من نعم البحر

الخطبة بعنوان من نعم البحر، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٥ جمادى الأولى ١٤٣٦هـ ألقاها

نعمة الله في البحر وتسخيره للعباد

يمتن الله على العباد بتسخير البحر ليأكلوا منه ويستخرجوا الحلي، ويبين أن صيد البحر حلال. هذه النعمة تستوجب الشكر والتدبر في آيات الله.

خلق السفن والفلك آية من آيات الله العظيمة

خلق الفلك والسفن آية عظيمة ينبغي للعباد تدبرها، وقد حفظ الله السفن التي صنعها نوح عليه السلام ورعاها لتكون منة للعباد.

التوجيه الشرعي للتعامل مع البحر والحفاظ عليه

يجب شكر الله على نعمة البحر واستغلالها في طاعته مع الحفاظ على البيئة البحرية والمصلحة العامة، والتعاون على البر والتقوى.

ختام الدرس بالتسبيح والصلاة على النبي

يُختم الدرس بالتسبيح لله وتنزيهه والصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على تقدير الله رب العالمين.

  • 18 جمادى الأولى 1436هـ - 08/03/2015مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحمًا طريًا وتستخرجوا منه حليةً تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون﴾. في هذه الآية يمتنُّ الله جل وعلا على عباده بتسخير البحر لهم، ذلكم العالم العظيم، وذلكم العالم العجيب، الذي أودع الله عز وجل فيه من مخلوقاته ما تتحيَّر له العقول، وما تتعجَّب منه الأفهام. على عظيم صنع الخالق سبحانه وتعالى، يمتنُّ الله جل وعلا على العباد بهذه النعمة العظيمة التي سخرها لهم، والتي خلقها لهم، والتي أوجدها لهم لينتفعوا بها، ولذلك تحصل لهم من المنافع الشيء الكثير الذي تقوم به مصالح حياتهم ودنياهم. وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحمًا طريًا، فهذه من أعظم منافع البحر، ومن أعظم فوائده التي سخرها الله سبحانه وتعالى للعباد، أن يأكلوا من أسماك هذا البحر لحمًا طريًا، لحمًا نقيًا. كذلك أيضًا دلَّت الآية على أن صيد البحر حلال، وكل ما فيه من أنواع الأسماك والحيتان، فالأصل فيها الحل والإباحة. ويدل على ذلك أيضًا قول الله عز وجل في كتابه الكريم، مبينًا جل وعلا حل صيد البحر، قال سبحانه: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسيارة﴾. أحل لكم صيد البحر، قال ابن عباس وغيره من السلف، كأبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وأبي بكر الصديق، وغيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم: صيد البحر ما صيد منه، أي وهو حي، وطعامه ما قذفه البحر ميتًا. فإن من عظيم فضل الله، وعظيم كرمه سبحانه على العباد، أن أحل لهم صيد البحر حيًا وميتًا، حيًا وميتًا، سواء كان ما كان فيه من الصيد، ومن الأسماك ما له أسماء مشابهة من حيوانات البر التي لا يحل أكلها، كالخنزير والكلب، فإن صيد البحر يحل كخنزيره وكلبه، وغير ذلك من أنواعه. كذلك أيضًا ما قذفه البحر ميتًا، فإنه حلال. وقد جاء في السنن من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رجلًا سأل النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «هو الطهور ماءه، الحل ميتته». وجاء عند أبي داوود وغيره من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما موقوفًا، وله حكم الرفع، قال: «أحلت لنا ميتتان ودمان، أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالطحال والكبد». فدلت هذه الأدلة على أن ما يخذه البحر من الصيد ميتًا، فهو حلال، وبذلك يحصل كمال الانتفاع للخلق والعباد مما في البحر حيًا وميتًا. قال جل وعلا: ﴿وهو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحمًا طريًا وتستخرجوا منه حليةً تلبسونها﴾، أي من اللؤلؤ والمرجان وغيرهما. قال جل وعلا: ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾. ثم قال سبحانه: ﴿وترى الفلك مواخر فيه﴾، والفلك هي السفن، مواخر، أي تمخر في البحر، وتسير في البحار، سخرها الله سبحانه وتعالى، وكذلك يسرها الله عز وجل للعباد لينتفعوا بها، فهي آيةٌ عظيمة من آيات الله التي خلقها الله جل وعلا وصنعها. قال سبحانه: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس﴾، جعل الله عز وجل خلق الفلك والسفن من آياته العظيمة التي ينبغي للعباد أن يعقلوها، وأن يتدبروها، وأن يفهموها ليعلموا كمال عظمة الخالق سبحانه وتعالى. هذه السفن التي علم الله عز وجل نبيه نوحًا عليه السلام صنعها، فهو أول من صنعها، ومن ركبها، وجعلها الله عز وجل آيةً للعباد، ومنةً ينتفعون بها. قال سبحانه: ﴿كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر فدعا ربه أني مغلوب فانتصر﴾، ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر، وفجرنا الأرض عيونًا، فالتقى الماء على أمر قد قدر، وحملناه على ذات ألواح ودسر. هكذا يخبر الله سبحانه وتعالى بما حصل لنبيه نوح عليه السلام مع قومه، الذين دعاهم إلى الله، وأمرهم بعبادة الله، وإخلاص العبادة له، فما كان منهم إلا أن كذبوه، وأرموه بالجنون، وأبوا أن يؤمنوا به ويتبعوه. فدعا ربه جل وعلا أن ينصره عليهم، وأن يؤيده ويحفظه من شرهم، فأوحى الله إليه أن يصنع السفينة، ويصنع الفلك، وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه. قال: «إن تسخروا منا، فإنا نسخر منكم كما تسخرون، فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم». ثم أنزل الله عز وجل المطر من السماء بماء منهمر، ماء غزير كثير متتابع. ثم نبعت الأرض، وأخرجت ما فيها من المياه، فالتقى الماء، ماء السماء وماء الأرض، بأمر الله جل وعلا، وبإذنه سبحانه، فكان بذلك حصول الماء الكثير، والفيضان الغزير. فركب نوح عليه السلام، ومن معه من أهل الإيمان على ظهر السفينة التي علمه الله عز وجل صنعها، وكان في ذلك نجاته، وإغراق من أغرق الله عز وجل من قومه الذين كفروا به، ولم يؤمنوا ويتبعوه. قال جل وعلا: ﴿وحملناه على ذات ألواح ودسر﴾، أي مسامير تجري بأعيننا، بحفظ الله عز وجل، وبرعايته وكلئه. ثم جعل الله عز وجل ذلك آية: ﴿ولقد تركناها آية فهل من مدكر﴾. وعلى أحد التفسيرين أن الضمير في قوله: ﴿تركناها﴾ يرجع إلى السفينة التي علم الله عز وجل نوحًا عليه السلام صنعها، وكذلك فعلها، ثم تركها الله عز وجل، ترك جنسها، وترك عملها للناس، ليدل ذلك على رحمته سبحانه، وغايته، وكمال قدرته. ويقول الله جل وعلا، مبينًا كذلك امتنانه على العباد بهذه النعمة العظيمة، نعمة السفن والمراكب التي يركبها العباد، فينتفعون بذلك انتفاعًا عظيمًا، قال جل وعلا: ﴿ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور أو يوبقهن بما كسبوا ويعفو عن كثير﴾. جعل الله عز وجل هذه السفن والبواخر من آيات الله جل وعلا العظيمة، ومن آياته الجوار في البحر، الجوار هي السفن، سميت بذلك لأنها تجري في البحار كالأعلام، أي كالجبال الكبيرة، تمشي في أوساط البحار، وتلتطم بها الأمواج، ولا تؤثر فيها، تحمل أمتعة الخلق، بل وتحمل الناس من مكان إلى مكان. من الذي أجراها؟ ومن الذي حماها؟ ومن الذي منع إغراقها؟ إنه الله سبحانه وتعالى. إن يشأ يسكن الريح، فيضللن رواكد على ظهره، إن شاء الله عز وجل أوقف الرياح، فوقفت هذه السفن، سواء كانت سفنًا شراعية أو سفنًا نارية. فلو أراد الله عز وجل لإبطالها لأبطالها، وبقيت في أوساط البحار لا تذهب يمينًا ولا شمالًا، فمن الذي يجريها؟ ومن الذي يسيرها؟ وهو الذي يسيركم في البر والبحر، هكذا يخبر الله سبحانه أنه هو الذي يسيرها، وهو الذي يجريها سبحانه بقدرته وأمره جل وعلا. إن يشأ يسكن الريح، فيضللن رواكد على ظهره، إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور، أو يوبقهن بما كسبوا، أي لو شاء الله لأغرق هذه السفن، ولأغرق هذه البواخر، ولو كانت عظيمة كبيرة، فإنها لا تستطيع أن تقف بين أمر الله، وأن تعترض على قضاء الله وقدره. إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: «كن فيكون». إن العباد جميعًا يعلمون ذلك، ويعتقدون ذلك. ولذلك إذا مسهم الضر، وإذا نزلت بهم المصيبة في البحر، لجأوا إلى ربهم، وأنابوا إلى خالقهم، وركعوا أكفهم بالدعاء، تضرعًا وتذللًا، أن ينجيهم الله سبحانه وتعالى مما أصابهم من الضر. ﴿وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورًا﴾، هذا حال كثير من الناس، أنهم إذا أصابتهم المصيبة، ووقعت عليهم الكارثة، توجهوا إلى الله، ولجأوا إلى الله سبحانه وتعالى. وما أعظمه من فعل، إن كان في ذلك توبة صادقة، ورجوع إلى الله جل وعلا بإخلاص وصدق، فإذا نجاهم الله، وسلمهم من تلك المصيبة، رجعوا إلى كفرهم، ورجعوا إلى فسوقهم وفجورهم. أو يُبقِهن بما كسبوا، أي بسبب أعمالهم وذنوبهم ومعاصيهم، فكم من معاصٍ تُرتكب في أوساط البحار، وفي تلكم السفن والمواخر التي سخرها الله جل وعلا، فاستغلها العباد في معصية الله، وقابلوا النعمة بالكفران. كما يُرتكب فيها من فجور، وزنا، وشرب للخمور، أو لتركٍ بالواجبات، أو وقوعٍ في المحرمات والكبائر، ولو شاء الله أن يُغرِقها لأغرقها في لحظة، ولكن الله عز وجل يعفو عن كثير، لعظيم حلمه سبحانه وتعالى. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إن الله عز وجل سخر هذه النعم حتى يقوم العباد بشكره، وينتفع بها بالقيام بطاعته وعبادته. قال الله جل وعلا: ﴿وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحمًا طريًا وتستخرجوا منه حليةً تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون﴾. لتبتغوا من فضله، مما منَّ الله سبحانه وتعالى، وجعل لكم في هذه السفن، وفي ذلكم البحر من نعمٍ وأرزاق تبتغونها بفضل الله، وبعظيم كرم الله سبحانه وتعالى، حتى تقوموا بشكره جل وعلا، لعلكم تشكرون. عباد الله، إن البحر نعمةٌ عظيمة من نعم الله جل وعلا التي سخرها الله سبحانه وتعالى لنا، فينبغي أن نحافظ على هذه النعمة، وأن نكون متعاونين في إبقائها، وفي سلامتها، وفي كذلك أيضًا رفع الضرر الذي قد يحصل من بعضنا على بعض. فلذلك ينبغي مراعاة ما فيه مصلحةٌ عامةٌ للجميع، ومن ذلكم تلكم المحميات البحرية التي جُعلت، والتي فُعلت لأجل مصلحة جميع الناس، بل هي مصلحةٌ كذلك للبحر، لأجل الحفاظ على تلكم الثروة السمكية لتكثيرها، ولزيادتها، ونمائها. وكذلك أيضًا حتى ينتفع الجميع مما جعل الله عز وجل من فضلٍ وخيرٍ في البحر. ولذلك فإنه لا يجوز للمسلم أن يضرَّ بأخيه، فإن الضرر منفيٌ في الشريعة. والله جل وعلا يقول: ﴿فلا يضر كاتبٌ ولا شهيد﴾، ويقول سبحانه: ﴿لا تضر والدةٌ بولدها ولا مولودٌ له بولده﴾. وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، الذي رواه ابن ماجة، والدار قطني موصولًا، ورواه الإمام مالك في الموطأ مرسلًا، وحسنه جماعةٌ من أهل العلم بمجموع طرقه، قال عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار». لا ضرر، أي ما كان فيه ضرر على الآخرين مع انتفاع الإنسان بنفسه، فيحصل له النفع بشيءٍ، ويضرُّ الآخرين. والضرار أن يضر غيره من غير عقل له، فكلا الضررين منفيٌ في الشريعة. بل ينبغي أن يكون المسلم حريصًا، ومحبًا الخير لإخوانه، كما يحبُّه لنفسه. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». فينبغي التعاون في ذلك لما فيه الخير للجميع. والله عز وجل يقول: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يسر لنا الأرزاق، وأن يكثر جل وعلا لنا من خيره وفضله. اللهم اجعلنا هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أمتنا، وولاة أمورنا، اللهم اجعل ولاة أمورنا من خافك واتقاك واتبع رضاك. اللهم عليك بأعداء هذا الدين الذين يصدون عن سبيلك، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم الظالمين، اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكيها، أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على