الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 654، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
استعرض الشيخ مقبل بن هادي الوادعي سلسلة رواة حديث الترمذي مبينًا أحوالهم وثقاتهم، مع التركيز على محمد بن عجلان وزيد بن أسلم، وسرد قصة الإمام مالك مع امرأة ادعى زوجها عدم نسب الولد لطول مدة الحمل، فأفتى مالك بجواز الحمل أربع سنوات مستشهدًا بولادة أم محمد بن عجلان بعد أربع سنوات، مخالفًا رأي الشافعي الذي يحددها بسنتين.
استعرض حديث ابن عباس في مسح النبي صلى الله عليه وسلم رأسه وأذنيه، مبينًا أن الآية ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ تقتضي مسح جميع الرأس للإلصاق لا للتبعيد، وأن الأذنين تمسحان مع الرأس لكونهما منه، مع ذكر خلاف العلماء بين وجوب مسح الأذنين واستحبابه.
أوضح طريقة مسح الأذنين كما وردت عن النبي ﷺ بإدخال السبابة في الباطن والإبهام على الظاهر، وبيّن أنهما تمسحان بماء الرأس دون حاجة لماء جديد، وفرق بين المسح (إمرار اليد المبللة) والغسل (إسالة الماء)، مؤكدًا أن الرأس يمسح لا يغسل، وأن القدمين تغسلان لا تمسحان، مستدلًا بحديث ابن عمر في الوعيد على من يمسح قدميه.
أشار إلى ضرورة غسل الأعضاء التي يُغسلها الوضوء ومسح التي يُمسحها، ثم ختم بالتأكيد على الاكتفاء بهذا القدر من البيان مع تفويض العلم لله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه أما بعد. قال العلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا الحسين بن حريف. وهذا قد أخذنا. قال الترمذي رحمه الله: حدثنا هناد، وهو ابن السري الكوفي، عابد من عباد أهل الكوفة، ومحدث من محدثيهم. قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، وهو العودي، وهو من حفاظ أهل الكوفة الثقات. عبد الله بن إدريس العودي، ويقال: إن ليس هناك من أهل الكوفة من لا يشرب النبيذ إلا سفيان الثوري وعبد الله بن إدريس. أن أكثر أصحاب الكوفة يشربون النبيذ، كان عندهم نبيذ التمر والبسر، فكانوا يشربونه بعد إسكاره، بمعنى: بعد أن يشتد. فعندهم أن النبيذ لا يحرم إلا إذا كان مسكرًا في نفسه عند أهل الكوفة، لكن كان سفيان وعبد الله بن إدريس ما كانوا يشربونه. قال: عن محمد بن عجلان. محمد بن عجلان مدني، لكن جلس في الكوفة فترة من الزمن، ولهذا تجد أهل الكوفة دائمًا يروون عنه، وإلا فمحمد بن عجلان مدني. كان جارًا لمالك بن أنس. لما قيل لمالك بن أنس في مسألة الحمل: قيل إن امرأة حملت ثم سافر زوجها، أو أن امرأة سافر زوجها وحملت فلم تلد إلا بعد سنتين، فلم تلد إلا بعد سنتين، فأنكر الزوج هذا الحمل، وقال: لعل هذا ليس مني. بمعنى: كيف تجلس سنتين وهي حامل؟ فسألوا الإمام مالك رحمه الله، فقال لهم: هذا محمد بن عجلان جارنا، أو قالوا: هذا جارنا ابن عجلان، كانت أمهم تلد الواحد منهم بعد أربع سنوات، أن يخرج من بطنها بعد أربع سنوات ويخرج ومعه أسنان. فلما ولدت هذه المرأة فولدت بطفل شبيه بأبيه، قال هذا الرجل: والله هذا ولدي، هذا ولدي يشبهني. فأخذوا بفتوى مالك. لهذا مالك من قوله يقول: إن أكثر الحمل أربع سنوات، وعند الشافعي في رواية، بمعنى: في مذهب الشافعي أنه سنتان. قال: عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم. زيد بن أسلم العدوي، مولى عمر بن الخطاب. أسلم أبوه، مولى لعمر بن الخطاب، وكان نصرانيًا ثم أسلم. الظاهر يقال: إنه من مدينة عكا، فهي من مدن الشام، فأسلم رضي الله عنه أو رحمه الله، وكان مولى لعمر، وابنه زيد فقيه من فقهاء المدينة، والد عبد الرحمن وعبد الله وأسامة. قال: عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار المدني، عن ابن عباس: أن النبي عليه الصلاة والسلام مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما. قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح. قال أبو عبد الرحمن: هو حديث حسن؛ لأن ابن عجلان طعن بعضهم في حفظه، فهو صدوق. هذا الحديث في مسح الرأس والأذنين. كان النبي صلى الله عليه وسلم يمسح برأسه وأذنيه، ومسح الرأس كما قال الله عز وجل: ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يمسح جميع رأسه، كما جاء في حديث عبد الله بن زيد المازني: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسح رأسه بيديه، يقبل بهما ويدبر، فيمسح جميع رأسه عليه الصلاة والسلام. وهذا تفسير للآية: ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾. والباء للإلصاق وليست للتبعيد، كما قال الشافعي رحمه الله وهو مجتهد، لكن الصحيح أنها للإلصاق، كما قال أكثر أهل اللغة، بل كان سيبويه ينكر إنكارًا شديدًا أن تكون بمعنى التبعيد. فقوله: "مسح برأسه" أي: كله، أي كل رأسه. فمسح الرأس يكون جميع الرأس. وجاءت في كيفية المسح: أنه يبدأ من ناصية أو مقدمة الرأس، ثم يذهب بهما إلى خلف، ثم يرجعهما. وجاء في حديث أم الربيع، لكن من طريق محمد بن عبد الله بن عقيد، أو عبد الله بن محمد بن عقيد، وفي حفظه كلام، أنها من الوسط: تضع يدها في الوسط، أو يضع في الوسط ثم يجعلها أمامًا ثم يرجعها إلى الخلف. فمسح الرأس، ثم وأذنيه: مسح برأسه وأذنيه. وهذا يدل على أن الأذنين تمسح مع الرأس، أن الأذنين تمسح مع الرأس. ويؤيد هذا أيضًا حديث: "الأذنان من الرأس". جاء من طرق عن النبي عليه الصلاة والسلام، صححها جماعة من العلماء بشواهدها: الأذنان من الرأس. فهي تمسح مع الرأس، وهي أيضًا واجبة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بمسح الأذنين، وأيضًا هي من الرأس. لكن أكثر العلماء يرون أنها مستحبة، وأنها فقط من كمال مسح الرأس، فتدخل معه. وفي هذا الحديث أيضًا كيفية مسح الأذنين: أنه يمسح ظاهرهما وباطنهما. وجاء في رواية: أنه كان يدخل السبابة في باطن الأذنين، والإبهام في ظاهرهما. بمعنى: السبابة تمسح باطن الأذنين، والإبهام يمسح ظاهرهما. فهذا الذي جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهل يمسحان بماء جديد؟ لم يأتِ شيء في ذلك، أو لم يصح شيء في هذه المسألة. لكن الظاهر أنه يمسحهما بماء الرأس. بمعنى: هذا الماء الذي بلل يديه ومسح برأسه، أيضًا يمسح به أذنيه، يمسح أيضًا به أذنيه مع الرأس، ولا يشترط أن يكون لهما ماء جديد. وما جاء في هذا لا يصح. وإن أخذ ماء جديدًا، بمعنى: بلل يديه بماء آخر ومسح، لا بأس؛ لأن المسألة كما قلنا ليس فيها شيء صريح ينص على ذلك. لكن تمسح مع الرأس، وإن شاء أخذ لها ماء جديدًا، حتى مثلًا إذا كان يريد أن ينظفها أكثر. لكن ليس معنى أنه يأخذ ماء، وإنما المراد التبليل: تبليل اليد بالماء ثم يمسح؛ لأن المسح هو إمرار اليد المبللة على العضو. هذا المسح بخلاف الغسل: الغسل هو صب الماء أو إسالة الماء على العضو، إسالة الماء على العضو هذا غسل. والمسح هو إمرار اليد المبللة على العضو. ولهذا الرأس يمسح ولا يغسل. ومن الخطأ أن الرأس يغسل. أن بعض الناس يأخذ ماء في يديه ويضعه في رأسه، هذا خطأ؛ لأن الرأس يمسح. إذا أراد أن يبلل مثلًا شعره أو كذا بالماء، فيجعله بعد الوضوء أو قبل الوضوء، يجعله قبل الوضوء أو بعده. معناه: يريد أن يبلل رأسه بالماء، لكن لا يجعله من الوضوء؛ لأن الرأس يمسح ولا يغسل. بل إن بعض العلماء شدد في هذا الباب، وقال: إنه لا يجزئه إذا غسل رأسه ولم يمسحه، لا يجزئه. والجمهور على أنه مجزئ إذا غسل، بمعنى: مكان المسح. لكن السنة هو المسح. وكذلك العكس: العكس إذا مسح مكان الغسل، عند أكثر العلماء أنه لا يجزئه. إذا مسح مثلًا رجليه أو مسح يديه، فإنه لا يجزئه. لما جاء في حديث عبد الله بن عمر: أن النبي عليه الصلاة والسلام وجدهم يمسحون أرجلهم، فقال: «ويل للأعقاب من النار، ويل للأعقاب من النار». فلا بد من غسل ما يغسل، ومسح ما يمسح. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.