى الأولى 1442هـ ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يُشدد على أهمية طلب العلم والتفقه في الدين كأعظم العبادات والقربات إلى الله، ويزيد الإيمان والخشية لله ويُسهل طريق الجنة. يُبين أن العلم له مكانة عالية في الإسلام.
يؤكد على أهمية طلب العلم على يد أهل السنة والجماعة منذ البداية، ويحذر من البدع والضلال، ويشير إلى نعمة الإسلام والسنة كفرصة لطلب العلم النافع. يُنبه إلى خطورة الانحراف عن المنهج الصحيح.
يُنصح باستغلال الوقت في طلب العلم وتحصيله، مع التأكيد على أهمية التحلي بالهمة العالية والاستعداد لتحمل مسؤولية نقل العلم للآخرين. يُحذر من تضييع الوقت في الأمور غير النافعة.
يُدعى بعدم وجود أشخاص محرومون أو أشقياء، ويُشكر القائمين على المركز على حسن ضيافتهم، ويُرغب في الاستماع إلى نصائح مشايخ الدار. يُظهر امتناناً للنعم ويطلب المزيد من الفائدة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. نحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا زيارة هذا المركز المبارك، وهذه الدار من دور الحديث السلفية في اليمن الجديدة، التي نسأل الله جل وعلا أن يبارك فيها وفي القائمين عليها، وأن يحفظهم جل وعلا من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم. أن يبارك جل وعلا في مشايخها والمدرسين فيها والمتعلمين والمتصدقين والمنفقين، هذه الدار التي يقوم عليها ثلة من المشايخ الفضلاء الكرماء، الشيخ نعمان الوتر حفظه الله، والشيخ الجميل الهامل، وغيرهم، الشيخ سليم الخوخي، وغيرهم من المشايخ حفظهم الله جل وعلا وسدد هم سبحانه وتعالى. فهذه نعمة عظيمة إقامة هذه الدور المباركة التي نفع الله عز وجل بها نفعا عظيما، فكم يتعلم فيها من جاهل، ويتذكر فيها من غافل، ويحفظ الإنسان فيها نفسه وأهله وأولاده من فتن هذه الدنيا، فتن الشبهات وفتن الشهوات التي تعرض على العباد بين الحين والآخر. وتكثر هذه الفتن في آخر الزمان كما تعلمون في الأحاديث الكثيرة التي في أخبار نبي صلى الله عليه وسلم بكثرة الفتن في آخر الزمان، فيحفظ الإنسان نفسه وأهله وأولاده في مثل هذه الدور المباركة، مع ما يوفقه الله جل وعلا له من سلوك طريق العلم والتفقه في الدين الذي هو من أعظم العبادات والطاعات والقربات. كما يقول الإمام الثوري رحمه الله: لا أعلم عملا أفضل من طلب العلم لمن صلحت فيه النية، أيما كانت نيته صادقة ونيته خالصة في طلبه للعلم وتحصيله، فلا عمل ولا عبادة أفضل من ذلك. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين»، متفق عليه من حديث معاوية رضي الله تعالى عنه. إذا أراد الله جل وعلا بعبده خيرا فقاه في الدين، أي علمه وفهمه أحكام الشريعة، يعلم الحلال من الحرام، ويعلم الواجب من المستحب، ويعلم الطاعة من المعصية، والسنة من البدعة، والتوحيد من الشرك، والهدى من الضلال، ويتعلم أحكام هذا الدين العظيم. فهذه نعمة عظيمة الله جل وعلا أراد بهذا العبد خيرا إذ اختاره من بين خلقه لهذه العبادة العظيمة، «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين»، هذا منطوق الحديث، مفهومه أن من حرم التفقه في الدين فقد حرم خيرا عظيما وحرم خيرا كثيرا. وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة»، إذن العلم والتفقه في الدين طريق يوصلك إلى الجنة، وسبيل يوصلك إلى الجنة، ولا شك أن المؤمن الحريص على الخير المريد ما عند الله جل وعلا فهو يريد الفوز بالجنة ونعيمها والنجاة من النار وعذابها. فهو يعبد الله جل وعلا طاعة لله ورغبة فيما عند الله من الثواب والأجر، ومحبة لله سبحانه وتعالى، ورغبة للفوز بالجنة، ورهبة وخوفا من النار، وهو يحرص على سلوك كل طريق وعمل يوصله إلى الله جل وعلا، ويكون سببا في نجاة في الدنيا والآخرة. ومن أعظم هذه السبل وهذه الطرق هو سبيل العلم، التفقه في الدين إذا صلحت فيه نية المرء، فإنه يسلك بذلك سبيلا عظيما يوصله إلى الفوز بنعيم الله جل وعلا، لأن العلم يعرفك بالله فيزداد إيمانك، ويزداد تقواك، وتزداد خشيتك، ويزداد خوفك من الله جل وعلا. ولهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾، فالعلماء أشد الناس خشية لله، وذلك لشدة معرفتهم لله سبحانه وتعالى، هم يتعلمون ما يتعلق بذات الله جل وعلا في ربوبيته وألوهيته وأسماءه وصفاته، فيزيدهم ذلك إيمانا. ويتعلمون أحكام الله جل وعلا في حلاله وحرامه، وفي كذلك سائر أحكام الشريعة، فيعلمون عظم هذا الدين وما فيه من أسرار وحكم، تزيدهم إيمانا ومحبة وتعظيما لله جل وعلا ولرسوله صلى الله عليه وسلم، يعلمون أن هذا الدين العظيم دين كامل في سائر الأمور، في العبادات والمعاملات والأخلاق وسائر أمور الدين والحياة. كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾، والنبي صلى الله عليه وسلم: «كان حقا على كل نبي أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وأن ينذرهم الشر ما يعلمه لهم»، كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. فكلما ازداد العبد معرفة وتعلما وغوصا في أحكام الشريعة، كلما زاده ذلك إيمانا ومحبة وتعظيما لله سبحانه وتعالى، وكلما زاد إيمان العبد كلما كان ذلك سببا في زيادة تقواه وطاعته وعبادته لله جل وعلا، فلذلك يسوق هذا العلم إلى تحقيق العبادة والطاعة لله سبحانه وتعالى. وتصحيح مساره وسيره إلى الله جل وعلا في الوصول إلى الدار الآخرة بالعمل بالأسباب التي تنجيه، وترك والحذر من الأسباب التي تكون سببا في هلاكه وخسارته. وهكذا أيضا إذا وفق الإنسان لطلب العلم عند أهل السنة والحديث، فتلك نعمة عظيمة. يقول الإمام يحيى بن أبي كثير رحمه الله: «من سعادة الحدث أن يوفق إلى صاحب سنة أو عالم سنة»، من أول أمره، أي من أول نشأته وتعلمه، يوفقه الله جل وعلا أن يتعلم على يد أهل الحديث وأهل السنة والجماعة، لا يقع في أيدي البدع والضلال من صوفية أو معتزلة أو أشاعرة أو رافضة أو غيرهم المبتدعة. فينشأ على البدع والضلال والأهواء، ويصعب بعد ذلك نزع هذه البدع من قلبه بعد أن غرست فيه، لكن إذا نشأ من أول أمره على عقيدة سلفية ومنهج نبوي نقي، فتلك نعمة عظيمة. يقول الإمام جعفر بن جابر رحمه الله: «لا أدري أي النعمتين علي أعظم، أن هداني الله للإسلام أم نجاني من هذه الأهواء». لا أدري أي النعمتين علي أعظم، أن هداني الله للإسلام، الهداية للإسلام نعمة عظيمة، أن وفقك الله جل وعلا أن جعلك من أهل هذا الدين الذي لا يقبل الله جل وعلا دينا سواه، ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار»، متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فهداك الله عز وجل لهذا الدين، لم يجعلك يهوديا ولا نصرانيا ولا مجوسيا ولا غير ذلك من أهل الكفر، فهذه نعمة عظيمة. لكن هناك نعمة أعظم بعد نعمة الإسلام، وهي نعمة السنة والهداية إلى الصراط المستقيم الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعليه أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، ونجاك الله جل وعلا من الأهواء والبدع والضلالات، كم من المسلمين من ينتسب إلى الإسلام وهو على ضلال وعلى بدع. كمن كان مسلما وهو على عقيدة أهل الاعتزال أو الأشاعرة أو الصوفية أو غيرهم من أهل البدع والأهواء، هؤلاء حرموا خيرا عظيما وحرموا خيرا كثيرا، فوفق الله جل وعلا أن تكون من أهل الإسلام والسنة نعمة عظيمة. يقول يوسف بن أسباط رحمه الله: «كان أبي قدريا وأخوالي روافض، فهداني الله إلى السنة»، هذه هداية وتوفيق من الله سبحانه وتعالى. وربك يخلق ما يشاء ويختار، الله عز وجل يختار من شاء من عباده فيوفقهم ويهديهم ويسدد هم ويعينهم، ويقذف في قلوبهم من نوره ما يجعل جل وعلا في قلوبهم من العلم والهدى، هذا توفيق من الله سبحانه وتعالى، أن وفقك الله جل وعلا لهذا الخير العظيم. فينبغي أن تشكر الله على هذه النعمة التي من الله سبحانه وتعالة بها عليك، وأن تستغلها، هذه نعمة عظيمة أنعم الله جل وعلا بها عليك، فاستغل لها حق استغلال، أن توفق لجلوس في دور الحديث، وأن توفق لطلب العلم عند علماء ومشايخ فضلاء. فاستغل وجودك بينهم، وانهل من علمهم، احرص على حضور الدروس، وعلى ملازمتهم، وقبل ذلك أخلص في طلبك للعلم، فإن أول العلم النية، لابد من نية صادقة ونية خالصة، تطلب العلم تريد الأجر والثواب من الله جل وعلا. ترفع الجهل عن نفسك حتى تعبد الله عز وجل على علم وبصيرة، ثم تعلم الناس هذا العلم، كما قال الإمام أحمد رحمه الله: لما سئل عن الإخلاص قال: «أن تنوي رفع الجهل عن نفسك وعن الناس»، تنوي رفع الجهل عن نفسك، ثم تعلم الناس هذا العلم الذي علمك الله جل وعلا إياه. لا يكون مرادك ومقصدك الشهرة والسمعة والرياء، وأن يشير إليك بالبنان، أو أن تتصدر المجالس، أو غير ذلك من مطامع الدنيا وشهواتها، فإن ذلك مما يجعل العلم وبالا على صاحبه. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من طلب علما مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة»، يعني ريحها، رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فتحذر من هذه النية الفاسدة وهذه النية الكاسدة، ثم بعد ذلك تحرص على الأدب، الأدب في طلب العلم أمر مهم، تتأدب مع معلمك ومع شيخك، تعرف قدره وتعرف منزلته، وتعرف كذلك ما له عليك من فضل عظيم، فإن العلم بلا أدب كنار بلا حطب. والعلم بلا الأدب كنار بلا حطب، وأدب بلا علم كجسد بلا روح، النار إذا اشتعلت ثم ترك وضع الحطب فيها، فإنها تخمد حتى تنطفئ، وهكذا إذا كان المرء على علم بلا أدب، يتعلم ويحفظ من كتاب الله جل وعلا ما يحفظ، ومن سنة النبي عليه الصلاة والسلام. لكن ما عنده آداب، وما عنده أخلاق، فإنه سيذهب عن هذا العلم، ولا ينتفع به، فلذلك تهتم بهذا الباب. والإمام المبارك رحمه الله يقول: «يكاد أن يكون الأدب ثلثي العلم أو ثلثي الطلب»، يقول: «تعلمت الأدب عشرين سنة أو ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة». وهكذا كان السلف يحرصون على الأدب، فتحرص على ذلك أن تتخلق بالأخلاق الحسنة والأخلاق الفاضلة والأخلاق الكريمة في أقوالك وفي أفعالك، في تعلمك وأخلاقك مع العلم من شيخك، لا تجادله ولا تغضبه، الأدب فتحرم علمه، تحرم علمه. ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في مفتاح دار السعادة أن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما كان إذا أراد أن يسأل عروة بن الزبير كثيرا ما يماريه ويجادله، فقطع عنه ابن عباس علمه، أي أمسك عنه علمه. وكان عروة إذا أراد أن يسأل عبد الله بن عباس يتلطف معه. قال: فكان ماذا يعززه بالعلم عزا، أي بذل له علمه، فهذا من الأسباب التي تجعل العالم والشيخ والمعلم يتحبب إلى تلميذه لما يرى منه الأدب والخلق وحسن التعامل، يبذل له علمه، وإذا رأى خلاف ذلك، رأى أنه لا يستحق أن يعطى العلم، وقد يحرمه من علمه. فنخلص على ذلك، واستغلال الأوقات في طلب العلم وتحصيله، وألا تبذر أوقاتك في القيل والقال، فالوقت ثمين، حياتك وعمرك هو وقتك، وأنت في نعمة عظيمة قد أنعمها الله جل وعلا لك، فاستغلها، لا تدري ربما تأتيك الشواغل وتأتيك العوائق فتصرفك عن طلب العلم وعن تحصيله. فتتمنى هذا الوقت الذي كنت فيه في هذه الدارة أو غيرها من دور الحديث، فما دمت وفقت لهذا الخير فاستغل أوقاتك فيما يقربك إلى الله، وما ينفعك من طلب العلم وتحصيله، وحفظ كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وغير ذلك من متون العلم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في حديث ابن عباس عند الحاكم: «اغتنم خمسا قبل خمس، وذكر منها: شغلك قبل فراغك»، ويقول عليه الصلاة والسلام: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، فلا تضيع هذا الفراغ الذي وففك الله جل وعلا له فيما لا ينفع. فالوقت أغلى ما عنيت به، وأراه أيسر ما عليك يضيعه الناس، بركة الله فيكم، فأنتم في نعمة عظيمة، ينبغي أن تستغلوها، والأمة بحاجة إليكم، الأمة بحاجة إلى علماء وإلى دعاة يدعونهم إلى الله جل وعلا، إلى دعاة مخلصين وإلى دعاة ناصحين وإلى دعاة صادقين. بل بحاجة إلى علماء أن تهيئ نفسك أن تكون عالما، لا أن تكون طالبا فقط، أنت اليوم طالب، لكن في الغد ستكون مطلوبا، اليوم تتعلم وغدا ستعلم، الأمة بحاجة إلى من يعلمها الدين الصحيح، ومن يقودها إلى ربها جل وعلا بطريق صحيح. يقول عروة بن الزبير رحمه الله لأولاده: «يا أبنائي، أنتم اليوم صغار قوم وغدا كبارهم»، اليوم صغار ما يحتاج أحد إليكم، لكن في الغد أنتم الكبار الذي يحتاج الناس إليكم. ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه كما ذكر هذا الأثر الإمام المروزي رحمه الله بكتاب السنة. قال: «تعلموا قبل أن يذهب العلم، فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر الناس إلى ما عنده»، قال: «تعلموا قبل أن يذهب العلم»، وذهاب العلم بذهاب حملته، العلماء إذا مات أهل العلم ذهب معهم علمهم، كما قال نبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا ينزع العلم انتزاعا ينتزعه من صدور العلماء، ولكن ينتزع العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا»، رواه مسلم، الحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما. فقبض العلماء إذا لم يخلف أو يخلف هؤلاء العلماء الطلبة والتلاميذ الذين كانوا تحت أيديهم، فمن سيحمل هذا العلم؟ ولهذا قال رضي الله عنه: «فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إلى ما عنده»، أي متى يحتاج الناس إلى علمه، اجعل عندك همة عالية ونظر بعيد، هيئ نفسك للمستقبل أن تكون عالما ومعلما للمسلمين. قد هيؤوك لأمر لو فطنت له، فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل، لا تكون همتك خاصرة، وهمتك ضعيفة، تريد فقط أن تجلس في مركز تحفظ نفسك فيه، هذا خير عظيم، لكن اجعل عندك ما هو أعظم من ذلك. انظر إلى عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه حبر هذه الأمة، لما مات النبي صلى الله عليه وسلم قال لصاحبه رجل من الأنصار: «هؤلاء أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فلنذهب فلنأخذ منهم العلم». فقال: «يا ابن عباس، أتظن أن الناس يحتاجون إليك وفيهم من فيهم من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؟» هؤلاء الصحابة يعلمون ويدرسون. فترك هذا الأنصاري وأقبل ابن عباس على طلب العلم وتفقه في الدين، وحضور مجالس العلم، وأخذ العلم من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، والحرص على ذلك وبذل الجهد وذل نفسه. لأن العلم لا ينال إلا بالذل، تريد أن تنال العلم وأنت عزيز رافع رأسك وتكبر، لا تحرم من العلم، كما قال مجاهد رحمه الله: «لا ينال هذا العلم مستحي ولا مستكبر»، المستحي لا يستحي أن يجلس مجالس العلم، سيحرم العلم، والمتكبر الذي يتكبر عن حضور مجالس العلم. أقول: أن أحضر لفلان من فلان، هذا أنا أفضل منه أو أرفع منه أو كذا أو هذا فقير وأنا غني، فيحرم العلم، لا ينال العلم مستحي ولا مستكبر، فلابد أن تذل نفسك. يقول إمام أحمد رحمه الله: «أخذنا هذا العلم بالذل، فلا ننفقه إلا بالذل»، كان يأتي رضي الله عنه أي ابن عباس إلى بيت الصحابي في وقت قيلولة، فيقيل تحت باب داره، حرصا على العلم ينتظر متى يخرج حتى يسأله عن حديث النبي عليه الصلاة والسلام. فيخرج فيسأله، فيقول: «يمنع أمي رسول الله ألا أخبرتنا فنأتيك»، أي إكراما له رضي الله تعالى عنه، فصبر حتى مرت الشهور والسنون، وإذا بالناس يلتفون حول ابن عباس، جاء الوقت الذي احتاجوا فيه إلى علمه، والتفوا حوله، فرآه الأنصاري صاحبه، رأى الناس وقد التفوا حوله. فقال: «لقد كان هذا الفتى أعقل مني»، أي ابن عباس، كان أعقل منه لأنه استمر في الطلب وهيأ نفسه لهذه المرتبة العظيمة. فهكذا ينبغي أن نكون، هكذا ينبغي أن نكون. ذكر هذا الأثر الإمام ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله. تكون عندنا همة عالية في حمل هذا الدين وفي تبليغه وتعليمه، وأنهيء أنفسنا لهذه المنازل العظيمة والمراتب العالية، بالصدق والإخلاص والصبر والتحمل والاستمرار في هذه الطريق وفي هذا الباب، فباب العلم يحتاج إلى صبر، ويحتاج إلى استمرار، يحتاج إلى استمرار وإلى عمر. يقول الإمام مالك رحمه الله: «كان الرجل يختلف إلى الرجل ثلاثين سنة يأخذ منه العلم»، ثلاثين سنة وهو يطلب العلم، للمحتاج إلى سنين حتى ينال فيه من المنازل العالية، فيصبر الواحد منا نفسه في هذه الطريق العظيمة المباركة. فنسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، ونسأله سبحانه أن يفقهنا في الدين، وأن يعلمنا التأويل، وأن يجعل جل وعلا ما تعلمناه حجة لنا لا علينا، وسأله جل وعلا أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعا مرحوما، وتفرقنا من بعده تفرقا معصوما. وأن لا يجعل فينا ولا معنا شقيا ولا محروما، ونشكر القائمين على هذا المركز على حسن ضيافتهم وحسن استقبالهم وحسن ظنهم بإخوانهم، ولكنا نحب أن نسمع من مشايخ الدار، وأن نستفيد منهم، فنحن أحوج إلى النصيحة، إلى التذكير. و«جزاهم الله خيرا على حسن ظنهم، وبارك الله جل وعلا فيهم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين».