الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 655

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 655

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 655، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مشروعية الجرح والتعديل وخطورة ترك الرد على المبتدعة

أجمع العلماء على جواز الكلام في رجال الحديث (الجرح والتعديل) رغم كونه غيبة لغةً، لأن مصلحة حفظ الدين مقدمة، ومن ترك ذلك فسد الدين كما حدث مع الطوائف المبتدعة. ويؤكد المقطع أن العالم الورع فقط هو من يتولى هذا الواجب حمايةً للسنة النبوية.

خطر ذهاب العلماء وتولي الجهال المناصب الدينية

يحذر المقطع من عواقب موت العلماء الربانيين وسيطرة الجهلاء على المنابر والإفتاء، مستشهداً بأحاديث نبوية وآثار سلفية تؤكد أن العلم يذهب بذهاب أهله. ويبين أهمية التثبت في الرواية والنقد الدقيق لأسانيد الحديث كما فعل شُعبة وإسرائيل في رواية ابن عباس عن صلاة المسافر.

قصر الصلاة في السفر ورد روايات الإتمام

يؤكد المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ في سفره إلا ركعتين، وأن الروايات الواردة عن إتمامه لأربع ركعات أو صيامه في السفر ضعيفة أو موضوعة. ويناقش قول ابن عباس في ذلك، واختلاف العلماء في إتمام عثمان رضي الله عنه في منى، مستدلين بحديث «هي صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» على أن القصر رخصة مستحبة للمسافر.

قصر الصلاة الرباعية أثناء الحج

روى أنس بن مالك في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الركعتين في الصلوات الرباعية (الظهر والعصر والعشاء) طوال سفره للحج حتى رجع إلى المدينة. يدل الحديث على مشروعية قصر الصلاة الرباعية للمسافر في الحج وغيره.

  • 18 جمادى الآخرة 1446هـ - 19/12/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن جعفر، وهو الذي قال له غندر: محمد بن جعفر أبو عبد الله البغدادي، كان من أوثق الناس في شعبة، وكان كتابه حُكمًا على أصحاب شعبة؛ أنه إذا اختلفوا في حديث جاءوا إلى كتاب محمد بن جعفر. وكان يكتب عند شعبة، مع أن شعبة ما كان يجعل أحدًا يكتب عنده، لكن كان محمد بن جعفر يكتب، فكانوا يأتون إلى كتابه يتأكدون من الحديث. فصار كما قال عبد الرحمن بن مهدي: كتاب محمد بن جعفر حُكم بين أصحاب شعبة، أنا إذا اختلفوا فالقول قول كتابه. قال: حدثنا شعبة، وابن الحجاج، ومحمد بن جعفر يعتبر ربيب شعبة؛ تزوج أمه، ولازم شعبة عشرين سنة، وهو ملازم لشعبة. قال: حدثنا شعبة، وابن الحجاج أبو بسطام، أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش عن الرجال بالبصرة، وكان يقول من باب المزاح: «تعالوا نغتاب ساعة»، أي: نتكلم في رجال الحديث، وهو ليس غيبة، وإن كان معناها في اللغة غيبة، لكن أجازها العلماء من الغيبة التي أجازها العلماء؛ لأن مصلحتها أعظم. ولهذا ذكر النووي، وقبل النووي أيضًا الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم، وغيرهم من الأئمة، ذكروا إجماع العلماء على جواز غيبة هؤلاء الرجال في الحديث؛ لأن مصلحة الحديث أعظم. مصلحة الحديث أعظم، وإلا فكانوا يتحرجون، كانوا يتحرجون. عبد الرحمن بن مهدي، مع أنه حكى ذلك، إلا أنه لما قُرئ عنده كلام يحيى بن معين، عندما قال: «إنا لنتكلم على رجال قد حطوا رحالهم منذ مائتي سنة في الجنة»، إنه لنتكلم على رجال قد حطوا رحالهم منذ مائتي سنة، حطوا رحالهم في الجنة، أي: أنهم من أهل الجنة، ونحن نتكلم عليهم هنا. وأراد رحمه الله أن الإنسان الذي يتكلم في الرجال، العالم لا يتكلم بهوى، ولا يتكلم بالتشهي، لا بد أن يتكلم لأجل الحديث، لأجل الحديث وتبيين هذا الأمر. فلما قُرئ على عبد الرحمن بن أبي حاتم هذه الحكاية، أي: هذا القول عن يحيى بن معين، بكى بكاءً شديدًا حتى لم يستطع أن يتكلم، وقام من الدرس. لكن كما قلنا: قال العلماء إنه يجوز، لكن مع الحذر، كما قال الإمام أبو الفتح القشيري، ابن دقيق العيد، كان يقول رحمه الله، أو قال: «رجلان هما على شفير جهنم»، أو «طائفتان هما على شفير جهنم»، أنهم قرب النار على شفيرها، على حفتها. قال: «طائفتان على شفير جهنم: العلماء والحكام»، العلماء والحكام. فلهذا قال الإمام الذهبي رحمه الله: «فلا يتكلم في الرجال إلا رجل ورع، وإلا عالم ورع يتورع في دينه؛ لأن هذه مزلقة». لكن لا بد من هذا. أبو تراب النخشبي، لما كان عند الإمام أحمد، فتكلم الإمام أحمد في رجل، فقال: يا شيخ، قد اغتبت. أبو تراب النخشبي هذا رجل من الصوفية، ممن معهم من الصوفة، زهاد، كان عند الإمام أحمد، فسئل عن الرجل فتكلم فيه، فقال أبو تراب: يا شيخ، قد اغتبت. فغضب أحمد، قال: «إن لم نتكلم، فمن الذي يتكلم؟ معنا من يذب على الحديث، ومن يبين هذا الحديث معنا». أقصد: لو ترك هذا، وهذا لا، فسد دين الله عز وجل. لو ترك الكلام في أهل البدع، وكذلك الكلام في من يسيء في الحديث ويهم، وأيضًا كذلك يكذب، لدخل على الناس، وتغير هذا الدين، تغير هذا الدين، مثل ما تجد في أهل البدع. تجد الآن طوائف، لأنهم أطلقوا لأنفسهم العنان في البدع، فكأنهم لا يعرفون الإسلام، ما عندهم إسلام أبدًا، بل بدلوا، حتى أنهم عظموا أشياء الشرع، تجد أن الشرع نهى عنها وحذر منها، وهم عظموها. على سبيل المثال: هذه الطائفة اليزيدية، الطائفة اليزيدية الآن التي في العراق، وكذلك في بعض بلدان الشام، وفي أوروبا وأمريكا، انتشرت هذه الطائفة. هم أصلًا أتباع عدي بن مسافر، وعدي بن مسافر رجل صالح، لكنه عنده تصوف. وأولئك عدي بن مسافر جاء له طلبة وأتباع، أطلقوا على أنفسهم اليزيدية، وأولئك بعد ذلك اليزيدية؛ لأنهم يعظمون يزيد بن معاوية، يعظمون يزيد بن معاوية، هم أموي. معنى هذا: عدي بن مسافر أموي، عدي بن مسافر يعتبر من الأمويين الذين كانوا في الشام، فلهذا جاءت الطائفة التي من عنده أو أتباعه يعظمون يزيد بن معاوية، ويعظمون الأمويين. لكن لأنهم أطلقوا باب البدعة، دخلت عليهم أشياء لا تعرف في الإسلام، بل لأن أصبحوا كفارًا، ليسوا من المسلمين. لماذا؟ لأنهم يعظمون الشيطان. انظروا إلى البدعة التي تدخل على هؤلاء بسبب فتحهم لباب البدعة، حتى أنهم الآن يعظمون الشيطان، ويقولون: إنه الطاووس الأكبر، الطاووس الأكبر، وما يحبون أحدًا يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، عندهم كأنك سببت أحدهم إذا تعوذت بالله من الشيطان الرجيم. انظروا: غيروا دين الله، فصاروا أهل كفر، وأهل ديانة ليست من ديانات أهل الإسلام، بسبب فتحهم لهذا الباب. فلو سكت العلماء عن مثل هذه الأشياء، لتغير دين الله جل وعلا. وكما قال إمامنا الشافعي رحمه الله: «لو ترك الناس المحابر، لخطبت الزنادقة على المنابر». لو ترك الناس المحابر، لم يطلبوا العلم، ولم يعرفوا العلم، ولم يبثوا هذا العلم، لخطبت الزنادقة على المنابر. أنا صار تغير الوضع، بدل ما يخطب العالم ويخطب طالب العلم في المنبر، يخطب الناس ويذكرهم، ستخطب الزنادقة. وفعلا هذا الذي حصل في كثير من الأماكن، وكثير أيضًا من البلاد، تجد الخطباء، بعضهم حتى لا يصلي، بل بعضهم بمعنى يصلي، يخطب الناس بس فقط في الجمعة، وأما الصلاة ما يصلي. معنى وجد هذا في بلادنا، بعض الخطباء، كذلك تجد أنه بعيد عن دين الله جل وعلا، يأخذ الخطبة مهنة، مهنة فقط، يأتي لهم بكراس أو بكذا، يخطب لهم يوم الجمعة. وكذلك أيضًا في البلاد القريبة، في بلاد الإسلام وغيرها، لما تغيرت الأوضاع وتغيرت الأمور، تجد يخطب ناس ليس لهم معرفة بدين الله جل وعلا، بسبب ترك العلم. وأيضًا تغيان الشر، تغيان أيضًا الأحساب الاشتراكية، سواء كان في العراق، أو في الشام، أو في اليمن، أو في غيره، فتجد جعل من يخطب للناس، أو من يعلم الناس، رجل لا يعرف شيئًا في دين الله جل وعلا، يأخذ كتاب ولا يدري حتى ما في الكتاب، أحيانًا يقرأ كلمات خطأ. عندهم عندهم خطب ابن نباتة، ابن نباتة هذا رجل صوفي، عنده خطب، خطب مكررة، وخطب أيضًا ليس فيها تلك الفائدة، فتجد أنهم يقرؤونها، كل من تهو منها قرأوها وكرروها، حتى من يعقل يقول: إيش هذا؟ ما في معهم إلا هذه الخطب، معنا دائمًا نسمع مثل هذه الخطب. حتى عندنا كانوا في المساجد قديمًا، كانوا نفس الخطب، هذا يعيدونها، كلما انتهت عليهم أعادوها، أعادوا هذه الخطب، خطب ابن نباتة وغيره. فالمهم: أن لما يذهب العلم، ولما لم ينصح العلماء، لا يوجد علماء ربانيون ناصحون، فيأتي بعد ذلك الشر، ويأتي الفساد. فلهذا: كلما مات العلماء، وذهب العلماء، أي: علماء سنة، والعلماء الذين هم يعملون بالكتاب والسنة، ذهبت السنة، وذهب العلم. وهذا أيضًا تفسير النبي عليه الصلاة والسلام، لما قال: «هذا أوان ذهاب العلم»، فذهاب العلم بذهاب أوعيته. وفي حديث عبد الله بن عمر: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعًا من صدور الرجال، ولكن يذهب بذهاب العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالم، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا». انظروا إلى هذا الحديث العظيم، الذي يخبر أن إذا مات العلماء، تبدل الدين، وجاء ناس يخطبون الناس، ويعلمون الناس، ويفتون الناس، وهم ليسوا عندهم علم. أن أيام الحكم اشتراكي، عندنا كان المفتي اشتراكي، مفتي، مفتي البلاد رجل اشتراكي، هذا لأجل أنهم يبدلون دين الله جل وعلا، عنده عمامة، وعنده جب، وعنده كذا، لكن يفتي على ما يريد هؤلاء. وهكذا في جميع البلاد التي تغيرت. «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعًا من صدور الرجال، ولكن يذهب بذهاب العلماء». ولهذا لما سمعت عائشة رضي الله عنها هذا الحديث، تعجبت: كيف هذا يحصل؟ سمعت هذا الحديث من عروة يحدث عن عبد الله بن عمر، فلما سمعته من عروة، قالت: يا ربي، إيش هذا الحديث؟ فلما جاء العام المقبل، العام الذي سيأتي، قالت: يا عروة، سمعت أن عبد الله بن عمر سيأتي إلى الحج هذه السنة، اذهب وسل عن هذا الحديث. حرص شديد عظيم. مرت السنة، وهي لا زال في نفسي هذا الحديث، لما سمعت أن عبد الله بن عمر جاء للحج، قالت له: اذهب فسله، هل أنت متأكد من هذا الحديث؟ فذهب عروة فسأله، فحدثه مثل ما حدثه في العام الماضي، فجاء إلى عائشة وأخبرها بذلك، فقالت: ما أظنه إلا صدق، ما أظنه إلا صدق. فلهذا كما قلنا: هؤلاء الأئمة نصح، نصح لدين الله جل وعلا، سخرهم الله عز وجل لحفظ دينه، كما قال سفيان الثوري رحمة الله عليه: «الملائكة خَرَس السماء، والعلماء خَرَس الأرض»، أو قال: «أهل الحديث خَرَس الأرض»، الملائكة خَرَس السماء، وأهل الحديث خَرَس الأرض، أن يحفظون دين الله عن العبد. فلهذا كان العلماء يتكلمون، لهذا الذي أخذنا إلى هذا، قول شعبة رحمه الله تعالى: «نغتاب ساعة»، أي: في دين الله جل وعلا. قال شعبة: عن أبي إسحاق، أو إسحاق، عمر بن عبد الله السبيعي، الهمداني، اليمني. همدان: معنى هذا الذي في الصحيحين، في الصحيحين بإسكان الميم، همدان، وأيضًا بالدال. وأما همدان، فهذا ليس في الصحيحين أحد بهذه القبيلة، وهذه همدان ليست قبيلة، هي بلد من بلاد خراسان، ينتسب إليها جماعة من العلم، لكن ليس منهم أحد في الصحيحين. فلهذا إذا رأيت هذه الكلمة في الصحيحين، فهي همدان، بمعنى: بإسكان الميم والدال، همدان. قال: أنا بيسحاق، أنا بيسفر، وأبو السفر هو سعيد بن أبي السفر، سعيد بن يسفر الظهر. قال: عن سعيد بن شفي، عن سعيد بن شفي، قال: عن ابن عباس، قال: جعل الناس يسألونه عن الصلاة في السفر، أي: يسألون ابن عباس، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا خرج من أهله لم يصل إلا ركعتين حتى رجع إلى أهله. قال: حدثنا أسود، وهو ابن عامر، الذي قال له شاذان. قال: حدثنا إسرائيل، وهو ابن أبي إسحاق، إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، أن سعيد بن شفي... أنا هنا لم يذكر أبا السفر، وشعبة ذكر أبا السفر. قال: كنت عند ابن عباس، فذكر الحديث. قال: الحديث من طريق شعبة صحيح؛ لأن إسرائيل متكلم في حفظه، لكن روايته عن جده صحيحة. قال: وقد أخرجه عبد بن حميد في المنتخب، فقال رحمه الله: حدثنا سليمان بن داود، وهو أبو داود الطيالسي، صاحب كتاب المسند، عن شعبة، أن أبا إسحاق قال: سمعت أبا السفر يحدث عن سعيد بن شفي، عن ابن عباس، فذكر الحديث. وشعبة أوثق في أبي إسحاق من إسرائيل، بل قال أبو حاتم: شعبة وسفيان أفضل من مئة من إسرائيل، من مثل إسرائيل وزائدة وزياد. فطريق شعبة هي الصحيحة في زيادة أبي السفر. قال هنا: كانوا يسألون ابن عباس عن السفر، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا خرج من أهله لم يصل إلا ركعتين حتى رجع إلى أهله. وهذا قول من ابن عباس، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم ما يخرج من أهله إلا وهو يصلي ركعتين حتى يرجع. ما ثبت أبدًا أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى أربعًا وهو في سفر، لم يثبت أبدًا أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى أربعًا وهو في سفر. وما جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر ركعتين أو أربعًا، ويفطر ويصوم، فهذا ليس بصحيح، قد أنكره العلماء، حتى قال شيخ الإسلام: إنه موضوع. وكذلك أيضًا الحديث الآخر: قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصر في الصلاة، وكنت أتم، وكان يصوم وأنا أفطر، وهذا أيضًا لا يصح، بل هو حديث موضوع. فلم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يصوم، أو كان أقصد: يتم الصلاة في السفر. بل كل خروجاته التي خرج فيها، كان عليه الصلاة والسلام يقصر الصلاة. صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يجلس كثيرًا، وأكثر سفره كانت له، كان لما ذهب إلى مكة، كذلك لما ذهب إلى تبوك، لأنها كانت بعيدة، أنه كان النبي عليه الصلاة والسلام يخرج فيه، غالبًا إذا خرج خرج يسيرًا ورجع. لما ذهب إلى خيبر، فتحت خيبر في أيام يسيرة. لما خرج إلى الحديبية، رجع، يعني: رجع بعد عدة أيام. لما خرج كذلك في فتح مكة، تأخر، لكن ليس في مكة، وإنما خرج بعد أن فتح مكة، خرج إلى حنين، وجلس في حنين أيامًا، ثم تحول إلى الطائف، وجلس في الطائف شهرًا، ثم دخل مكة في السنة التاسعة، أو في السنة التاسعة في ذي القعدة، فأحرم بالعمرة من الجعرانة، واعتمر النبي عليه الصلاة والسلام، ثم خرج من مكة إلى المدينة، وجاء في حجة الوداع، فجلس كما قال ابن عباس: تسعة عشر يومًا، وقيل ثمانية عشر يومًا، وقيل سبعة عشر يومًا، والظاهر أنهم حسب بعضهم اليوم الذي دخل فيه مكة، والتي خرج منها. وهذا حديث، كلام ابن عباس، البخاري، أنه جلس تسعة عشر يومًا. فجلس بعد الحج، معنى: بين مكة ومنى. وهكذا. طيب، فلهذا: فلم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم زيادة على هذا الذي خرجه، إلى مكة، أو إلى تبوك، أو إلى تبوك، خرج إلى تبوك في حديث جابر، أنه جلس عشرين يومًا، جلس النبي عليه الصلاة والسلام في تبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة، هذا في حديث جابر، لكنه رجح العلماء أنه مرسل، لكن جاءت له شواهد. والنبي عليه الصلاة والسلام مكث في تبوك أيامًا، وهذا جاء أنه عشرون يوم، أو معنى في حديث جابر أنه جلس، وجاء من حديث من سلم. فلهذا: فأكثر شيء جلوسه في تبوك، لأن تبوك بعيدة، وجلس النبي عليه الصلاة والسلام لأجل لقاء الروم، لكنهم لم يأتوا، فلم يأتوا للقاء للحرب، فأخرج النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك، ورجع من تبوك إلى المدينة. فقال ابن عباس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من أهله لم يصل إلا ركعتين. أنا ما كان يتم، ما كان يتم. أتم عثمان رضي الله عنه، أول من أتم هو عثمان، أتم في منى. واختلف العلماء في السبب الذي جعل عثمان يتم في منى. قيل: لأنه من أهلها، أي: من أهل مكة، ومنى داخل في مكة، لأنه من أهل مكة، فلم يقصر. لكن هذا ليس صحيح؛ لأن عثمان قد هاجر، فهو ليس من أهل المهاجرة، ما يكون من أهلها. ومنهم من قال: أنه عوّل، عوّل الإتمام، لأنه جلس فترة، أو كان يجلس فترة في مكة، فلهذا عوّل، فصار يتم. وقيل غير ذلك. واستدل أيضًا بعض العلماء بهذا الأثر، أي: عنه، أنه يجوز القصر، وأن القصر ليس بواجب، ليس بواجب. لكن الأفضل للإنسان أن يقصر، وهي رخصة، وصدقة، صدق الله عز وجل بها على أهل الإسلام. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فاقبلوا صدقته»، لما جاء عمر إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: يا رسول الله، لما قال الله عز وجل: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا، فقال عمر: قد ذهب الخوف يا رسول الله، فقال: «هي صدقة تصدق الله عز وجل بها عليكم، فاقبلوا صدقته». فلهذا فينبغي للمسلم أنه إذا خرج مسافرًا، سواء كان سفر طاعة أو سفر معصية، لم يفرق الشرع بين هذا وهذا، فيصلي ركعتين، صلي ركعتين. كما جاء أيضًا عن أنس، البخاري ومسلم: قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحج، فصلى ركعتين ركعتين حتى رجع إلى المدينة، حتى رجع إلى المدينة، ما كان يصلي إلا ركعتين ركعتين. معناه: في الصلاة الرباعية، يقصر الصلاة الرباعية: الظهر والعصر والعشاء. فهذا إن شاء الله ما يؤخذ من هذا الحديث، والله تعالى أعلم.